الدولة العنصرية في تركيا تحاول البقاء عبر قمع الهويات

كان يوم الـ 21 من فبراير الجاري اليومَ العالمي للغة الأم. تبيّن الأمم المتحدة أن هناك حوالي ستة آلاف لغة في العالم، و43٪ منها معرضة للانقراض.
وتكشف الدراسات أن 18 لغة أم ولهجة في تركيا تواجه الانقراض أيضًا، وأن اللغة الكردية تحتل المرتبة الثانية بين اللغات أكثر استخدامًا في تركيا. إلا أن خطر تعرضها للانقراض يزاداد يوما بعد يوم، نظرًا للضغوطات الممارسة عليها وعدم الاعتراف بالحق في التعليم باللغة الأم. 
تجدون هنا التسجيل الصوتي لحوار الذي أجريناه مع المحامية إرين كسكين، الناشطة البارزة في مجال حقوق الإنسان في تركيا:

وفيما يلي أبرز ما ورد في الحوار مع المحامية إرين كسكين، حول موقف تركيا من الحق في التحدث والتعليم بلغة الأم ووضع نظام القضاء:
لغة الأم هي أفضل أداة يحقق بها الإنسان كينونته الذاتية ويعبر بها عن نفسه وأفكاره. والتعليم باللغة الأم هو حالة اكتشاف الذات. لذا فإن المنع من التحدث والتعليم باللغة الأم يعني الحيلولة دون اكتشاف الذات وتحقيق الكينونة الذاتية. ولا يمكن للإنسان أن يحقق فرديته ومعرفته لنفسه إلا من خلال استخدامه لغته الأم بكامل الحرية.  
نحن نتحدث عن الجمهورية التركية التي أسستها عقلية جمعية "الاتحاد والترقي" بعد أن ارتكبت الإبادة الجماعية للأرمن عام 1915. هذه العقلية تقوم على التركيبة التركية-الإسلامية، وتتخذ العنصرية التركية والإسلامية السنية هوية لها. لقد تم تدمير أو تجاهل جميع الهويات اللغوية العرقية الأخرى التي تعيش في هذه الجغرافيا في ظل هذه الإيديولوجية الرسمية. لكن لأن الأكراد لا يزالون يواصلون الكفاح فإننا نتمكن الآن من الحديث عن الضغوطات الممارسة على اللغة الكردية. نعم، هناك أناس يناضلون من أجل التحدث بالكردية، إلا أن الأمر بالنسبة للغة الشركسية واللازية ليس كذلك. فهذه اللغات انقرضت في تركيا بسبب مساعي توطيد هذه الهوية التركية الإسلامية السنية. 
لقد تعرضت اللغات الأخرى للنسيان في تركيا. فمع أن والدتي شركسية، لكن لا يوجد أحد ضمن أفراد عائلتنا قادر على التحدث بالشركسية. يمكن أن نذكر كثيرًا من اللغات التي تعرضت للنسيان والتدمير، منها مثلاً الهيمشينيّة، إحدى اللهجات الأرمنية.   
الجمهورية التركية قائمة على نوع ونمط واحد فقط، ولا تتحمل الهويات المختلفة، ولا تسمح لها بأن تطوّر نفسها. لأننا أمام أيديولوجية رسمية استندت إلى تاريخ مزور. فإذا سمحت الدولة لحياة اللغات الأخرى فإن أهلها سيتوجهون إلى تعلم تاريخهم الصحيح والحقائق الخاصة بهم. فالعقل المدبِّر للدولة لا يرغب بذلك، وهذا هو سبب ضغوطه على كل الهويات واللغات الأخرى. 
لم يبق في الساحة من يكابدون من أجل الحفاظ على هويتهم ولغتهم إلا الأكراد، فالأقوام واللغات الأخرى قد تعرضت للإذابة والنسيان تحت ضغوط الهوية التركية. 
وعلى الرغم من أن تركيا وقّعت على عديد من الاتفاقيات الدولية التي تضمن الحق في التحدث والتعليم بلغة الأم، بل منحتها موقعًا أعلى حتى من قانونها المحلي، بموجب المادة الـ90 من الدستور، إلا أن تلك الاتفاقيات تبقى حبرًا على الورق، حيث لا تلتزم بها، وتصرّ على أيديولوجيتها القائمة على هوية واحدة فقط خلافًا لِما في أوروبا.
أعتقد أن النظام التركي يحتاج دائمًا إلى هذا النوع من التهديد، فهو يسعى للحفاظ على بقائه بأساليب قمعية يبررها دومًا بوجود "تهديد" و"عدو". واسم هذا التهديد أو العدو اليوم هو الأكراد الذين يحاولون تقسيم تركيا، على حد زعمه. فهو يحاول أن يقود هذه الدولة بالركوب على موجة القومية العنصرية. الواقع أنه لو كان الأكراد يتحدثون ويدرسون بلغتهم لكان ذلك حافزًا قويًّا لإعادة بناء السلام بين الدولة والأكراد، إلا أن الدولة لا تريد ذلك.  
لا يقتصر الأمر على الأكراد فحسب، بل كلمة "الأرمني" لا تزال تستخدم كتعبير عن الكراهية ولوصف أسوأ الأمور. وكان يطلق على الشباب الأكراد المقتولين في الاشتباكات الدائرة بين الطرفين "ذرية الأرمني" لإهانتهم. 
الدولة تصنع صراعات وعداوات عبر الهويات المختلفة، وأوصلت الاستقطاب والوقيعة بين الشعوب إلى مستويات في غاية الخطورة، ذلك أنها لا تمتلك أي آلية أخرى لإدارة البلاد سوى القومية العنصرية. 
الذين حكموا تركيا في السابق والحاضر خافوا من تطوّر السياسة المدنية، وتمنَّوْا دائمًا أن تكون هناك معارضة مسلحة. فهم تذرعوا بالمعارضة المسلحة ووظّفوا الكراهية والقومية لإدارة هذه البلاد من خلال سياسة الرعب. وهذا هو النهج المطبق اليوم أيضًا. لو كانت في هذه الأراضي ديمقرطية حقة، وحرية التعبير عن الأفكار والآراء، وإمكانيةٌ للجلوس على الطاولة ذاتها لمناقشة القضايا لَمَا حصل حزب العدالة التنمية "الإسلامي" وحزب الحركة "القومية" على نسبة أصوات مرتفعة.  
كان حزب العدالة والتنمية زعم أن زمن الاغتيالات مجهولة الفاعل، التي تعرض لها الأكراد، قد ولى دون رجعة في عهدهم، إلا أنه ما مضى وقت حتى غير حلفائه، فبات يقود الدولة مع العناصر القومية المتطرفة القديمة من أمثال محمد آغار وتنظيم أرغنكون بعد إغلاق القضية المفتوحة في هذا الصدد. والجميع يرى ما آلت إليه الأوضاع بعد ذلك. 
في السابق كنا نشتكي دومًا عن ربط النظام القضائي بالمؤسسة العسكرية، واليوم أصبح يخضع للسلطة السياسية، بل لأردوغان مباشرة. فأنا محامية منذ 30 عامًا لم أشهد هذا النوع من مناخ الرعب والخوف الذي يسيطر على القضاة بعد أن رأوا إقالات جماعية يوميًّا بحجج مختلفة. لقد أصبحنا اليوم نبحث عن محاكم أمن الدولة القديمة بعدما شاهدنا قرارات المحاكم الجنائية الحالية. ما نعيشه اليوم ليس إلا جنون. لقد جنّ جنون الدولة!


يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا:

https://ahvalnews.com/tr/guncel/eren-keskin-bugunku-mahkemelere-bakinca-dgmyi-arar-olduk-devlet-akli-cildirmis-olmali
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.
This block is broken or missing. You may be missing content or you might need to enable the original module.