الرقابة على البث الرقمي مرحلة جديدة لخنق حرية التعبير

تجدد الحديث مرة أخرى عن الإجراءات التي بصدد إقرارها من طرف المجلس الأعلى للإذاعة والتليفزيون بتركيا، والتي من شأنها اختلاق الكثير من المشكلات بخصوص توفيق أوضاع النشر الرقمي الخاص في تركيا. يتعلق الموضوع هذه المرة بوضع قيود وممارسة ضغوط على البث الرقمي، تحت ذريعة إجراء بعض التعديلات على شروط منح رخصة البث.
ووفقاً لمسودة مشروع اللائحة الجديدة للبث الرقمي، التي نُشرت على موقع المجلس الأعلى للإذاعة التليفزيون التركي تحت عنوان "مشروع لائحة تنظيم البث الإذاعي والتلفزيوني والبث حسب الطلب من خلال شبكة الإنترنت"، فسوف تضطلع لجنة يتم تعيينها لهذا الغرض بمهام تحديد الأسس والمعايير الخاصة الواجب توافرها لمنح تراخيص تقديم خدمة البث عن طريق الإنترنت لمقدمي هذه الخدمات. 
سأتحدث في هذا المقال باختصار عن هذا المشروع الذي كَثُرَ الحديث عنه في الآونة الأخيرة. 
إن أول ما يلفت الانتباه في هذا الإعلان هو أن صلاحيات هذه الهيئة لم تُحدَّد صراحة، بالإضافة إلى أنه لم يتضمن أي حديث عن وضع الأشخاص الحقيقيين والاعتباريين الذي يقومون بالأساس بتقديم خدمات البث الإذاعي والتليفزيوني عن طريق الإنترنت.
يحتوي الجزء الأول من هذا الإعلان على الكثير من التعريفات الخاصة بالأمور التنظيمية، والقواعد التي تحدد الإطار القانوني لهذه الأنشطة في إطار قانوني مطول. أما الجزء الثاني، فيكشف عن الجوانب المظلمة في هذه المسودة من خلال استعراض أهداف هذا الإجراء.  
فعلى سبيل المثال إذا كنت تحلم بعمل بث إذاعي أو تليفزيوني من خلال الإنترنت، فأنت حينئذٍ في مأزق؛ لأنك ستضطر إلى أن تحصل على ترخيص بالبث عن طريق الإنترنت من المجلس الأعلى للإذاعة والتليفزيون. وهناك نوعان من التراخيص تختلف تكلفة كل منهما عن الأخرى؛ حيث يكلف الحصول على ترخيص بالبث الإذاعي عن طريق الإنترنت عشرة آلاف ليرة تركية، في حين يكلف ترخيص البث التليفزيوني مائة ألف ليرة. ولا يمكن لأحد أن يتجرأ على بث أية مادة دون الحصول على هذا الترخيص.
ويوجد، بالإضافة إلى النوعين السابقين، نوع ثالث من التراخيص يخص تقنية البث حسب الطلب، وهي تتكلف 100 ألف ليرة أيضاً؛ أي أن خدمات البث الإذاعي والتليفزيوني في تركيا أصبحت مرتبطة بدفع الأموال المحددة. والأدهى من ذلك أن هذه المبالغ ليست "تعريفة" ثابتة؛ أي أنها معرضة للزيادة في كل عام. 
من هنا كان من الصعب على الكثيرين، في ظل النظام الجديد، أن يحصلوا على ترخيص من أجل القيام بأكثر من بث في آن واحد، كما يتعذر عليكم أيضاً أن تقوموا بأكثر من بث إذاعي أو تليفزيوني من خلال شركتكم؛ لأنه يجب عليكم في هذه الحالة أن تحصلوا على ترخيص منفصل لكل بث على حده. وهذا يدل على أن الدولة التركية قد عقدت النية على دس أنفها في الإعلام الحر الذي كُسِرَت شوكته.
وحتى إذا أودعتم المبلغ الذي يريدونه، ونجحتم قَدَراً في الحصول على الترخيص، وأصبح لكم حق البث داخل تركيا، فهذا لن يعطيكم الحق في بث أية مادة تثير غضب كبار المسؤولين في الدولة؛ لأنكم وببساطة ستنالون عقابكم، وسيتم إلغاء هذا الترخيص، وستخسرون ما دفعتم من أموال.
لنفترض أنك ممن لا يكلون في سبيل تحقيق أهدافهم، وأنك نجحت في الحصول على ترخيص بالبث؛ ولكنك خالفت شروط منح هذه الرخصة، في هذه الحالة ستتخذ الدولة ضدك عدة خطوات تبدأ بالتحذير والإيقاف لمدة ثلاثة أشهر. 
وفي حالة عدم الالتزام بالشروط، التي سيملونها عليك خلال هذه المدة، ستقوم الجهة المختصة بإلغاء الترخيص على الفور.
أما إذا كنت تبث بالفعل فلن يكون هذا أيضاً بالأمر الهين؛ حيث يتعين عليك حينها أن تفكر في عدة أمور أهمها: هل ستنضم إلى هذا النظام أم لا؟ هل تقدمت بطلب؟ هل قبلوا الطلب، وحصلت على الترخيص؟ هل تقوم ببث يتفق مع شروط منح الترخيص؟ وإلا فالعقوبات قاسية. 
قدَّم خلال الأيام القليلة الماضية صفوة رجال تركيا، من الأكاديميين والصحفيين، آراءهم بشأن هذه المسودة إلى أن يتم نشرها بشكل كامل، واشتركوا جميعاً في أن النظام الجديد، الذي سيطبق عند التقدم للحصول على ترخيص، لا يمكن النظر إليه إلا باعتباره نوعاً من الضغط، ووضع حقوق البث عن طريق الانترنت في يد أعداد محدودة. 
ومن ذلك قول البروفيسور يامان أق دنيز "لم تحدد لائحة المسودة شروطاً بشأن الأشخاص الذين يمكنهم الحصول على الترخيص". وتستطيع الحكومة بذلك أن تمنع كافة المواقع التي تريدها؛ الأمر الذي يقود في نهاية المطاف إلى الوقوف أمام المحاكم.
ومع هذا، ينبغي علينا ألا ننسى أن هذه الدعاوى، حتى وإن استمرت في المحاكم مائة عام قادمة، فقرار المنع آت لا محالة، بل هو أمر محسوم حتى قبل بدء إجراءات التقاضي. من أجل هذا، يتعين على أي شخص يرغب في القيام ببث رقمي أن يضع "عدم إغضاب الحكومة" على قمة أولوياته، في حين أن الأصل هو أن تقوم الحكومة بدعم الإعلام الرقمي كما تفعل الديمقراطيات الغربية؛ حيث تدور نقاشات جادة في هذه البلدان عن دعم البث الرقمي، الذي يقوم به أفراد من الشعب أمام مواقع أخرى مثل facebook، وTwitter.
وإذا نظرنا، على الجانب الآخر، إلى سجل تركيا الخاص بحرية الرأي، فسندرك مدى المعاناة التي نحن بصددها. أضف إلى هذا أن الفقرة الثامنة من المادة الخامسة للمسودة تنص على تطبيق أحكام هذه اللائحة فيما يخص خدمات البث التي تقوم بها أية مؤسسة إعلامية تفرد مساحة لمادة موجهة لتركيا، أو تتناول الوضع الاقتصادي فيها سواء أكانت هذه المادة الإعلامية منشورة باللغة التركية أم لا.
وهذا يعني أنك إذا نشرت أية مادة خاصة بتركيا فستصبح مُداناً في نظر القانون حتى لو كان موقع البث في برلين أو في لندن أو في كولونيا. وهذا يعني أن لائحة المجلس الأعلى للإذاعة والتليفزيون الحالية هي، في حقيقة الأمر، النسخة المطورة للقانون الذي أُقِرَ في التسعينيات، وكان يعتبر أي شخص يقوم بنشر مادة ضد تركيا من أوروبا مداناً من الناحية القانونية. 
وعلى الرغم من عدم توجيه الصحفيين أي أسئلة بخصوص هذا القانون "الغريب" خلال المؤتمر الصحفي، الذي عُقد بين أردوغان والسيدة ميركل، إلا أن قانوناً كهذا سيترك تأثيره على تركيا؛ حيث ستغير الدول الأوروبية وجهة مشروعاتها الخاصة بالإعلام عن تركيا.
ومما لا شك فيه أن غياب روح التضامن بين الصحفيين في تركيا هو الذي جعل الدولة لا تتحرج من أن تقول لأي صحفي أو ناشر "تعال، سنأخذك في جولة إلى مخفر الأمن، أو إلى سجن سيليفري! "

لقراءة المقال باللغة التركية على هذا الرابط

https://ahvalnews.com/tr/ifade-ozgurlugu/ifade-ozgurlugunde-son-durak-dijital-yayinlara-rtuk-prangasi
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.