أبريل 25 2018

الدراما التركية والتوظيف السياسي 

إسطنبول – تعدّ الدراما التركية أداة من أدوات القوّة الناعمة التركية، ولا تخلو من توظيف سياسي، ولاسيما حين تركز على مواضيع وقضايا تاريخية، وتقوم بتحويرها بما يخدم سياسات الحكومة التركية وتوجهاتها في استغلال التاريخ ومحاولة توظيف وقائعه لصالحها، عبر تغذية مشاعر قومية أو دينية، أو حنين إلى فترات الإمبراطورية العثمانية، من خلالها. 
نشرت وكالة الأناضول الرسمية التركية تحليلاً، حاولت فيه الإجابة عن أسباب الإقبال على المسلسلات الدرامية التركية، قال فيه إن الدراما التركية حقّقت، خلال السنوات الماضية، نجاحات عربية وعالمية، غير مسبوقة، حتى وصل عدد البلدان التي تبثها على شاشاتها 142 دولة.
وزعمت الأناضول في تحليلها أنه "لعل أبرز ما يميّز المسلسلات التركية نقل أحداث التاريخ بالشكل الصحيح، وتقويم التحريف الذي تعرض له، وخاصة في المنطقة العربية التركية، فضلاً عن الحضارة الإنسانية، والتمدن والتطور والجمال الطبيعي". 
وقالت إن "الدراما التركية استندت الدراما التركية في تحقيق تلك النجاحات إلى عدة مزايا، بينها ما تحمله من مضمون، إلى جانب الإمكانيات التقنية والمزايا الطبيعية في البلاد". 
وهذا في الوقت الذي يتّهم بعض النقاد المتابعين للدراما التركية، المسلسلات التركي، وبخاصّة التاريخية منها، بالتوظيف السياسي، ومحاولة تحوير وقائع وأحداث تاريخية بما يخدم توجهات وسياسات الحكومة التركية الحالية. 

يحظى مسلسل "تحدث أيها البحر الأسود" بمتابعة عالية.
يحظى مسلسل "تحدث أيها البحر الأسود" بمتابعة عالية.

مقومات النجاح

أشارت الأناضول إلى أنّ المقومات السابقة، تعتبر عناصر أساسية في المسلسلات الأكثر نجاحاً حالياً وبينها "قيامة أرطغرل"، و"الفاتح"، و"تحدث أيها البحر الأسود".
وعرضت مسلسلات سابقاً أيضاً، تميزت بمشاهد ملفتة، جرى تصويرها في قصور تاريخية، وحفلت بمناظر طبيعية مميزة، فضلاً عن مدن ومناطق تركيا المتميزة بالجمال الطبيعي، والتقدم الحضاري.
تحدثت الأناضول في تحليلها عما وصفته بـ"تعطش المشاهدين لمتابعة التاريخ من منظور حقيقي أحد أسباب نجاح الدراما التاريخية، حيث تكشف هذه الأنماط من الأعمال، الستار عن مراحل تاريخية مهمة، جهلت بها شعوب المنطقة". 
وذكرت أنّ المسلسلات الحالية مثل "عاصمة عبد الحميد"، و"الكوت والعمارة"، و"قيامة أرطغرل"، والفاتح"، جاءت لتلقي الضوء على مراحل تاريخية وحقب متنوعة، لم تذكر في التاريخ الحديث.
ويعرض مسلسل السلطان عبد الحميد، حقبة تاريخية مهمة في العالمين العربي والإسلامي، حيث شهدت مطالب صهيونية بالحصول على حقوق في فلسطين والقدس، تصدى لها السلطان عبد الحميد الثاني بشجاعة، فيعرض لتلك الحقبة المهمة، التي تهم العالم العربي أيضاً.
ويوثق المسلسل أبرز الأحداث في الأعوام الـ13 الأخيرة (1896-1909) من حياة السلطان عبد الحميد الثاني، فضلا عن الأحداث التي عاشتها الدولة العثمانية إبان حكمه آنذاك. 
والسلطان عبد الحميد الثاني (ولد عام 1842 في مدينة إسطنبول)، وهو الرابع والثلاثون من سلاطين الدولة العثمانية، والسادس والعشرون من سلاطين آل عثمان الذين جمعوا بين الخلافة والسلطنة. 
وتولى الحكم عام 1876، وانتهت فترة حكمه عام 1909، ووضع رهن الإقامة الجبريَّة حتّى وفاته في 10 فبراير 1918. 
كما أن مسلسل "الكوت والعمارة"، يستعرض مرحلة تاريخية شهدت آخر الانتصارات الإسلامية، حيث وقف العرب والأتراك والأكراد صفاً واحداً، ضد الاحتلال البريطاني، على الأراضي العراقية.
وكذا الأمر في مسلسلي "قيامة أرطغرل"، و"الفاتح"، حيث تعرض جوانب مضيئة من التاريخ العثماني وحقائق، تعكس الواقع الحديث، الأمر الذي ساهم في انتشارها عربياً.

تقنيات متنوعة

ذكرت الأناضول في تقريرها أن "المسلسلات التركية من جانب آخر، تعكس التطور الحضاري للإنسان في مختلف الأزمنة، وتواجه التشويه المتعمد، بأن الحضارة الإسلامية لم تهتم بالفنون والعلوم والهندسة والعمارة، وحتى الفلسفة". 
كما ذكرت كذلك: "المسلسلات التي تنقل التاريخ، تظهر الزعماء والسلاطين، متقنين لدينهم، بارعين بمختلف العلوم، ولديهم قدر جيد من التخطيط، وهو ما يظهر اهتمامهم بالعلم والثقافة". 
ولفتت الأناضول إلى أن هذه المراحل تشهد تشييد القلاع والقصور والجوامع والآثار الكثيرة، التي تعتبر تحفاً فنية قل نظيرها في العالم.
وقالت: "تظهر شخصيات إسلامية معروفة، من مثل "ابن عربي" في مسلسل "أرطغرل"، له دلالة على خدمة العلم في الحضارة، والدور الإنساني الكبير في النهضة". 
فابن عربي متصوف وعالم زاهد يوجه ويقدم النصح ويوثق به، نتيجة تقدير الجميع للعلم والعلوم.
كذلك تظهر المسلسلات الآلات والوسائل، التي يستخدمها الناس في تلك المرحلة، والتي تشكل فضولاً للمشاهدين، منها الأدوات العلمية، والمخططات والوثائق، والرسومات الهندسية.
وفي مراحل لاحقة، تكشف المسلسلات عن عظمة التخطيط للمعارك الكبرى، بالصناعة، والتخطيط، واخترق الحصون والأسوار.
وليس أكبر من دليل على ذلك، فتح مدينة إسطنبول في العام 1453م، ما يظهر همة عالية.
بالإضافة إلى العوامل السابقة، أشارت الأناضول في تقريرها إلى "نجاح الدراما التركية في أن تعكس الواقع المعاش حالياً، وتقديمها التراكم الثقافي الذي أدى إلى التمدن والتطور الحضاري الحديث لتركيا". 
وعلى رأس المدن التركية تأتي إسطنبول، التي تستضيف معظم المسلسلات المصورة، عبر ما تقدمه من إمكانيات.
فمشهد الجسور المعلقة، والسفن العابرة لمضيق البوسفور، تمثل إبهاراً للجمهور وخاصة من العرب والأجانب، وتذهب بمخيلتهم إلى تمازج الطبيعة مع الخدمات المقدمة، التي استفادت من تطور العالم.
وكذلك الأمر فيما يتعلق بنمط من الحياة المعاصرة، حيث دخلت التقنيات في الحياة اليومية بشكل كبير، وهو ما يظهر في المسلسلات، بل يتم الاعتماد عليها في التقاط الصور والمشاهد.
ولا يمكن كذلك إغفال تشابه العادات والتقاليد التركية والعربية، ودورها في جذب الجمهور العربي.
وقالت الأناضول إن "ظهور الرموز الإسلامية من المساجد، ورفع الأذان، وتلاوة القرآن، فضلاً عن عادات الدفن والجنازات، كلها أمور تجتذب المشاهدين بشكل أكبر". 
وبذلك نجحت المسلسلات التركية في تقديم التاريخ والحضارة والتمدن، وعكست الجمال الطبيعي لتركيا، مقدماً بالقالب الحضاري، رغم أن بعض الأعمال تعرضت لانتقادات بعدم الحياد، غير أنها في المجمل حققت نجاجات واسعة.
وعلى شاشات 142 دولة، وبقيمة تصدير بلغت نحو 350 مليون دولار، استطاعت المسلسلات التركية الوصول إلى العالم، وتحقيق نجاح ملحوظ خلال السنوات العشر الأخيرة.
وتزايد الطلب على الدراما التركية، لتحتل بذلك المرتبة الثانية عالمياً في تصدير المسلسلات، بعد الولايات المتحدة الأميركية، وفق إحصائيات رسمية، بحسب وكالة الأناضول الرسمية التركية.