مايكل كوبلو
مارس 08 2018

الديمقراطية تمنع نتنياهو من استخدام أساليب أردوغان لتفادي القانون

مثلما كتبت في السابق، هناك الكثير من المتشابهات بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. لكن على الرغم من السمات المشتركة بينهما وحقيقة أن كل منهما تعامل مع اتهامات فساد وتحقيقات مستمرة، فإن مستقبل إسرائيل لن يشبه حاضر تركيا بغض النظر عن ما إذا كان نتنياهو يستطيع تجاوز الأزمة الحالية ويتشبث بالسلطة أم لا. وتشير المسارات المتباينة لكل من تركيا وإسرائيل إلى أهمية وسلطة الكيانات والمؤسسات، وكيف يمكنها أن تحدد المسار الذي تسير فيه الدولة بغض النظر عن رغبات وميول أي زعيم فردي.
وعند مواجهة أردوغان لأول مرة بمزاعم الفساد، واعتقال مساعديه السياسيين، وإجراء تحقيق واسع النطاق فيما يرتكبه من هم داخل دائرته السياسية من أفعال، قام بردي فعل فوريين. أولهما هو محاولة تشويه سمعة التحقيقات – لأن من يقوم بها من أنصار غولن في الشرطة والإدعاء العام – وأنها غير محايدة وقائمة في الأساس على الأكاذيب، وأنها جهد مختلق من قبل أعدائه بهدف إسقاط الحكومة. وكانت الإجابة غير متوقعة، وفي الحقيقة تتشابه بشكل جوهري مع الانتقادات الكبيرة اللفظية الحالية الصادرة عن نتنياهو ضد محققي الشرطة الإسرائيلية الذين يحققون في أفعاله أو تتشابه مع الهجوم الدائم الذي يشنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب على مكتب التحقيقات الاتحادي والجهات الحكومية الفاعلة العميقة المزعومة التي يقول إنها تحاول الإطاحة به. وفي حين أن هذه الأنماط من الردود تعتمد على حشد أنصار سياسيين عن طريق مناشدة غرائزهم الأساسية وربما القبيحة، فإنها لا تعد هجوما مباشرا على مؤسسات الدولة نفسها، وسيستخدم معظم القادة السياسيين مثل هذه الخطط الخطابية للاحتفاظ بولاء  وإخلاص أنصارهم. وحقيقة أن سياسيا يوظف الشعبوية كسلاح، لا يجعل منها مناهضة ديمقراطية.
و على الرغم من ذلك، كان رد فعل أردوغان الثاني مختلف نوعيا، وتمثل في استخدام ما تتمتع به الدولة من سلطة لطرد ضباط الشرطة، ومنع اعتقال المشتبه بهم، وإعاقة عمل الإدعاء، وإلغاء أي فصل للسلطات بين الحكومة والهيئة القضائية. وقد يكون من الصعب الآن تذكر كل ما جرى منذ محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في يوليو عام 2016، لكن الجهود التي بذلها أردوغان في عام 2013، لجعل جميع مؤسسات الدولة المستقلة تابعة لسلطته كانت خطوة جوهرية تتجاوز أي شئ حاول القيام به من قبل. ويرجع نجاح أردوغان في هذا الجهد إلى عزمه على البقاء سياسيا ، وبسبب ضعف مؤسسات الدولة في تركيا أيضا.
وثمة سخرية تتمثل في حقيقة أن الهجوم الذي شنه أردوغان على حركة غولن من خلال تجريد أنصارها من مناصبهم في الشرطة والسلطة القضائية تحقق من خلال الضعف الذي سببته حركة غولن لهذه المؤسسات في هجومها على الجيش خلال تحقيقات ومحاكمات باليوز وإرغينيكون. ولذلك، كان أردوغان قادرا على الاستيلاء على الشرطة والسلطة القضائية بسهولة نسبية.
ويعني التاريخ المضطرب لتركيا والذي يتذبذب بين فترات من الاستبداد وفترات من الحكم الديمقراطي المتداعي أيضا أن مؤسسات الدولة القوية والمعايير التي كانت لتقيد أردوغان لم تكن موجودة. ولم تكن هناك هيئة موثوق بها أو مستقلة وقوية بما يكفي لتقف في طريق أردوغان حيث استخدم السلطات التي تتمتع بها الدولة لإخفاء اتهامات الفساد على نحو فعال.
ولا يوجد دليل على أن نتنياهو لديه نفس الغرائز الاستبدادية القوية التي يتمتع بها أردوغان، أو أنه إذا ما سنحت له الفرصة فإنه سيقوم بتوظيف خطط هجومية مماثلة ضد مؤسسات الدولة المسؤولة حاليا عن التحقيق وربما محاكمته. ولكن حتى إذا فعل ذلك، فإن النظام الإسرائيلي سيمنعه من القيام بهذا بطريقة لم يستطع النظام التركي القيام بها فيما يتعلق بأردوغان.
وبداية، فإن الديمقراطية في إسرائيل موجودة منذ تأسيس الدولة، وبغض النظر عن مسألة حكم الجيش في إسرائيل للضفة الغربية وتعامله مع الفلسطينيين الخاضعين لسيطرته، فإن النظام السياسي في إسرائيل ليس موضع شك. كما أن لإسرائيل تاريخ من التحقيق، والمحاكمة، وسجن قادتها لإرتكابهم جرائم، فسلف نتنياهو، إيهود أولمرت أُطلق سراحه من السجن بعد قضائه قرابة عام ونصف العام في قضية فساد وفي أعقاب استقالته كرئيس للوزراء حينما كان يخضع للتحقيق. ويعد امتلاك إسرائيل لمؤسسات ديمقراطية قوية عاملا لم يكن موجودا في تركيا، وهذا وحده يعني أنه إذا تجاوز نتنياهو مشكلته القضائية، فإن هذا سيكون لأنه تمت تبرئة ساحته وليس لأنه أغلق التحقيق، مثل فعل أردوغان. 
لكن التباين في النظم السياسية وحده لا يفسر الاختلاف. فالمؤسسات في إسرائيل أكثر قوة أيضا من المؤسسات في تركيا، وذلك بغض النظر عن الديمقراطية.
وتوجد فكرة إسرائيلية تسمى التعامل بطريقة تشبه السيادة، والتي ليس لها ترجمة مباشرة، لكن تعني بشكل أساسي أن الولاء للدولة نفسها يسمو فوق المفهوم الحزبي الضيق أو الاهتمامات الطائفية. وسواء كانت إسرائيل مازالت ترقى إلى هذه المثالية أم لا، فإن أهميتها في الأيام الأولى للدولة كانت تعني إنشاء مؤسسات دولة قوية ومستقلة قادرة على خلق فضائها الخاص والتحقق من الكثير من السياسات والغرائز الشعبوية. وحتى المحاولات الأخيرة التي قامت بها حكومة نتنياهو لتغيير الطريقة التي يتم بها تعيين القضاة أو الحد من نطاق المراجعة القضائية بالنسبة لتشريع الكنيست تم التراجع عنها بالقوة.
وتطهير الشرطة وطرد المدعين كما فعل أردوغان ليس ببساطة خيارا متاحا أمام الزعيم الإسرائيلي.
وقد تجاوز أردوغان فضائح الفساد الخاصة به عن طريق ملاحقة مؤسسات الدولة التركية وقام فقط بتراكم المزيد من السلطات منذ ذلك الحين. وإذا ما تجاوز نتنياهو فضائح الفساد الخاصة به، لن يكون لأنه اتبع نفس قواعد اللعبة التي اتبعها أردوغان. وفي حين أن أردوغان كان قادرا على الاستفادة من النظام السياسي لتركيا والهروب من ورطته، فإن النظام السياسي في إسرائيل يضمن أن الورطة التي تقيد نتنياهو أكثر متانة بكثير.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: