ذو الفقار دوغان
أغسطس 15 2018

الحكومة التركية وضبابية مواقفها من الأزمات

قبل أيام خرج علينا وزير المالية والخزانة التركي، بيرات البيرق، ليعلن النموذج الاقتصادي الجديد للبلاد. أخذ الرجل يتحدث لما يقرب من ساعة والنصف ساعة دون أن يتفوه برقم واحد أو حل أو  حتى هدف صغير يسعى لتحقيقه. ليكون بذلك الوزير الوحيد والأول في العالم تقريبًا الذي يفعل ذلك.

في كلمته التي أعلن فيها النموذج الاقتصادي الجديد، قال الوزير البيرق، إن المبادئ الاقتصادية الجديدة ستتجه نحو تحقيق الثقة مع جميع المساهمين في السوق وضمان الاستقلالية التامة للسياسات النقدية. أخذ يتحدث بطريقة ملفتة للانتباه، وكان بين الحين والآخر يحذر أصحاب البنوك، والشركات القابضة التركية على المستويين المحلي والعالمي، إذ كان يقول لهم وهو يتحدث "هذه الجزئية مهمة للغاية"، وكأنه كان يريد أن يبدد حالة النعاس التي خيمت على الموجودين في القاعة يستمعون له.  

واستمر على هذا النحو حتى انتهى من تقديم النموذج الاقتصادي، دون أن يترك مجالًا لتوجيه أسئلة له. ولما انتهى قام رجال أعمال كبار، وأخذوا يصفقون بشكل حار حتى كادت تتقطع أيديهم، إشادة بالنموذج الاقتصادي الجديد الذي قدمه الوزير الشاب. ولعل التصريحات التي تلت هذه الفعالية، أظهرت بشكل جلي أن دنيا الأعمال في تركيا تحولت إلى ما يشبه "البيعة".

وفيما يلي نعرض ما قاله، غولر صبانجي، رئيس مجموعة "صبانجي" القابضة، ومجموعة "انرجي-صا" وكان أحد من طالبوا بخصخصة قطاع الطاقة، إذ قال الرجل بعد انتهاء الوزير البيراق من الكشف عن نموذجه الاقتصادي الجديد: "نحن نعرف وزير الخزانة والمالية، بيرات البيرق، منذ أن كان وزيرًا للطاقة. فهو حتمًا يفعل ما يقوله. واليوم استمعنا إلى ما سيتم إنجازه اقتصاديًا خلال المرحلة المقبلة، بل وتعلمنا منه. وثقتنا كاملة في هذا الوزير الشاب". كلمات موجزة لخصت الوضع المتردي الذي تعيشه البلاد.

وكما تعلمون فإن كل أصحاب الشركات العملاقة، والمجموعات القابضة من الأتراك، عليهم ديون بالعملات الصعبة، ويسعون لإعادة هيكلة ديونهم مع البنوك. لذلك عجز هؤلاء خلال إلقاء الوزير لكلمته عن طرح الأسئلة التي تراودهم باستمرار، ألا وهي: "كيف ستكون سياسة العملة الصعبة والفوائد؟ وكيف ستعود تركيا لطبيعتها وكيف سيكون للتجارة بالعملة المحلية أثر طيب على جرحنا الدامي، لا سيما أن الدول التي تنشد تركيا التجارة معها بهذه العملة، تخضع لعقوبات أميركية، مثل روسيا، وإيران، والصين؟ ومن، وأي دولة سيقتنع بعمل تجارة بالليرة التركية التي تفقد قميتها على رأس كل ساعة تمر؟". 

لا شك أن الصورة الحالية التي وصلنا إليها، كثيرًا ما حذرنا من الوصول إليها قبل أشهر، وحتى قبل عامين. لكن الآن، وبدون مقدمات أحذت هذه الصورة شكل حرب استقلال قومية، وبالتأكيد الفضل في ذلك يعود لقرار العقوبات الأميركية بحق البلاد.

بات المسؤولون يطرحون التدابير المختلفة لتعديل الوضع الاقتصادي، دون أن تكون هناك إمكانية للنقاش أو الجدل حول تلك المشكلات، وسبل حلها. لقد تم اختزال الأمر في مجرد إظهار الأخطاء والصواب، والقيام بتوصيات ومقترحات، وتقسيم الناس بين "خائنين" و"محبين للوطن".

ولا جرم أن ما تشهده تركيا من أوضاع اقتصادية متردية، كانت موجودة قبل أزمة أنقرة مع الولايات المتحدة التي ظهرت مؤخرًا بخصوص القس الأميركي، أندرو برانسون، المعتقل في تركيا منذ العام 2016. فجميعنا نعرف منذ زمن أن هناك ديونًا كبيرة على القطاع الخاص، وصلت لمستويات خطيرة، نهايكم عن عجز الحساب الجاري، والأخطاء الكبيرة في سياسات العملة الصعبة، والفوائد، وكذلك المراحل التي مرت بها معدلات التضخم في البلاد.

ورغم أن كل هذه الأوضاع كانت موجودة قبل قضية القس، إلا أن هناك من يسعى لإيهام الناس بأن هذه الأزمات ظهرت فجأة، وتحديدًا خلال الأسبوعين الآخرين.  

وخير ما يؤكد أن الأوضاع في تركيا كانت كما هي الآن قبل سوء العلاقات مع الولايات المتحدة، هو كلام، دولت بهجلي، زعيم حزب الحركة القومية الذي دعا في 17 أبريل 2018، إلى إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة في كلمة ألقاها تحت قبة البرلمان. وهو هو نفس الشخص الذي وقع مع الرئيس، رجب طيب أردوغان الاتفاق الانتخابي بينهما في 24 يونيو الماضي. وبخصوص الأوضاع السيئة التي كانت ذريعة له لإجراء انتخابات مبكرة، قال بهجلي وهو يدعو لتبيكر الانتخابات: "ليس من المناسب، ولا المعقول، ولا الممكن أن تظل تركيا تحت وطأة هذا الحمل الثقيل لأكثر من هذا، ولا أن تتحمل تلك الأوضاع حتى 3 نوفمبر 2019 (موعد إجراء الانتخابات قبل تقديمها إلى شهر يونيو الماضي). لأن استمرار هذه الأمر سيؤدي لظهور عوامل سلبية من شأنها التأثير بشكل كبير على الديناميات الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية". والمعنى الواضح من كلام هذا الرجل، هو أن الأوضاع الاقتصادية بالبلاد تسوء بشكل كبير، وأن تركيا اقتربت من حافة الهاوية. هذا كلام أعلنه الرجل قبل شهور، ما يفيد أن تلك الأوضاع المذرية ليست حديثة العهد بالاقتصاد التركي.

بهجلي كان يرى كالجميع أن الاقتصاد ليست لدية طاقة ليتحمل تلك الأوضاع حتى العام 2019، وكان يرى أيضًا أن الذهاب إلى اتخاذ وصفات علاجية قاسية للاقتصاد بدلًا من الانتخابات المبكرة، كان سيفقد "تحالف الجمهور" (بين العدالة والتنمية، والحركة القومية)، انتخابات العام 2019. وبالتالي نفهم جيدًا أنه حينما دعا بهجلي للانتخابات المبكرة قبل 4 شهور، لم تكن هناك أزمة مع الولايات المتحدة، ولا حتى عقوبات أميركية.

أي أن مرحلة الأزمة التي وصلنا لها اليوم، لم تكن بالشيء الذي لم نره أو نعرفه من قبل. فالجميع بلا استثناء كانوا يتحدثون عن هذه الأوضاع من قبل، بما في ذلك حزب العدالة والتنمية الحاكم، وشريكه حزب الحركة القومية، وأحزاب المعارضة الأخرى، وكذلك خبراء السوق في الداخل والخارج، والاقتصاديون، ووكالات التصنيف الائتماني، والمحللون، وحتى نحن كتبنا وقلنا إن "القرية الواضحة لا تحتاج لمرشد أو دليل". إذ كانت تلك الأوضاع واضحة وضوح الشمس في كبد السماء.

فلقد كانت كل الدلائل تؤكد أن الاقتصاد في طريقه إلى مرحلة الخريف، وإلى المرحلة الخطيرة التي وصل إليها الآن. لذلك تم تبكير موعد الانتخابات وإجراؤها في 24 يونيو الماضي. وما أزمة القس برانسون، والعقوبات الأميركية إلا القطرة التي أفاضت الكأس، والقشة التي قسمت ظهر البعير. وعجلت هذه الأزمة بالانهيار الاقتصادي الكبير الذي كان متوقعًا حدوثه في فترة الخريف.

لكن الشيء الأكثر مأساوية هو تلك التصريحات التي أدلى بها، زعيم الحركة القومية، دولت بهجلي، يوم الجمعة الماضية، 10 أغسطس الجاري. تلك التصريحات التي نسي أو تناسى فيها أستاذ الاقتصاد، بهجلي، كلماته التي قالها قبل 4 أشهر، وقال في تصريحاته الأخيرة إن "الاقتصاد وصل لمرحلة تنذر بالخطر".

وقال بهجلي أيضًا من ضمن تصريحاته الأخيرة: "هناك مؤامرة دولية تحاك ضد تركيا، وهجوم اقتصادي، وخيانة تتعرض لها البلاد". وبعدها طالب الجامعات والأكاديميين، - وكأنه يستهزئ برجال العلم – وقال مخاطبًا إياهم:

"يا من يعملون في مجال الدراسات الاجتماعية بالجامعات، ولا سيما العلماء الذين يأخذون على عاتقهم مهمة تدريس في إطار علم الاقتصاد، ماذا تنتظرون، ولماذا تقفون صامتين حيال هذه الأوضاع الاقتصادية؟ فإذا لم نضطلع بالمسؤولية اليوم، فمتى سنفعل ذلك؟".

لكن على ما يبدو أن حليف الحزب الحاكم تناسى أن هناك الكثير من أساتذة الاقتصاد في الجامعات التركية قد تم تسريحهم، وطردهم من عملهم تحت تهم عدة مثل "الخيانة – والجاسوسة – والإرهاب". فهناك كما تعلمون آلاف من أساتذة الجامعات قد تم اعتقالهم، وطردهم من جامعاتهم ليصبحوا بين ليلة وضحاها بلا عمل. لذلك السؤال الذي يطرح نفسه الآن، وننتظر من بهجلي الإجابة عليه: هل بقي في الجامعات أكاديميون وأساتذة يمكنهم في ظل هذه الأجواء الأكاديمية، أن يقترحوا حلولًا اقتصادية؟

كما أن هناك الكثير من الاقتصاديين الأتراك ممن لهم ثقل دولي، لا تتم استضافتهم في البرامج التلفزيونية، ولا توضع تحذيراتهم، ومقترحاتهم عين الاعتبار، ومن هؤلاء البروفيسور، قورقوت بورتاف، كبير الاقتصاديين، وأرينج يلدان، الاقتصادي اللامع، ورفت غورقايناق، تلميذ بن شالوم بيرنانكي، الرئيس السابق لمجلس الاحتياطي الأميركي. والبروفيسور خيري قوزان أوغلو، وعثمان آلطوغ، وإسفندر قورقماز، ويالجين قره تبه، وأرجان أويغور.

وعلى ما أعتقد أنكم تعرفون البروفيسور يلماز آق يوز، الذي كان أحد آلاف الأكاديميين الذين طردتهم الطغمة العسكرية من الجامعات التركية إبّان انقلاب12 سبتمبر عام 1980. هذا الرجل بعد أن أُغلقت في وجهه أبواب الجامعات التركية، قام بالتدريس في أعرق الجامعات حول العالم. ونهاية العام الماضي، بدأ اسمه يتردد من جديد بعد أن نشر كتابه المعروف باسم "الهشاشة المالية في الاقتصاديات الناشئة". وأنا على يقين تام من أنه إذا طالع كل من بهجلي، وأردوغان، وبيرات البيرق، كتاب هذا الرجل، سيكون بمقدورهم رؤية الحلول التي من شأنها علاج الأزمات الاقتصادية التي تعيشها البلاد.

لكن كما دأبنا فإن الساسة الأتراك لا يعنيهم بأي حال من الأحوال وضع برامج، ونماذج اقتصادية رغم التحذيرات التي تمت منذ سنوات، وعلى العكس من ذلك ألقوا بمسؤولية فشل السياسات، والممارسات الاقتصادية الخاطئة التي انتهجوها، على القوى الخارجية، ولوبيات الفوائد، وأباطرة العملات الصعبة. فضلوا التضليل، وتغطية فشلهم بخطابات قومية، على إرهاق عقولهم في إيجاد حلول علمية عقلانية للمشاكل التي نواجهها.  

ولعل من أبرز الحلول التي طرحها السادة بنكهة قومية في الميادين، وعلى شاشات التلفاز، لمواجهة الأعداء الاقتصاديين، دعوتهم المواطنين لإخراج العملات الصعبة، والذهب من تحت الوسائد، وتحويلها إلى العملة المحلية.

أما النقطة الأكثر صدمة في خضم كل هذه التطورات، هي أن الطلبات التي قدمت للجهات المعنية من أجل الإعفاء من أداء الخدمة العسكرية بمقابل مادي يقدر بـ15 ألف ليرة، وصلت لأرقام قياسية. فخلال شهر واحد وصل عدد من يرغبون في الهروب من أداء الواجب الوطني مقابل المال، ما يقرب من 300 ألف شخص. ومن المنتظر أن يتخطى هذا الرقم حاجز المليون بحلول نهاية نوفمبر المقبل.

هل تتخيلون معي سوداوية المشهد التركي، إذ من ناحية يدعو الساسة المواطنين للمقاومة الوطنية في الحرب الاقتصادية التي تشن على البلاد بحسب زعمهم، ومن ناحية أخرى نرى الشباب يهرب من الخدمة العسكرية مقابل دفع المال، بموجب قوانين الدولة التي أِشرف على خروجها للنور وتفعيلها، حزب العدالة والتنمية الحاكم. لتنتهي بذلك قوافل مودعي الملتحقين بالعسكرية حديثًا، ولتخرس على إثر ذلك تلك النعرات التي كان يرددها الأهالي وهم يودعون أبناءهم للجيش، حيث كانوا يقولون "أعظم الجنود جنودنا".

وثمة حل آخر يمكن للدولة أن تلجأ إليه إذا كان لدى المواطنين دولارات، وهي أن تزيد من عوائد القمار، وأوراق اليانصيب، وجميعها تدار بمعرفة الدولة، وبالتالي تجد الحكومة من خلال هذه الطريقة، أموالًا تملأ بها خزائنها.

فكما تعلمون يدخل خزينة الدولة في اليوم الواحد تقريبًا نحو 5 مليون ليرة كضرائب على ألعاب الحظ، واليانصيب، لا سيما من لعبة "اللوتو" التي كانت تسمح السلطات من قبل بلعبها أيام السبت فقط من كل أسبوع، لتلعب حاليًا على مدار يومين.

أي أن خزينة الدولة في اليومين ستستقبل مبلغًا يتراوح بين 10 إلى 15 مليون ليرة تقريبًا من لعبة "اللوتو".

وبالتالي فإن الدولة من مثل هذه الألعاب، إلى جانب القمار المسموح بلعبه 5 أيام في الأسبوع، ستحقق دخلًا يتراوح بين 80 إلى 100 مليون ليرة على مدار الشهر.

ومن كل ذلك نفهم وندرك جيدًا مدى التناقض في السياسات التي تتبعها الدولة في كافة المجالات، حتى في سعيها لإيجاد حلول لما يواجهها من مشكلات. فنرى بخصوص أزمة الليرة أنها من جها تعلن لجوءها إلى الله لمواجهة القوى الخارجية المحدقة بالبلاد، ومن جهة أخرى تعمل على نشر ألعاب القمار بيدها لتحارب الدولار، والعملات الصعبة. كما أنها تدعو إلى "الصمود الوطني" بدعوى القومية، ومن ناحية أخرى تقدم للناس فرصًا لبيع الجندية والهروب منها مقابل دفع أموال. وإن كان لا بد أن نسمي ذلك بشيء، فلنسمه "معجزة النموذج الاقتصادي الجديد".


يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا: