الدين والمذهب والروابط الشخصية تحكم العلاقات الدولية لأردوغان

 

لم تسفر المكالمة الهاتفية، التي دارت يوم 29 إبريل بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان، عن النتائج التي كان يأملها الأخير، وظهر هذا جلياً في كلمته التي ألقاها في اليوم التالي بمناسبة افتتاح معرض الصناعات الدفاعية (آيدف) بنسخته اﻟ 19 بمدينة إسطنبول.
عكست التصريحات، التي صدرت عن الطرفين بعد هذه المكاملة، استمرار الخلاف بينهما فيما يخص موضوع شراء منظومة S-400 الصاروخية الروسية ومقاتلات F-35 الأميركية. وعلى الرغم من تصريح أردوغان "سددنا ثمن منظومة S-400 الصاروخية الروسية، وانتهى الأمر"، إلا أن الولايات المتحدة لا تزال تمارس ضغوطها على أنقرة لإثنائها عن المضي قدماً في طريق إتمام هذه الصفقة، بل وتلوح بفرض عقوبات اقتصادية وعسكرية عليها إن هي أصرت على موقفها.
وعلى الجانب الآخر، استخدم أردوغان في كلمته يوم 30 إبريل نبرة حادة في حديثه عن الولايات المتحدة الأميركية وإدارة ترامب، وإن كان لم يذكر اسمها صراحةً، قال أردوغان:
"يصر، الذين يوجهون تهديداتهم إلينا من على بعد آلاف الكيلو مترات، على تجاهل حقنا المشروع. أقول لهم إن تركيا لن تقبل أي إملاءات في مجال الصناعات الدفاعية، كما لم تقبلها من قبل في المجالات السياسية والاقتصادية ".
استهل أردوغان حديثه بالتأكيد على أن تركيا بدأت مرحلة تصنيع أنظمة دفاع جوي محلية الصنع، وزعم أن عزل تركيا عن مشروع مقاتلات F-35 المشترك مع الولايات المتحدة سيؤدي إلى انهيار المشروع بالكامل، أو على حدّ قوله "لن يمكنكم التحرك بدون تركيا، إذا عزلتم تركيا فسوف ينهار المشروع".
 
من ناحيته، عرض البروفيسور حسن أونال، الأستاذ في قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة مالتبه في حديثه إلى موقع "أحوال تركية"، التوتر المستمر في علاقة تركيا بالكثير من دول العالم على صعيد سياستها الخارجية، وأزمة صفقة منظومة S-400، على النحو التالي:
 
"إذا تراجعت تركيا في هذه المرحلة عن شراء منظومة S-400 الصاروخية الروسية، فسوف يُعد هذا انتقاصاً من سيادتها. وفي رأيي الشخصي، إن الهدف الرئيس وراء إصرار الولايات المتحدة على تراجع تركيا عن إتمام هذه الصفقة هو منع حدوث تقارب بين تركيا وروسيا. وهي تلوح باتخاذ كافة السبل، وعلى رأسها فرض حظر اقتصادي على الاقتصاد التركي المنهك في الأساس، للحيلولة دون حدوث الأمر. أما عن زعمها أن مقاتلات F-35 الأميركية لن تستطيع الدخول في المجال الجوي لصواريخ S-400 خشية أن تطلع روسيا على الأسرار التقنية لهذا النوع المتطور من المقاتلات، فهذا غير صحيح بالمرة؛ لأن الجيش الإسرائيلي يملك نفس النوع من المقاتلات، وهي تحلق باستمرار على الحدود السورية- اللبنانية، على الرغم من امتلاك سوريا الجيل الأحدث من منظومة S- 300 الصاروخية، كما أن روسيا تنشر بطاريات صواريخ S-400 في قاعدة حميميم العسكرية الروسية هناك. وبالمثل تحلق طائرات F-35 في بحر الشمال في النرويج، تزامناً مع نشر روسيا بطارياتS-400  لحماية مجالها الجوي في هذه المنطقة.
وإذا كان بإمكان روسيا الحصول على أسرار هذه المقاتلة، كما تزعم أميركا، لفعلت هذا الأمر منذ فترة طويلة. من ناحيتها، اقترحت تركيا تكوين فريق عمل مشترك لإزالة أسباب مخاوف أميركا في هذه النقطة، ولكن اقتراحها لم يجد صدى لدى الأخيرة؛ لأن هدفها، كما قلت قبل قليل، هو منع حدوث أي تقارب عسكري أو سياسي بين تركيا وروسيا.
وعلاوة على ذلك، فإن المجال الجوي لتركيا كبير للغاية، ولن تكفي بطارية واحدة من منظومة S-400 الصاروخية لحمايته؛ مما يعني أنها بحاجة إلى شراء المزيد من البطاريات للقيام بنفس المهمة. لهذا السبب، تقول تركيا إنه بإمكانها شراء صواريخ باتريوت أيضاً من الولايات المتحدة من أجل حماية الأجواء التركية في مناطق أخرى، ولكن أميركا لم تتجاوب هذه المرة أيضًا مع الطلب التركي، ووضعت شروطاً مختلفة لأجل هذا. البعد الآخر للمشكلة هو أن نشر تركيا لمنظومةS-400  الصاروخية في القطاع الغربي من الدولة، سيضمن لتركيا السيطرة الكاملة على الأجواء في منطقة بحر إيجة، مقارنة باليونان".
 
يقول البروفيسور أونال إن اتباع تركيا في تعاملها مع الضغوط التي تتعرّض لها من قبل الولايات المتحدة سياسةً تعتمد على "الهواجس الفكرية والانتقائية الأيدولوجية" سيؤدي بها بالضرورة إلى نتائج سلبية، ويؤكد أن حكومة أردوغان تعتمد في المفاضلة في علاقاتها الخارجية مع الدول والزعماء، عناصرَ مثل الدين والمذهب والأيدولوجية الفكرية والروابط الشخصية، مدللاً على ذلك بما حدث في السودان بعد الإطاحة بعمر البشير، أو على حد قوله:
"بدلاً من أن تضع تركيا سياسة متوازنة تتصف بالاستمرارية في علاقاتها الخارجية تستطيع من خلالها تحقيق مصالحها السياسية والاقتصادية والعسكرية.. الخ، دون النظر إلى الشخص أو الحكومة الموجودة في هذا البلد أو ذاك، وجدناها تقيِّم علاقاتها بالدول على الأشخاص الذين يحكمون في تلك الدول، ودينهم وفكرهم ودرجة التقارب الأيديولوجي معهم؛ لذلك كان من الطبيعي أن نصطدم في النهاية بمواقف شبيهة بما يجرى في السودان الآن".
عندما عُزِل صديق أردوغان المقرب، ورفيق دربه في دعم جماعة الإخوان المسلمين، تصدرت دول مثل مصر والسعودية المشهد هناك، وصار لها التأثير الأقوى على الإدارة الجديدة. ولا يغيب عنّا ما حدث في مصر أيضًا؛ عندما سارع أردوغان لدعم عضو جماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي، وعندما تم عزله لم يتردد في قطع علاقته بحكومة السيسي. وكانت النتيجة أننا فقدنا، بسبب تلك الهواجس والسياسة القائمة على الانتقائية الأيدولوجية، دولةً مهمةً مثل مصر، التي كان من الأجدر بنا أن نوطد علاقاتنا معها. على الجانب الآخر، كان من الطبيعي أن يتم استبعاد تركيا من "تحالف دول شرق المتوسط" الذي يضم اليونان وقبرص إلى جانب مصر وإسرائيل في ظل علاقتها المتوترة مع هذه الأطراف كافة.
يجب علينا أن نعيد علاقاتنا مع مصر إلى مسارها الصحيح، كما يجب علينا أن نبادر، قبل فوات الأوان، بفتح حوار مع حكومة دمشق لإزالة التوتر الذي أحدثته سياسة الانتقائية الأيدولوجية التي يتبعها أردوغان. أنتم لا تعترفون بالحكومة السورية، وتسعون جهدكم للإطاحة بالنظام الحاكم هناك، ومع هذا تدعمون حكومة مادورو وتقولون "لا يمكن للولايات المتحدة أن تقرر من يحكم فنزويلا".
لماذا إذن لا تفكرون بالمنطق نفسه في المسألة السورية، على الرغم من أن دولاً مثل روسيا والصين وبعض دول أمريكا اللاتينية وغيرها من الدول الداعمة لإدارة مادورو في فنزويلا لها نفس الموقف الثابت تجاه إدارة الأسد في سوريا؟
 لقد كان الاتحاد السوفيتي وإيران الخميني هما أكثر الأنظمة الأيديولوجية في العالم في سياستهما الخارجية، لكن حتى هذين البلدين كانا يتبعان في علاقاتهما الخارجية سياسية براغماتية تعطي الأولوية لمصالح بلديهما فقط. أما تركيا فلا تزال عالقة في هواجسها الأيدولوجية، عاجزة عن اتباع سياسة خارجية أيدولوجية متوازنة.
 
اختتم حسن أونال حديثه معنا بتقييمه للتطورات المحتملة حول علاقة الرئيس التركي أردوغان بجماعة الإخوان المسلمين على النحو التالي:
"تمقت دول مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر وكذلك معظم الدول العربية في الخليج العربي جماعة الإخوان المسلمين، وتعتبرها منظمةً إرهابيةً، وتطالب الولايات المتحدة بإدراجها على قائمة المنظمات الإرهابية كذلك. ويبدو أن إدارة ترامب مستعدة كذلك للتجاوب مع هذه المطالب. وفي رأيي الشخصي، إن اتخاذ أميركا هذا القرار سيقض مضجع تركيا.
ولأن إعلان الولايات المتحدة الإخوان جماعة إرهابية سيتبعه قراراً آخر بفرض عقوبات اقتصادية وسياسية على الدول والمؤسسات الداعمة لها، بالإضافة إلى قرارات أخرى للقبض على كوادر الجماعة وعناصرها وطردهم ومصادرة أملاكهم وتجميد حساباتهم في البنوك، فمن المؤكد أن تركيا، بوصفها أحد أهم الداعمين لجماعة الإخوان المسلمين، ستنال نصيبها من هذه العقوبات. لهذا السبب، يجب على تركيا ألا تهدر المزيد من الوقت، وأن تتخلى بشكل فوري عن سياستها الخارجية القائمة على الانتقائية الأيدولوجية، وإلا فعليها أن تستعد لتحمل فاتورة ثقيلة على المستويين الإقليمي والدولي معاً".
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/guncel/prof-unal-turkiye-dis-politikada-ideolojik-seciciligin-acmazinda
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.