Tiny Url
http://tinyurl.com/y9cojff3
ألين تاشجيان
يناير 01 2019

الدَّين التركي: بين الخير والشر هناك دائما وجهة نظر

"الحقيقة هي بداية كل شيء صالح، سواء للآلهة أو الناس. ومن يكون سعيدا وهانئا ستجده من البداية يلتمس الحقيقة حتى يمكن أن يعيش صادقا لأطول فترة ممكنة ويكون أهلا بالثقة، أما ذلك الذي يحب الباطل بإرادته فلا ينبغي الوثوق به، بينما ذلك الذي يحب الباطل بغير إرادة منه فهو أحمق" - القوانين لأفلاطون (الكتاب الخامس).

أخيرا وجد فيلم (الدَّين) للمخرجة فصلات سراج أوغلو طريقه إلى دور العرض. وبعد أن حصد الفيلم جائزة أفضل فيلم في المسابقة الوطنية في مهرجان إسطنبول السينمائي لعام 2017 ونال جوائز من مهرجان قرطاج السينمائي في تونس ومهرجان كيرلا في الهند، يعرض الفيلم الآن في تركيا وسط جدل يدور حول قضيتين ساخنتين طغتا على قيمته السينمائية.
القضية الأولى تفجرت مع الإعلان عن اختيار الفيلم ليتنافس ضمن المسابقة الوطنية في مهرجان إسطنبول السينمائي، وتحديدا عندما كشف فريق العمل أن غرابا كان يلعب دورا صغيرا في الفيلم نفق من شدة الإرهاق أثناء التصوير. ومع الانتقادات التي أثارتها جماعات حقوق الحيوان، جرى الإعلان لاحقا أن الغراب تعرض لهجوم من غراب آخر ونفق متأثرا بجراحه.
القضية الثانية أثيرت مباشرة بعد فوز (الدَّين) بجائزة أفضل فيلم، وذلك عندما انتقده كاتب سينمائي لكونه أضعف فيلم في المسابقة من حيث المستوى، كما وجه إهانات مباشرة لرئيسة لجنة التحكيم بالمهرجان بيلين إزمير لمنحه الجائزة. وتسببت تعليقاته المهينة للنساء في موجة غضب بين العديد من العاملين في صناعة الأفلام في البلاد. وأنا لن أكرر هنا التصريحات المسيئة التي أدلى بها الجانبان في كلا الواقعتين، وذلك على الرغم من أن لدي بعض الآراء الشخصية بشأن كلتا الحالتين. وذلك لأن المهم من وجهة نظري هو معرفة ردود فعل النقاد والجمهور تجاه الفيلم.
من وجهة نظري، صنعت سراج أوغلو، وهي من أتباع مدرسة السينما التركية المستقلة الجادة، فيلما يمكن وصفه بالبساطة والواقعية. ويستمد (الدَّين) قيمته الفنية والجمالية من أصالته وإعادة تقديمه للواقع بطريقة تشبه الأفلام الوثائقية. إذ يحكي الفيلم قصة عائلة من الطبقة المتوسطة تعيش في إسكي شهر بوسط تركيا من خلال سلسلة مشاهد طبيعية للغاية تبدو وكأن سراج أوغلو نصبت كاميرا في منزل عائلة حقيقية من سكان المدينة وشرعت في تصوير حياتها. وفي رأيي، يعود نجاح الفيلم في تقديم هذه الصورة الواقعية بدرجة كبيرة إلى اختيارات سراج أوغلو الممتازة لأبطال الفيلم والأداء المذهل للممثلين.
ومما لا شك فيه أن سراج أوغلو تتمتع بقدرة ملاحظة قوية تهتم بأدق التفاصيل، وهو ما ظهر جليا في تصويرها لطريقة تفكير شخصيات الفيلم وسلوكياتها وأسلوبها في الحديث وعاداتها الاجتماعية وكيفية تفاعلها مع أصحاب المتاجر والجيران والأصدقاء. وسيجد الكثير منا، خاصة ممن يعيشون في مدن صغيرة، أن العالم الذي تنسجه سراج أوغلو يتشابه في كثير من النواحي مع العديد من تجاربنا الخاصة. كما يمكن تفسير سر نجاحها في تقديم رسالتها وتوصيلها إلينا بكل نعومة وسلاسة بدراستها السابقة لعلم الاجتماع. 
ويركز فيلم (الدَّين) على تقصي مفهوم الخير من خلال اتباع أسلوب سرد رتيب إلى حد ما حتى قرب النهاية. وتوثق سراج أوغلو مشاهد عامة من حياة أسرة عادية من الطبقة المتوسطة الدنيا وما تواجهها من أحداث قد تبدو عادية لكنها تعكر صفو حياتها اليومية، مثل شراء سيارة بالتقسيط أو رب العمل المتأخر عن صرف أجور عماله أو سقوط غراب صغير من عشه أو اضطرارها إلى استضافة جارتها المريضة لعدم وجود أي شخص آخر ليعتني بها، بالإضافة إلى مشاهد أخرى لكل شخصية على حدة مثل توفان (الذي يلعب دوره سردار أورشين) ومقدس (التي تلعب دورها إبيك تركتان) مع بناتهما وأصدقائهما ومعارفهما، وهم يكافحون جميعا لعيش حياتهم دون منغصات.
وعمدت سراج أوغلو إلى نزع كل ما يتعلق بالسياسة من الفيلم والنأي به بالكامل عن الأحداث الجارية لتصور العائلة الصغيرة وهي منغلقة على نفسها في عالمها الصغير. فالأم مقدس (التي يشار إليها في الفيلم باسم التدليل موكو) تشغل نفسها بالعمل المنزلي وفي بعض الأحيان تجدها تتعلم بعض حركات الرقص الشرقي من التلفزيون لكنها في الأغلب تقضي معظم أيامها في المنزل، أما توفان فيعمل في شركة طباعة ويجد بعض السلوى في الخروج مع زملائه في العمل إلى السينما. وتتنقل بنا المشاهد لنرى كيف تستقبل الأسرة بعض الأصدقاء المقربين الذين أتوا للزيارة من خارج المدينة.
ويمكن القول إن الفيلم يفتقر لروح الفكاهة أو النقد الحاد لأوضاع الطبقة المتوسطة. كما لا يوجد أي من مظاهر العمق النفسي أو صور الجانب المظلم للروح البشرية التي يمكن التعرف عليها بسهولة في أفلام المخرج التركي الشهير زكي ديميركوبوز على سبيل المثال. ومع ذلك، يتطرق (الدَّين) لكيفية الالتزام بالمفاهيم القديمة للخير والواجب مثلما وردت مباشرة في الوصايا العشر وكتاب (القوانين) الخامس لأفلاطون: أكرم أباك وأمك، ولا تسرق، أو تشهد شهادة زور، أو تحسد جارك. كما تم استدعاء مُثُل أفلاطون العليا (مثل تنزيه النفس عبر الابتعاد عن الشهوات الجسدية والملذات المادية والعطف على الغرباء وأبناء السبيل والوقوف في صف العدالة) لكي تلعب دورا كبيرا في دائرة الصراع التي تعيشها تلك الأسرة بين التمسك بتلك المُثُل والصمود في وجه مصاعب الحياة المعاصرة.
وكل هذا واضح لدرجة أن المشاهد يمكنه رؤية كلمات أفلاطون مكتوبة على الهواء: "إن الإنسان الذي يرى بعين التقدير خدمات أصدقائه ومعارفه بشكل أعظم وأكثر أهمية مما يقدرونها هم أنفسهم ويحسب ما يقدمه هو من خدمات لهم أقل مما يحسبونها هم فسينعم دائما بمشاعرهم الطيبة ومبادراتهم الحسنة في معترك الحياة".
وبالفعل، صورت سراج أوغلو بطل الفيلم توفان باعتباره نموذجا حيا للخير والتفاهم. فعلى سبيل المثال، أخذ الغراب الصغير بعدما عثر عليه جريحا وغير قادر على الطيران إلى الطبيب البيطري ثم قرر أن يعتني به في المنزل حتى يتحسن. كما فوجئ بجارته العجوز (روتشهان تشاليشكور) تطرق بابه وهي مريضة للغاية ليأخذها إلى المستشفى. وعندما وجد أنها تحتاج إلى الرعاية حتى تصل ابنتها ديليك، يدعوها للبقاء في منزله. لكنه يُصدم بأن ديليك التي تعمل مغنية تريد مواصلة جولتها الغنائية بدلا من الاعتناء بأمها المريضة. في المقابل، عندما تتم سرقة شركة الطباعة التي يعمل بها، يواجه صاحب الشركة (فريدون كوتش) أوقاتا عصيبة لكنه بدلا من أن يصب غضبه على توفان، يشكره على عمله الشاق ودعمه له طوال تلك الفترة.
وتستخدم سراج أوغلو أسلوبا مسرحيا تفصيليا نوعا ما لتهيئة المشاهد لرؤية الحقائق التي لا يدركها توفان في البداية وهي تتكشف تدريجيا أمامه وأمامنا، خاصة عندما يبدي فهمه لموقف رئيسه في العمل فيما يحكم بالسلب على ديليك. وهنا ينبغي أن نشير بكثير من الإعجاب إلى المشهد الذي يعود فيه توفان من العمل بعد سرقة شركة الطباعة (والذي تعاونت فيه المخرجة مع المصورة السينمائية مريم ياوز) بسبب جرعة التوتر التي بثتها في نفوس جميع المشاهدين. ومع ذلك، انتهى (الدَّين) بخطاب ختامي غير سار ولا معنى له من وجهة نظري خاصة بعد النهاية الصادمة للفيلم، ويبدو أن المخرجة لم ترغب في ترك الفضول يسيطر علينا بشأن ديليك وأمها.
وبعد مشاهدة الفيلم، انتابني شعور عميق أن توفان يتصرف في حياته بدافع الإحساس بالواجب الذي يجسد بالضبط ما كتب عنه الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت. لكن هل يمكن وصف توفان بأنه شخص "أخلاقي" فعلا، أم أنه يتصرف بهذه الطريقة لمجرد تحقيق مصلحته الذاتية دون النظر إلى الأخلاقيات التي أسهب كانت في الكتابة عنها؟ هل يستغل الناس من جانبهم الخير الذي بداخل توفان على اعتبار أنه يساعد الآخرين دون توقع أي شيء في المقابل؟ لا يعطي (الدَّين) إجابة واضحة على تلك التساؤلات. وعلى الرغم من أن شخصية توفان في الفيلم تتطور ببطء شديد، إلا أنها تصطحب المشاهد في هذه الرحلة من مشاهد الحياة اليومية إلى أحداث لا مكان فيها للظروف الاعتيادية. وساعد على رسم هذه الصورة الرائعة الأداء الراقي لسردار أورشين وإبيك تركتان وروتشهان تشاليشكور الذي تميز بالبساطة والعفوية والصدق.
وبالمقارنة مع المستوى البسيط وغير الاحترافي لفيلمها الوثائقي السابق (أطفال بابا مسلم) الذي يدور حول عشاق المغني الشعبي الراحل مسلم كورسس منذ خمس سنوات، يمكنك أن ترى أن سراج أوغلو قطعت شوطا كبيرا في وقت قصير، ومن يدري ما هي الروائع التي سوف نشاهدها من إخراجها بعد خمس سنوات من الآن!


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.