هيرقل ميلس
فبراير 17 2019

الحوار بدل الاستقطاب السلبي هو الحل من أجل المجتمع التركي 

يُشْبِه الناس من الناحية الاجتماعية الكلابَ أكثر من القطط، حيث يميلون إلى تشكيل مجموعات مثلها. فهم لا يشكلون بيئة عائلية كالأسود بل يشكلون قطعانًا كالذئاب. بمعنى أن الناس ينظمون أنفسهم على شكل مجتمعات. وبعبارة أخرى فهم كائنات اجتماعية. 
وقد أُطلق على التجمعات البشرية مع مرور الوقت أسماء مختلفة، كالعائلة والعشيرة والقبيلة والسلالة والقرية والمدِينة والأمة وغيرها. هذه المجموعات لا حصر لها في تنوعها. فمثلا هناك مجموعات يتمحورون حول الدين أو الطائفة أو اللغة أو العقيدة الأيديولوجية. وكذلك هناك مجموعات ينطلقون من ديناميكيات مماثلة، كالأندية الرياضية والهويات المحلية ومجموعات المصالح والأصناف المهنية والأحزاب السياسية وجمعيات محبي هذا أو ذاك.. إلا أن كثيرًا منَّا لا يشعر بأن جميع هذه المجموعات نتيجةٌ للغريزة ذاتها.
هل يمكن أن يكون "الاستقطابُ السلبي" الشائع والمشكوّ عنه كثيرًا في هذه الأيام نتيجةً طبيعية لغريزة التجمع هذه؟ أي: هل التجمع والاستقطاب هو حالتنا الطبيعية؟
سؤال آخر: هل إنشاء مجموعة يؤدي إلى نتيجة ضارة مثل "الاستقطاب". والسؤال الأخير: هل يمكن تحقيق "فردية" الإنسان بدلاً من جماعيته؟
الفردية/الفردانية عبارة نظرية ونسبية للغاية، بل وغامضة إلى درجة بعيدة. وقد رأينا أن كثيًرا ممّن يرفعون راية الفردية اتجهوا إلى تشكيل أشخاص من أنفسهم يرتبطون مع بعضهم البعض، بل يشكّلون مجموعات دينية متعصبة للغاية تحت مسمى التنوير. فهل هؤلاء الذين يدّعون أنهم حققوا الفردية لا يتبنون مبادئ وسلوكيات مشتركة عندما يجتمعون؟ وبما أن ذلك هو ما يحدث حتمًا أفلا يكون هؤلاء الأفراد قد شكلوا مجموعة أيضًا؟ المجموعة التي يندمج فيها كلُّ فرد ويحدد هوية معينة؟
قد يقول قائل: إنهم يشكلون المجموعة بإرادتهم الذاتية. هذا صحيح. لكن كل المجموعات تتشكل بهذه الطريقة ما عدا المسجونين، حيث يشكلون مجموعة بصورة اضطرارية. لكن حتى في ظروف السجن تتكون مجموعات جديدة بعد فترة من الزمن. لأن الناس كائنات اجتماعية ويصبحون أعضاء في المجموعة بإرادتهم الخاصة وتتشكل فرديتهم في إطار تلك المجموعة.
غنيٌّ عن البيان أن التجمع يقود إلى التضامن والتعاون، ويوفّر هوية معينة، لكنه في الوقت ذاته يؤدي إلى إقصاء الآخر. لأن جميع الكائنات الحية تتعاطف عادة مع أقاربها؛ أما الآخر فتحوم حوله شكوك دائمًا. والناس يتّبعون حقائق متشابهة مع حقائق المجموعات التي ينتمون إليها، في حين يضعون مسافة معينة بين أنفسهم وحقائق الآخرين.  
بعبارة أخرى، تعيش كل مجموعة في عالمها الخاص. ولهذا العالم مبادئ أساسية يتبناها، وحقائق يؤمن بها، وأخلاق يلتزم بها، ومعيار للحق والباطل يقرّ به، ومُثل يتأسى بها، وزعماء يقتدي بهم، ومفهوم للجمال والقبح يأخذ به. والذين يعيشون في عالمهم الخاص لا يحبون ولا يريدون عالم المجموعات الأخرى. نعرف جميعًا ما حدث طيلة التاريخ: إذا كانت مجموعةٌ ضعيفةً، فإنها تطلب التسامح والتفاهم من الطرف الآخر؛ أما إذا كانت قوية، فترى إملاء حقائقها على الآخر واجبًا.
لماذا يكون السعي لإعلاء الحقيقة وهيمنتها ولو عن طريق الإكراه سلوكًا سيئًا؟! القول بأن للعقل طريقًا واحدًا هو زعْم الأقوياء؛ فالضعفاء والأقليات لا يمكنهم أن يتفوهوا بمثل هذه الكلمة. لذا نرى في عصرنا الراهن أن الذين لا حول لهم ولا قوة هم مَنْ يتحدثون عن ضرورة تعدد الأصوات والثقافات، حتى حين.. أي حتى يصبحوا أقوياء! وعندما يصبحون أقوياء يريدون أن يمنحوا "الحقيقة" للجميع، بدافع حبهم الشديد لمجتمعهم طبعًا! 
في الوقت الذي يتحدث الجميع عن وصول الاستقطاب إلى مستويات مقلقة في تركيا والعالم، أتابع الحوار، بل المبارزة الكلامية التي تدور بين الناس، وأجِد أن الأساليب والرموز التي يستخدمونها تقوم دائمًا على قواعد مماثلة. فكل مجموعة تدافع عن حقائقها الخاصة، دون أن تحاول فهم المجموعات الأخرى، بل دون أن تشعر بالحاجة إلى ذلك. الطريقة المتبعة كالتالي: كل مجموعة تَعتبر مبادئها الذاتية أساسيّة لينتهي مع ذلك "الحوارُ" قبل أن يبدأ. فما الذي يمكن أن نتحدث عنه يا ترى إذا رأت كل مجموعة أن أيديولوجيتها ومذهبها وزعيمها ومنظومتها الأخلاقية ومعيارها للحق والباطل غيرُ مفتوحة للنقد والنقاش؟
لنفترض أننا سنعقد مقارنة بين زعيمين، وأننا اتفقنا على بعض القِيَم، وإن كان هذا صعبًا. ولتكنِ القيم التي نعتمدها في المقارنة هي العلم والأخلاق وحب الزعيم لنا والتوازن الروحي والوطنية وحماية البيئة وحب الفنون. فما هو المهم بين هذه القيم؟ هل المهم أن يكون الزعيم صاحب علم أم أخلاق؟ هل أن يكون محبًّا لنا أم أن يتمتع بالتوازن الروحي؟ 
إننا نعطي الأولوية لقيمنا وفقًا للمجموعة التي ننتمي إليها حتى دون أن نشعر بذلك، ونخلُص دومًا إلى النتيجة التي نميل إليها. فعلى سبيل المثال، يمكن أن نقول: "إنه لص، لكنه منَّا" و"إنه ديكتاتور، لكنه معاصر" فنستمرَّ في دعم الزعيم. أو على النقيض من ذلك، يمكن أن نقول: "إنه منّا، لكنه لصّ" و"إنه معاصر، لكنه ديكتاتور" فنعترضَ عليه. نحصل على هذه النتائج المختلفة عن طريق تغيير التسلسل الهرمي للقيم فقط، ونعقد هذه المقارنة من دون تعمّد وشعور، وكثيرًا ما ننتهي إلى النتيجة التي نرغب بها عن طريق خداع أنفسنا.
وهذا يدل على أن الاعتقاد بإمكانية تحقيق "الفردية" وتبني "أفكار حرة" ليس إلا إخفاق في إدراك أنفسنا أو مبادرة لخداع ذواتنا. فنحن لا نفعل سوى اتباع مبادئ تلك المجموعة التي ننتسب إليها منقادين خلف غريزة التصرف بشكل جماعي. وحريتنا تتقيد بقدر الحرية داخل المجموعة التي ننتمي إليها ولا نخرج من حدودها. وقد أطلق البعض على هذا التقييد "بارادايم". 
حسنًا كيف يمكن الخروج من هذا التيه؟ وهل نريد ذلك؟ ألن تنتهي سعادتنا وتزول ثقتنا بعقيدتنا إذا خرجنا منه؟ أليس اللِّواذُ بهويتنا الجماعية كعنصر من عناصر الاستقطاب أكثرَ ارتياحًا وسهولةً؟ ألن نجد أنفسنا تلقائيًّا في مجموعة أخرى إذا خرجنا من مجموعتنا؟ ألا تخيف العدمية كثيرًا من الناس؟
إجابتي الحالية هي أن نبدأ بتحديد ومعرفة المشاكل التي نواجهها في هذا المجال على الأقلّ. أعتقد أن هذا هو الخطوة الأولى للوصول إلى الحل.

  يمكن قراءة المقال باللغة التركية على هذا الرابط:

https://ahvalnews.com/tr/turkiye/birey-olmakmis
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.