أويغار غولتَكِن
ديسمبر 18 2017

الدولة العلمانية في تركيا تحمي صمتها: الأرمن لا يستطيعون انتخاب البطريرك

 

جرت العادة بتركيا التدخل في شؤون غير المسلمين الدينية. وأحد البنود التي نصّت عليها معاهدة لوزان هو تأدية غير المسلمين عباداتهم وإقامة شعائرهم الدينية في حرية وأمان. يحاول الأرمن الآن انتخاب بطريرك لهم. كان من المفترض أن ينتخب الأرمن البطريرك في تاريخ 10 ديسمبر. ولكن لا تزال الدولة في صميم العملية الانتخابية كما حدث بالماضي. ولم يُتخذ حتى الآن أي إجراءات لتنفيذ العملية الانتخابية. فببساطة لا يستطيع الأرمن انتخاب البطريرك.
إنّ البطريركية الأرمنية بتركيا عبارة عن 40 كنيسة مفتوحة للعبادة بالوقت الحالي، ومئات الكنائس المُخرّبة المغلقة. ويتواجد الأرمنيون بعشرات المدن.
يُمثل عشرات رجال الدين الذين ينظمون مئات الاحتفالات الدينية وحفلات الزفاف والجنازات والتعميد، الشريان الحيوي للطائفة الأرمينية.
انتخابات الأرمن في تركيا
كاريكين واكيان: تم ترشيحه لمنصب بطريرك الأرمن

 

لا توجد لائحة قانونية في الوقت الحالي حول كيفية انتخاب الطائفة الأرمنية بتركيا بطريركا لهم. في الواقع ليس للبطريركية الأرمنية شخصية قانونية. ومن الممكن أن تتم العملية الانتخابية على أساس التقاليد لعدم وجود لائحة قانونية.
ووفقا للتقاليد، يُنتخب بطريرك جديد عند استقالة أو وفاة البطريرك القديم. ويُتخذ القرار الانتخابي من قبل المجلس الروحي للبطريركية الأرمنية. ويُعيٍن الروحانيون أحد رجال الدين يختارونه فيما بينهم لتسيير الأعمال حتى موعد الانتخابات.
تنتخب الطائفة الأرمنية البطريرك على مرحلتين. أولا يختار الأرمنيون مندوبين ثم يختار هؤلاء المندوبون البطريرك الجديد. أي أنّ المدنيون هم من يقررون من يصلح لهذا المقام الديني العالي.
هناك أربعة بطارك انتخبوا خلال فترة الجمهورية. وقد تدخلت ولاية اسطنبول بشئون تلك الانتخابات، إما بتغيير تواريخها وإما بتغيير قواعدها. فذكرتنا الدولة العلمانية في كل مرة بمعرفتها بأصول وأسس الكنيسة الأرمنية أكثر من الكنيسة ذاتها.
تحاول الطائفة الأرمينية انتخاب بطريرك جديد. ولكن الأمور معقدة. فقد اُنتخب مسروب موتافيان بطريركيا للأرمن بتركيا عام 1998م بعد العملية الانتخابية التي كثيرا ما تدخلت بها الدولة. ولكنه في عام 2008م مَرِض لدرجة تجعله غير قادرا على أداء مهام وظيفته. فأصبحت البطريركية الأرمنية بصدد وضع لم يسبق له مثيل ولم تألفه التقاليد. فهو لم يتوفى أو يستقيل. وبناء عليه تقدمت البطريركية الأرمنية لولاية اسطنبول بطلب لإجراء انتخابات لعدم قدرتها على تسيير الأعمال هكذا. ولكن لم تسمح الولاية بإجراء الانتخابات متذرعة بأن "البطريرك لم يمت" و"الوظيفة ليست خالية" مع الإشارة إلى تقاليد الكنيسة، واقترحت عليهم ممارسة جديدة وهي انتخاب نائب عام للبطريرك. فقبلت البطريركية الأرمنية هذا الاقتراح على الرغم من ردود أفعال ممثلي المدنيين بالطائفة الأرمنية، وانتخبت نائب عام للبطريرك.
انتخابات الأرمن في تركيا
آرام آشيان: نائب عام للبطريرك منذ حوالي 8 سنوات، وقد أنهيت الولاية للانتخاب.

 

ورُفع الأمر للقضاء إلا إنه لم يُحصل على نتيجة منشودة. أما البطريركية فقد صمّت أذنيها عن هذه الطلبات لسنوات طويلة. وبناء على زيادة ردود الأفعال قررت البطريركية بدء العملية الانتخابية.
وكما تمّ سابقا ووفقا للتقاليد، تمّ انتخاب ممثل روحاني لإدارة العملية الانتخابية بتاريخ 15 مارس 2017م. وبينما لم تمر ساعات قليلة على إعلان النتيجة أرسلت الولاية رسالة إلى البطريركية مفادها أنّ الانتخابات باطلة.
وتمّ إيقاف العملية الانتخابية بهذه الرسالة. وعاشت الطائفة الأرمنية مرة أخرى فترة طويلة مثيرة للجدل. وأبلغت الحكومة ممثلي الطائفة الأرمنية بطرق غير رسمية ضرورة انتظار انتهاء تركيا من الاستفتاء.
وقد قال الرئيس رجب طيب أردوغان عند الانتهاء من الاستفتاء " أتمنى أن يتم انتخاب البطريرك في أقرب وقت ممكن." 
وبعد هذا التصريح، والمناقشات المكثفة التي أجرتها الطائفة الأرمنية تقرر استمرار العملية الانتخابية من حيث ما توقفت. واُنتخبت اللجنة المدنية التي ستقوم بتنفيذ العملية الانتخابية. وبدأت اللجنة عملها. وتم تحديد يومي 10 و13 ديسمبر موعدا للانتخابات، وتم تقديم طلب لولاية اسطنبول بذلك.
في الانتخابات السابقة كانت وزارة الداخلية قد أصدرت تعليمات حول كيفية إجراء الانتخابات وأجريت الانتخابات وفقا لذلك. وتقوم هذه التعليمات بتوضيح من يمكنه الترشح ومن يمكنه التصويت ووقت الانتخابات.
تمّ إصدار هذه التعليمات بشكل خاص في انتخابات 1961م، بسبب أزمة العملية الانتخابية بالبطريركية الأرمنية وقتها. ولكن تمّ تطبيقها في العمليات الانتخابية بعدها.
لم يتم بعد نشر تعليمات الانتخابات بعد التقدم بطلب لولاية اسطنبول.
وأرسلت الولاية بطرق غير رسمية رسائل مفادها أنها لا توافق على اللجنة المدنية المُختارة. أما بالنسبة للمكاتبات الرسمية لا يوجد رد حتى الآن.
ولا تزال الطائفة الأرمنية تتفاوض من خلال الممثلين المدنيين والروحانيين بإرسالهم رسائل إلى رئيس الجمهورية ووزير الداخلية سليمان صويلو ومحاولة مقابلة المحافظ. وتم عرض الأمر على أنقرة ولكن لم يتم التوصل إلى نتائج إيجابية.
لم تستطع الطائفة الأرمنية ـ إحدى أكبر الطوائف المسيحية التي تعيش بتركيا ـ انتخاب ممثلها الروحاني حتى الآن. وليس من الواضح سبب عدم الموافقة على الانتخابات.
ليس هناك حظر ومع ذلك لا يُسمح بالانتخابات. ولا نعلم ماذا سيحدث بعد ذلك.
انتخابات الأرمن في تركيا
الجمعية العامة.. أعلى هيئة لصنع القرار في البطريركية الأرمنية

ويربط سيبو أسلانجيل المتحدث الصحفي باسم اللجنة المدنية، هذه المشكلة بعدم وجود قوانين مكتوبة خاصة بها.

انتخابات الأرمن في تركيا
سيبو أسلانجيل

كان أسلانجيل أحد أعضاء اللجنة المدنية التي عقدت العملية الانتخابية عام 1998م. وهو شخص من ذوي الخبرة في العمليات الانتخابية وتدخلات الدولة.
يذكرنا أسلانجيل بتحديد الدولة التواريخ الخاصة بها في كل مرة:

"ليس من الضروري الكتابة إلى الولاية. في الواقع أنّ الطلب المُقدّم ليس طلبا للإذن. ليس هناك حاجة لهذا. ولكنها أصبحت الكتابة إلى الدولة قبل كل الانتخابات عادةً.
في الحقيقة فإنّ الغرض من الكتابة إلى الدولة هو إخبارها بأماكن وتواريخ الانتخابات، ومنع الدولة من استخدام تلك التواريخ لتنفيذ أعمال أخرى. ولكن لم تسمح الدولة بتنفيذ الانتخابات في أيّ من التواريخ التي حددتها الطائفة الأرمنية."

وأوضح أسلانجيل عدم وجود قوانين لضبط هذا الأمر:

"في الحقيقة لا تنتهك الدولة أي قانون؛ لعدم وجوده بالأساس. ولكن الدولة لا تريد تلبية مطالب مواطنيها. وقد رُفع هذا الأمر إلى القضاء من قبل، ولكن هاجمته المحاكم الإدارية. وتمّ تقديم طعن إلى المحكمة الدستورية بانتظار نتيجته."

يبدو أنه ليس من الممكن القضاء على مزاجية الدولة بخصوص الاعتراف بحرية المعتقدات إن لم تكن هناك ضمانات دستورية.

 

يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً: