علي عبادي
ديسمبر 26 2018

الخوف يلازم اللاجئين الأتراك الهاربين إلى الخارج

في الكثير من كتب الكوميديا أو الأفلام المقتبسة عنها التي حققت الكثير من الأرقام القياسية خلال الفترة الماضية، لن تجد الكثير من الأبطال الخارقين ممن يخرجون لحل مشاكل العالم الحقيقية.
ربما كان الاستثناء هنا الرجل الحديدي في أفغانستان، الذي يقاتل من أجل إنقاذ قرية صغيرة تدعى جولميرا من أيدي إرهابيين.
لكننا رغم ذلك نجد قصصا مصورة تسلط الضوء على المشاكل التي يعانيها العالم.
في هذه القصص لا نجد أبطالا خارقين، بل تجدهم يتحدثون مرة تلو الأخرى عن الأحداث التي تجري في العالم.
وبخلاف من يحبون هذا النوع من الكوميديا، لن تجد كثيرين ممن يتابعونها أو حتى ممن يعرفون بها.
في بعض الأحيان، تقدم الأفلام والروايات هذه القضايا العالمية وتشرحها بطريقة أفضل، لكن قصة مصورة بعنوان "غير شرعي"، وهي من تأليف إيوين كولفر وأندرو دونكينز ورسوم جيوفاني ريجانو، تقدم من خلال عينيّ طفل صغير قصة رحلة محفوفة بالمخاطر قام بها مهاجر غير شرعي.
في قصة رواية "غير شرعيّ" تدور الأحداث حول صبي في الثانية عشرة من العمر اسمه إيبو يعيش في قرية صغيرة في النيجر.
ومن خلال طريقة كتابتها الواقعية، فإن "غير شرعي" تتناول قصة مغامرات إيبو في سعيه للوصول إلى أوروبا.
وإيبو في الواقع هو واحد من المهاجرين الذين نراهم في نشرات الأخبار في مراكب وقوارب مطاطية غارقة. وهؤلاء يواجهون في بعض الأحيان الترحيل إلى بلادهم.

إيبو صبي في الثانية عشرة من العمر يعيش في قرية صغيرة في النيجر يعيش مغامرات في سعيه للوصول إلى أوروربا.

يُتِّم إيبو بعد وفاة أمه وأبيه. وسبقته شقيقته الأكبر سنا في محاولة الذهاب إلى أوروبا.
وذات صباح، يستيقظ إيبو ليكتشف أن شقيقه الأكبر كوامي قد رحل هو الآخر، فيخرج للبحث عنه.
في البداية يجد نفسه في أجاديز، كبرى مدن النيجر، حيث يحاول النجاة بطريقة أو بأخرى في مكان لا يعرف فيه أحد.
ويبدأ إيبو في محاولة توفير بعض المال ليتسنى له عبور الصحراء الكبرى، فالمهربون الذين يأخذون الراغبين في رحلة العبور لا يفعلون شيئا دون مقابل.

قصص مصورة.

ورغم أن قصص المهاجرين في نشرات الأخبار تتناول في معظم الأحيان محاولات عبورهم البحر المتوسط، حيث يواجه مهاجرون غير شرعيين الوصول إلى أوروبا إمّا الغرق وإمّا الضياع في مياه البحر، فإن رحلة إيبو لعبور الصحراء الكبرى لا تقل خطورة. وهناك لقي الآلاف حتفهم في رمال الصحراء.
يُفلح إيبو في العثور على شقيقه في العاصمة الليبية طرابلس، لكنه وتماماً مثلما حدث في أجاديز، يصبح مطالباً بتوفير ملجأ وعمل. 
في طرابلس، يعيش إيبو وشقيقه أيضا الخوف من أن يمسك بهما أحدهم فيتم إرسالهما إلى الصحراء إذ أنهما لا يحوزان أوراقاً ثبوتية، وحتى بعد تجاوز كل هذه العقبات، يبدأ أخطر جزء في الرحلة بأسرها، ألا وهو عبور البحر المتوسط في زورق مطاطي.
أمضى كولفر ودونكين بعض الوقت في معسكرات للّاجئين في أوروبا، حيث تحدثا مع الناس عن الكيفية التي نجحوا بها في الوصول إلى هناك، لذا جاءت كتاباتهما مستندة بشكل كامل إلى الحقيقة.
الفارق الوحيد هو أن إيبو، الذي تتشكل قصته من أحداث يصفها بعض الناس، يجد نفسه مطالباً بالنجاة بنفسه.
لكن القارىء رغم ذلك سيفهم أن لا مبالغة تُذكر فيما يقرأ من تفاصيل قصة إيبو. فالحقيقة أنّ ما نسمعه في الإعلام ليس سوى المرحلة الأخيرة من رحلة خطيرة تحمل قدراً لا يوصف من المعاناة.
لكن هل يمكن القول إنّ الوصول إلى أوروبا أو الولايات المتحدة يحقق أحلام المهاجرين؟ بالطبع لا! فنسج الأحلام الكبيرة والانطلاق في الرحلة الخطيرة إلى بلد آخر ليست سوى البداية. البداية للمرحلة التالية من الحياة المضنية.
في قصته المصورة "عرب في أميركا"، يقدم توفيق الراسي حكايته هو بصفته ابناً لأسرة ذهبت بطريقة شرعية إلى الولايات المتحدة. في القصة يسرد الراسي ما مر به من تجارب، وهي أشياء لن تجد لها في الأفلام مثيلاً.

الثورات

وُلد الراسي في بيروت وانتقل إلى الولايات المتحدة وعمره بضعة أشهر فحسب.
وككثير من أطفال المهاجرين، حاول الراسي أن يبتعد عن المشاكل وينأى بنفسه عن المتاعب. لكنه رغم ذلك، ورغم صغر سنه، وجد نفسه في مواجهة التحامل ضد العرب.
ومن خلال سرده لتجاربه وملاحظاته، يقدم الراسي روايةً واضحةً لما يمكن أن يطلقوا عليه "الحلم الأميركي"، لكثير من الناس، أن يستحيل "الكابوس الأميركي".

العرب في أميركا

ورغم أنه أمضى كامل حياته تقريباً في شيكاغو، فإنّ الراسي كان عليه أن يتوخى الحذر. فبعد التفجير الدامي الذي وقع في مدينة أوكلاهوما عام 1995، حين تبيّن بشكل واضح أن إرهابياً وضع قنبلة، وقيل أنّ الفاعل أميركي أبيض اسمه تيموثي ماكفي، سعى كثيرون للبحث عن متهم، ووجّه كثيرون أصابع الاتهام إلى العرب.
مرت بالراسي بضعة أيام مخيفة إلى أن تمّ القبض على ماكفي، لكنّ المتاعب الحقيقية بدأت في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر. فكما يعرف الجميع، لم يقتصر الأمر على مشاعر التحامل ضد العرب في الولايات المتحدة، بل طال العداء غالبية الناس من الأقليّات غير الأوروبية.
اعتقل كثير من العرب الذين نشؤوا في أميركا، ممن لم يكن لهم أي علاقة لا من قريب ولا من بعيد ببلدان آبائهم. واعتبر هؤلاء مشتبهاً بهم وتعرّضوا للاحتجاز أو الترحيل.
وبدافع الخوف، لم يكن بوسع أناس من أصول عربية مثل الراسي الخروج في مظاهرات ضد الحرب الجديدة في الشرق الأوسط وضد ما كان يجري بحقّ العرب.
تمثّل روايتا "غير شرعي" و"عرب في أميركا" قصتين مصورتين خرجتا قبل مدة غير طويلة، لكننا نواصل التعرف على كثير من الأشياء، من قبيل ما جرى لإيبو وللراسي.
لقصة المهاجرين هذه زاوية تتعلق بتركيا أيضاً. ففي تركيا، هناك آلاف الأشخاص ممن يعبرون نهر ماريستا إلى بلغاريا أو بحر إيجه إلى اليونان.
كثير من هؤلاء هم أساتذة جامعيون أو صحفيون من المعارضين للنظام، لكننا نجد أيضا أناساً من مختلف المهن يفرون خوفاً من الاعتقال أو عمليات التطهير التي تنفّذها الحكومة.
حتى الآن لم تدون هذه القصص في كتاب أو في رواية مصورة، لكن قصص هؤلاء ستتلى في الوقت المناسب وستدور حول محاولات الخروج من تركيا والمعاناة التي يواجهها الفارّون في طريقهم كمهاجرين إلى أوروبا.
لا يعيش من يصلُ منهم إلى اليونان أو إلى أي بلد آخر ظروفاً أفضل على الفور. يكون عليهم في البداية تسجيل أنفسهم كلاجئين وفي نفس الوقت محاولة بدء الحياة الجديدة.
ترك هؤلاء وراءهم حياتهم بكاملها وكل شيء يعرفونه، وليس بالأمر السهل أن تبدأ حياتك من الصفر.
لدى من ينجحون في الهروب من تركيا وبدء حياة جديدة في مكان آخر ما يميزهم عن بقية المهاجرين الشرعيين: إنه الخوف.
فالصحفيون وأساتذة الجامعات على وجه الخصوص يعيشون في خوف من أن يُجبروا بشكل أو بآخر على العودة إلى تركيا أو أن تختطفهم المخابرات التركية.
في لقاءات ومقابلات مع هؤلاء الصحفيين والأساتذة الجامعيين، تجدهم واعين لوجود تسجيلات لهم بطريقة أو بأخرى ولأن هذه التسجيلات ربما مخبأة بأيدي أحدهم في انتظار استخدامها في محاكمات في المستقبل.
في كل يوم، يقرر عدد متزايد من الناس أن الخوف على المستقبل يكفيهم للتخلي عن حياتهم والقبول بالمال القليل ومستويات العيش المتدنية في مكان آخر.
ليس من السهل أن تصبح مهاجرا في أي بقعة على وجه الأرض. فحتى إن اعتاد الناس على بلد جديد، فستبقى بذاكرتهم تجارب تذكّرهم بما يعنيه العيش في أرض الآخرين.
وسواء كان السبب الفرار من حرب أو البحث عن فرص جيدة بينها التعليم أو السّعي للحصول على حياة آمنة أفضل للأطفال، يجد المهاجرون أنفسهم مطالبين بالرحيل إلى مكان آخر بعيد.
لكن أهم ما يتعين علينا تذكّره هنا هو أن لا أحد يترك موطنه ويرحل إلّا مضطراً.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً :

https://ahvalnews.com/political-cartoons/being-legal-or-illegal-immigrant
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.