الخلافات تعصف بشبيبة تحالف الشعب

أعلن حزبا العدالة والتنمية التركي، الحاكم، والحركة القومية المعارض، مؤخرًا عدم نيتهم تفعيل "تحالف الجمهور" خلال الانتخابات المحلية المزمع إجراؤها في شهر مارس المقبل. وكانت هذه نتيجة متوقعة لنهاية ذلك التحالف الذي خاض به الحزبان الانتخابات الرئاسية، والبرلمانية التي أجريت في شهر يونيو الماضي؛ وذلك لأن التوتر بينهما استمر خلال الآونة الأخير؛ بل كان في ازدياد ملحوظ.
ولنتذكر معًا أن دولت بهجلي، زعيم حزب الحركة القومية، كان قبل انتخابات 24 يونيو قد رد بالسلب على دعوة وجهها له الرئيس رجب طيب أردوغان لعقد تجمع انتخابي مشترك. وما كان الدافع لدى بهجلي لرفض تلك الدعوة إلا رغبة لديه في الحفاظ على الهوية السياسية لحزبه.
وبعد تلك الانتخابات كان أول رد من أردوغان على "مشروع قانون العفو" الذي تقدم به حزب الحركة القومية للبرلمان لإقراره، أن قال "لا يصدر عفو من أجل إفراغ السجون"، معتبرًا ذلك المقترح "تعديلًا تم إعداده على عَجَل". أما تصريحاته الأخيرة التي شهدتها الأيام الماضية فقد تضمنت تلميحات صريحة اتهم فيها بهجلي، وحزب الحركة القومية، بلعب دور المدافع عن بائعي المخدرات.
أما بهجلي المصرّ على قانون العفو، فخلال الأيام القليلة الماضية، علّق على إطلاق القضاء التركي سراح القس الأميركي، اندرو برانسون، وقال في هذا الصدد "الوجدان الوطني مستاء وغير راضٍ عن تلك القرارات التي صدرت(بحق القس)". ولم يقتصر رد فعله على هذا الأمر فحسب، بل قام بناء على تلميحات أردوغان السابق ذكرها، باستهداف صريح وواضح لوزارء حزب العدالة والتنمية، ولا سيما بكر بوزداغ، نائب العدالة والتنمية عن ولاية "يوزغات"، رئيس اللجنة الدستورية بالبرلمان؛ وذلك على خلفية انتقاد الأخير لقرار المحكمة الادارية العليا التي ألغت به مرسومًا حكوميًا سابقًا كان قد نص على إلغاء "القسَم الطلابي" الذي كان يتلى كل صباح بالمدارس التركية.
والقسم المذكور  يحتوي في عباراته على تعظيم للقومية التركية، مثل: "أنا تركي.. أنا على الحق.. وأنا المجد ..أنا على درب أتاتورك.. ووجودي هو فداء للترك..وطوبى لمن يقول أنا تركي....إلخ". وفي وقت سابق الحكومة قد ألغت هذا القسم بسبب أنه يحتوى على ما اعتبرته "أفكارًا أيديولوجية متشددة".
وبذلك يتضح لنا أن خلافًا جديدًا دب بين الحليفين السابقين، تمثل في مسألة إعادة "القسم الطلابي" مرة ثانية في المدارس، بقرار المحكمة الإدارية العليا. يضاف هذا الخلاف إلى نظيره الخاص بمسألة "مشروع قانون العفو".
وإذا كان انتهاء التحالف بين الشريكين واضحًا بجلاء من تعبيرات زعيمي الحزبين المذكورين، فإن هذا الأمر يظهر بشكل أوضح في القاعدة الجماهيرية للعدالة والتنمية، والحركة القومية. لا سيما أن العنصر الشبابي من الحزبين كثيرًا ما قالوا قبل انتخابات الـ24 من شهر يونيو، إنه لم يحدث بينهم أية توافق وتوائم لا سيما في الأنشطة والفعاليات السياسية الانتخابية كتعليق اللافتات، والأعلام، وغيرها من الأعمال الميدانية، وأنهم يفضلون الابتعاد عن بعضهم البعض.
والشباب الذين تحدثنا معهم بخصوص مستقبل التحالف بين الحزبين، لم يخفوا في حديثهم أنهم غاضبون، ويائسون، وبلا طموح. 
فالشباب المنتمي لحزب الحركة القومية، لا سيما التابعين للتنظيم الشبابي للحزب، المعروف باسم "أولكو أوجاقلاري"، يقولون إن نظرائهم من حزب العدالة والتنمية لا يتبنون نفس الإيديولوجيا الخاصة بهم. أما شباب العدالة والتنمية فيقولون إنهم خطوا خطوة للتقارب مع نظرائهم من الحركة القومية، وإن شباب "أولكو أوجاقلاري" لم يردوا بالمثل على هذه الخطوة.
وبعبارة أخرى يمكننا القول إن  "تحالف الشعب" الذي أخذ يشدو به كبار قادة الحزبين في السابق، لم يتحول في حقيقة الأمر إلى لنفس المشاعر الحميمية بين القاعدة الشبابية لدى العدالة والتنمية، والحركة القومية. ذلك التحالف الذي من المنتظر أن يعزفه الجانبان على أوتار مختلفة خلال الانتخابات المحلية المقبلة.
والآن دعونا نترك الكلمة للشباب ليتحدثوا إلينا في هذا الأمر.
من هؤلاء شاب يدعى عمر، جامعي يبلغ من العمر 22 عامًا، يدرس الاقتصاد ويتمنى أن يصبح أكاديميًا. ويواصل فعالياته السياسية من خلال انتمائه لتنظيم "أولكو أوجاقلاري" بالحركة القومية. 
وبعد إقناع مستميت منا وجدنا فرصة للحديث مع عمر، وسألناه عن مدى انعكاس "تحالف الجمهور" على الأعمال الميدانية، فرد علينا قائلًا:
"لم نلتقِ مع شبيبة العدالة والتنمية في الميدان مطلقًا. 
وإذا لزم أن أوضح أكثر من ذلك، يمكنني القول إنه لم تكن لدينا رغبة في الالتقاء بهم، ولا هم أيضًا. فالشباب كما تعلمون وقت الانتخابات يقومون بكثير من الأنشطة الميدانية، كتعليق الأعلام، واللافتات الانتخابية، وغيرها من مثل هذه الأمور. 
ونحن قبل انتخابات 24 يونيو الماضي كنا نتجاهل بعضنا البعض في الميدان. كنا كالغرباء عن بعضنا. لأنكم مهما أقمتم تحالفات، فلن يمحو ذلك الاختلافات الإيديولوجية في قاعدة الحزبين، لا سيما بين الشباب منهم. 
فإذا نظرتم إلى نظام حزب العدالة والتنمية، لوجدتم أنه يتبنى سياسة لا يفي فيها بما يقوله، ولا ينفذ ما يقطعه على نفسه من عهود. وهذا أمر يزعجنا بشدة. ولا جرم أن تنظيم "أولكو أوجاقلاري" الشبابي القومي، أقدم بكثير من حزب الحركة القومية نفسه".
عمر في حديثه أكد لنا أنه مصاب باليأس والإحباط حيال المسار الذي تسير فيه تركيا حاليًا. وفيما يلي قيم لنا الأوضاع التي وصلت إليها البلاد بعد الانتخابات البرلمانية، والرئاسية الأخيرة:
"كما تعلمون، ويعلم العالم أجمع، فإن تركيا تعيش حاليًا أزمة اقتصادية طاحنة، بغض النظر عن تهرب الحزب الحاكم من مسؤوليته عن ذلك، وإلقائها على ما يعتبرها قوى خارجية كعادته دائما في ذلك. فكما ترون أسعار كافة المنتجات ارتفعت بشكل جنوني. وأنا أرى أن العدالة والتنمية لم يُدِر تلك المرحلة بشكل جيد، والنظام الرئاسي الذي تحولت إليه البلاد بعد الانتخابات الأخيرة، لم ينفع تركيا بأي شكل من الأشكال، حتى اللحظة. ومن ثم فإن حزب الحركة القومية، وتنظيم "أولكو أوجاقلاري" يجب أن يكون لهم دور رئيس في السياسة التركية. 
حقيقة ليس لدي ما أقوله بخصوص أوضاع البلاد الاقتصادية. لكني أحيانًا أفكر بيني وبين نفسي وأقول" يا ترى هل هذه هي تركيا التي حلمنا بها بعد كل هذه التضحيات ؟ لست متأكدًا".
وفي حوار آخر التقينا الشاب بورا المقيم في منطقة كارتال بمدينة إسطنبول لنتحدث معه عن الموضوع ذاته. وبورا طالب جامعي يبلغ من العمر 20 عامًا. وأوضح لنا أنه التحق بتنظيم "أولكو أوجاقلاري" القومي، بمجرد دخوله المرحلة الثانوية. واعتبر في تصريحاته لنا أن فترة الانتخابات البرلمانية والرئاسية الأخيرة جزءًا من السياسية التركية. 
وأوضح أنهم لم يتلقوا دعمًا في أي وقت من حزب العدالة والتنمية. وتابع قائلا في ذات السياق:
"وقت الانتخابات الأخيرة كنا نخرج إلى الساحات من أجل تعليق الأعلام والرايات. وكما تعلمون فإن منطقة كارتال يكثر بها المنتمون لتنظيم "أولكو أوجاقلاري". لكن رغم ذلك كنا نجد شباب العدالة والتنمية في الأماكن التي من المفترض أن نعلق فيها أعلامنا. فكنا نذهب إليهم، ونتحدث معهم لنعلق أعلامنا على أمل أن يوافقوا، لكنهم كانوا يرفضون، ويقولون لا نريد ذلك. فهم لم يقبلوننا كما نحن. كانوا يعتبروننا جهازًا ما يعمل ضمن حزب العدالة والتنمية. وهذا أمر لا يمكننا قبوله على الإطلاق. فلقد كان الإرهاب، والخوف على مستقبل هذا البلد هما السببان الرئيسيان لانخراط الحركة القومية في تحالف مع هذا الحزب. وإلا فإنه لم يكن يشغلنا على الإطلاق أن يفوز أردوغان في الانتخابات الأخيرة".
وتعليقًا على احتمال أن يكون "تحالف الشعب" بين الحزبين مفعلًا خلال الانتخابات المحلية المقبلة، أضاف بورا قائلًا:
"بالنسبة لي لا أريد أن يتكرر هذا التحالف في الانتخابات المحلية المقبلة. فلقد شاهدنا كيف تصرف معنا العدالة والتنمية بعد الانتخابات الماضية، إذ تقدمنا بمشروع قانون العفو، فإذا بالمنتمين لهذا الحزب يعرقلونه. قالوا لنا إن القس الأميركي، برانسون جاسوسًا فقلنا لهم نعم بالتأكيد. وفيما بعد وجدناهم قد أطلقوا سراحه ليعود إلى بلاد لاحقًا، وفي أسرع وقت.
حقيقة لا أدري أي سياسة تلك التي يتبعها حزب العدالة والتنمية. أمن خلال الفوز بالبلديات يمكن إنقاذ مستقبل هذا البلد؟ وإلى جانب كل ما قلته نجد أن حكومة رئيس الجمهورية لم تُعطَ فيها حقيبة وزارية لحزب الحركة القومية. إذن لماذا عليّ أن أدعم تحالفًا كهذا؟ معذرة، قد يكون لعبنا قليل، لكننا بالغون التأثير على الأرض. ونحن سنكون حاضرين وبقوة في كل وقت بالمستقبل".
ومن شباب العدالة والتنمية تحدثنا مع شاب يدعى فاتح، يبلغ من العمر 22 عامًا، وهو طالب جامعي، وله نشاط في أمانة شباب الحزب الحاكم. يعتبر فاتح التحالف مع حزب الحركة القومية، أمرًا إيجابيًا، ويرجع سبب الابتعاد عن شباب الحزب الآخير إلى صعوبة التوائم بين الطرفين، على حد تعبيره. وتابع تصريحاته قائلا:
"تركيا تمر بمنعطف صعب للغاية، لكن على رأسها نظام قوي. فأردوغان أحد أكبر القادة الذين أخرجتهم تركيا، ودعمه دين في رقبة هذا الوطن. والجميع الآن يشاهد المتربصين بتركيا. وحزب الحركة القومية مشكورًا لم يبخل بدعمه للعدالة والتنمية، لكن في الميدان لم نستطع التفاعل مع شباب ذلك الحزب. حاولنا أكثر من مرة، وأخذنا مبادرات للتقرب منهم، لكنهم رفضوا. فياليت دولت بهجلي كان قد قبل دعوة الرئيس أردوغان بتنظيم تجمع مشترك يحضر فيه أنصار الحزبين. فرفض هذه الدعوة جعل شباب الحركة القومية يبتعدون عنا".
وأوضح فاتح أنه ينظر بنظرة إيجابية إلى التحالف مع الحركة القومية، مشيرًا على النحو التالي أن شباب العدالة والتنمية لم يتمكنوا من إدراك الوضع الراهن، والتوترات القائمة بين الحزبين:
"هذا كان مجرد تحالف، وليس توحد بين الحزبين. كان أمرًا ضروريًا ولازمًا حتى تصبح تركيا أكثر قوة. ومن ثم لا يتعين على الطرف الآخر أن يقوم بأية مساومة في مثل هذه الأوضاع. فجميعنا في نفس السفينة نبحر في بحر واحد، وسننجو جميعًا من أي خطر. فمن يرغبون في أن يكونوا مع حزب العدالة والتنمية أقوى حزب الآن، ومعنا، فعليهم أن يتوائموا معنا. وبالتأكيد يمكنهم أن يعبروا عن أفكارهم ورغباتهم، ومن ثم يتم التوصل إلى طريق وسط. لكن عليهم ألا ينسوا إنهم إذا بقوا معنا ستزيد قوتهم بكل تأكيد".
ومن خلال ما سبق يتضح لنا أن الهوة بين شباب حزبي العدالة والتنمية من جهة، ونظرائهم من الحركة القومية من جهة أخرى في ازياد مضطرد في وقت تقترب في الانتخابات المحلية المزمع إجراؤها بعد عدة أشهر. ومن يدري لعل لديهم تنبؤ بالمستقبل أكثر من قادة وكبراء أحزابهم. فلا أحد يعلم ماذا يضمره المستقبل. لكن الظاهر لنا أن شباب "تحالف الجمهور" يرفعون راية الاعتراض والتمرد من الآن.
لقراءة المقال باللغة التركية على ها الرابط 

https://ahvalnews.com/tr/cumhur-ittifaki/cumhur-gencligi-kanimiz-uyusmadi
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.