مايو 18 2018

الخطاب المتعالي لأردوغان أساء إلى الهالة المحيطة بتركيا في البلقان

بلغراد - مارست تركيا سياسة نشطة في البلقان، منذ نهاية الحرب الباردة، و"ساهمت في إنهاء النزاعات وفي جهود إعادة الإعمار ومن ثم من خلال سياسة خارجية توجهها التطلعات العثمانية الجديدة"، بحسب ما يؤكد جان ماركو الباحث المساعد في المعهد الفرنسي للدراسات التركية.

وكان الباب العالي العثماني يمارس وصاية على البلقان بين القرن الرابع عشر والتاسع عشر ويعد الكوادر والقادة لإدارتها وقيادتها.

يشير المحلل جان ماركو إلى أنّ "الخطاب القومي" للرئيس أردوغان أساء إلى الهالة المحيطة بتركيا في دول البلقان، ويتسبب بإحداث شروخ في العلاقة بينها وبين تركيا.  

ويتابع أنور روبيلي المحلل الكوسوفي المقيم في سويسرا إن تركيا "لم يعد من الممكن أن تشكل نموذجاً يحتذى بالنسبة لدول البلقان التي تتطلع للانضمام الى الاتحاد الأوروبي".

وقد نقلت وكالة الأناضول التركية خبراً أفادت فيه أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يعتزم إجراء زيارة عمل إلى البوسنة والهرسك الأحد المقبل. 

وذكر بيان صدر عن المركز الإعلامي للرئاسة التركية، اليوم الجمعة، أن أردوغان سيعقد اجتماعاً ثنائياً مع رئيس المجلس الرئاسي في البوسنة والهرسك، بكر عزت بيغوفيتش، وآخرعلى مستوى الوفود.

وأشار البيان إلى أن أردوغان سيشارك في الاجتماع السادس للجمعية العامة لاتحاد الديمقراطيين الأتراك الأوروبيين، وسيشارك في مراسم منحهِ دكتوراة فخرية من جامعة سراييفو الدولية.

وأضاف البيان أن أردوغان سيبحث خلال لقاءاته، العلاقات الثنائية والتطورات في منطقة البلقان، إلى جانب قضايا إقليمية ودولية أخرى. 

وقد أعلنت نوفي بازار، كبرى مدن محافظة سنجق، للتو رجب طيب أردوغان مواطناً فخرياً فيما يستعد الرئيس التركي لترؤس تجمع انتخابي الأحد في سراييفو لأعضاء الجاليات التركية المقيمة في أوروبا.

تحظى تركيا بنفوذ اقتصادي وديني وثقافي مثلما يُستشف من مسلسل "أليف" الأكثر مشاهدة في البوسنة.

ويتحمس محبو كرة القدم في مقاهي مدينة نوفي بازار الصربية، وغالبية سكانها من البوسنيين في جنوب صربيا، لفريقي فنربخشة وغلطة سراي التركيين أكثر من فريقي ريد ستار (النجمة الحمراء) أو بارتيزان بلغراد الصربيين.

ومن وقت لآخر، يظهر تأثير تركيا السياسي على هذه الدول. ففي نهاية مارس الماضي، أبعد كوسوفو ستة أتراك الى بلادهم بعد اتهامهم بأنهم مناصرون للداعية فتح الله غولن الذي تتهمه أنقرة بالوقوف وراء الانقلاب الفاشل في 2016.

رجب طيب أردوغان أثناء زيارة سابقة له إلى كوسوفو.
رجب طيب أردوغان أثناء زيارة سابقة له إلى كوسوفو.

استياء بوسني

جرت العملية بالتعاون بين جهازي الاستخبارات خارج الهيئات القضائية. وعلى الإثر أقال رئيس الوزراء راموش هاراديناي وزير الداخلية ومدير الاستخبارات بعد أن وصف العملية بانها "تتعارض مع قيم" كوسوفو.

رد الرئيس التركي حينها موجها إليه الكلام بقوله "من سمح لك باتخاذ مثل هذا القرار"، فكتب موقع "غازيتا إكسبرس" الاخباري باستياء "أردوغان يحكم كوسوفو".

وعبرت المعارضة البوسنية عن استياء مماثل في فبراير عندما تراجعت سراييفو عن منح الكاتب التركي الحائز جائزة نوبل أورهان باموك المواطنة الفخرية. وأدانت المعارضة حينها "سياسة التبعية" و"الخوف من إغضاب أردوغان".

وعلى غرار رئيس كوسوفو هاشم تاجي، لا يخفي رئيس وزراء ألبانيا ايدي راما والزعيم البوسني بكر عزت بيغوبتش الذين حضروا عرس ابنة أردوغان في 2016، قربهم من الرئيس التركي، حتى وإن لم يتمكن من دفعهم إلى إغلاق المدارس التي تديرها شبكة غولن.

ولا شك أنه عِبر التاريخ تجعل الصرب المسيحيين الأرثوذكس أكثر ريبة إزاء تركيا. فخلال اللقاءات السياسية لصرب البوسنة، يصيح المشاركون بهتافات مثل "جمهورية صرب البوسنة ليست تركيا". ويقول جان ماركو إن مقتل صربي من محبي كرة السلة في نوفمبر 2014 في إسطنبول خلال شجار كان له "وقع طاغ".

لكن ماركو يشير إلى ان "الشراكة التركية الصربية لم تُمس لا بل أنعشها التقارب التركي الروسي اعتبارا من 2016". وتعتبر بلغراد هذه الشراكة نعمة لا سيما على الصعيد الاقتصادي.

وقال وزير التجارة الصربي راسم ليايتش قبل فترة قصيرة إنه لا يمر أسبوع دون وصول مستثمر تركي جديد إلى صربيا حيث تنشط 400 شركة تركية. وتوقف الرئيس ألكسندر فوشيتش في تركيا على طريقه إلى موسكو في 6 مايو.

وفي المنطقة، تتولى شركات تركية تسيير مطار بريشتينا وتبني مطار فلورا في جنوب ألبانيا وتدير شركة كهرباء كوسوفو وتشيد طرقاً في كوسوفو، وتحظى بالأفضلية في التعاملات التجارية بين بلغراد وسراييفو.

تأهيل التراث العثماني

يقول جان ماركو إن الأتراك ليسوا في المنطقة "لمجرد تقديم الدعم للتنمية الاقتصادية، وإنما كذلك من أجل إعادة تأهيل التراث العثماني وترسيخ التعاون الثقافي".

ففي مدارس البوسنة يدرس اللغة التركية عشرة آلاف تلميذ في 150 مدرسة وهي تعد ثالث لغة أجنبية بعد الإنكليزية والألمانية.

مول الأتراك بناء مسجد ميتروفيتسا الأكبر في كوسوفو بمبلغ مليوني يورو، وأنفقوا 30 مليون يورو لبناء مسجد تيرانا المصمم ليكون أكبر مَعلم إسلامي في البلقان.

ويقول أنور روبيلي إن طرد ستة أتراك من كوسوفو يدلل على نفوذ أنقرة الحقيقي. ويضيف أن "كوسوفو والبوسنة وألبانيا ومقدونيا كانت ضمن أراضي السلطة العثمانية ويتم التعامل معها بصفتها جزءاً من العالم العثماني الجديد لا ينبغي أن نتوهم: كوسوفو ليس بقوة ألمانيا حتى يمكنه مقاومة الضغط التركي".

يشار إلى أن البوسنة عانت من صراع امتد لسنوات عديدة بين الأغلبية المسلمة من ناحية، والصرب الأرثوذكس الذين يشكلون نحو ثلث السكان والكروات الكاثوليك الذين يشكلون نحو 15 في المئة من الناحية الأخرى . 

وتتألف مؤسسة الرئاسة في البوسنة من هيئة مكونة من ثلاثة أعضاء، يمثل عزت بيغوفيتش المسلمين فيها، وملادن إيفانتش يمثل الصرب، في حين أن دراغان كوفيتش يمثل الكروات فيها.