بيرجان ديرمنجي
ديسمبر 11 2017

"الساعة المكسورة": قلوب محطمة وزمان متوقف في "سور" التركية

 

ديار بكر: "لا نريد سلاحًا ولا عمليات تنظيمية ولا وصراعًا في هذا المكان ميراث الإنسانية المشترك:" تلك كانت آخر كلمات رئيس نقابة محاميّ ديار بكر السيد/ طاهر ألتشي (Tahir Elçi) حيث كان يدلي بتصريح صحفي، وقد أمسك في يديه بلافتة كتبت عليها عبارة "أطلقوا الرصاصَ على قدمي"، هذا المشهد هو ما عُرض على شاشات السنيما.
إنه مشهد من الفيلم الوثائقي "الساعة المكسورة"، الذي يتناول حياة "ألتشي" الذي راح ضحية عملية اغتيال مجهولة الجناة في  28 نوفمبر 2015.
بعد المشهد الأول من الفيلم الذي عرض في مركز "شيخموس (Cegerxwin)" الثقافي، حيث اكتظ بمحبي "ألتشي" وشاهده معظم الحاضرين وقوفًا على الأقدام تعالت أصوات التصفيق. ثم تحدثت عن "ألتشي" زوجته وأخوه الأكبر وخالته ورفاقه في العمل. كانوا يسردون بعضًا من ذكرياتهم معه مبتسمين أحيانًا، وباكين تغلبهم الدموع أحيانًا أخرى.
فيلم الساعة المكسورة

خيَّم الصمت على القاعة...
روى أخوه الأكبر كيف واصل "ألتشي" تعليمه في ظل ظروف صعبة؛ بينما تحدثت خالته عن كيفية دعمه للفقراء والمحتاجين واحتضانه الأيتام، أما أصدقاؤه المحامون فذكروا كيف أنه وقف على الحياد بالنسبة لكل الاتجاهات السياسية، وبحسب شخصيته القانونية نذر حياته للدفاع عن الحق دون أن يخشى أو يخاف من أي طرف، وأنه تابع القضايا المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان في الحياة دون تمييز بين أيٍّ منها، وحين رفع دعوى إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بشأن مذبحة "روبوسكي (Roboski)" دافع أيضًا بشخصيته القريبة من "حزب الدعوة الحرة (Hüda Par)" عمن قُتلوا في تلك المذبحة.
دار الحديث عن كيفية تأثره بالأحداث الجارية في "جزرة" حيث وُلد وكَبُر، وكيف سار أثناء حظر التجوال -برغم الصمام الذي في قلبه- إلى "جرزة" التي لم يُسمح لهم بدخولها، وأنه تكفل بنفقات "يوسف" الذي فقد يده ورجله حين داس أثناء بحثه ودراسته للوضع ميدانيا على قنبلة لم تكن قد انفجرت. 

فيلم الساعة المكسورة

ريُعرف طاهر ألتشي بكلماته المعبرة: "إن تقديم الفكر على السلاح مهم لأقصى درجة في وضع أسس الجسر الذي سيقام بين الشعوب".
يظهر على الشاشة بعد ذلك مشهد محاولة قتله التي وقعت إثر حديث أدلى به في أحد برامج قناة "سي إن إن ترك (CnnTürk)". تمامًا مثلما جرى لـ/أحمد قايا (Ahmet Kaya) الذي انتهت حياته بموته في المنفى، وهرانت دينك (Hırant Dink) الذي فُجع في موته. كم أن الفيلم يبدو معروفًا وواضحًا...
أعقب ذلك مشهد إجراء تحقيق بشأنه، فاعتقاله وحملات تشويهه...
محام من أصدقاء "ألتشي" يحكي: إن "ألتشي" أُطلق سراحه بعد اعتقاله، وقد أوجع قلبه وآلمه سماعه خبر استهداف أحد أعمدة "المنارة الرباعية الأعمدة (Dört Ayaklı Minare) الموجودة في مدينة "سور" التي يحبها كثيرًا، فأراد أن يُدلى بتصريح صحفي بشأن ذلك، فلما قلت له:
"إن فعل ذلك في "سور" مسرح الصراع والأحداث محفوف بالمخاطر" انسابت الكلمات من فمه قائلًا: "لأموت تحت المنارة الرباعية الأعمدة إن كنت سأموت"، قال ذلك وكأنه أحس أنه سيموت..."
ثم تظهر على الشاشة لحظة ما بعد ذلك التصريح الصحفي، واستحالة العثور على الجناة كما هو الحال في كثير من الجرائم مجهولة الفاعلين، فمشهد محاولة محو الأدلة مصحوبًا كل ذلك بالشروح والتعليقات. وتحتبس الأنفاس في القاعة...
وبينما كان "ألتشي" يتعقب الجرائم مجهولة الفاعلين التي عرَّفها بأن مرتكبيها معروفون يتضح أنه شخصيًا راح ضحية جريمة مرتكبوها مجهولون.
وبحسب قول صديقه المحامي: "لقد فقدت هذه البلاد أبًا ممتازًا، وزوجًا مثاليًا، ورفيق دربٍ رائعًا، وكرديًّا صادقًا. فقدت قانونيًّا استثنائيًا وفريدًا. فقدت مثقفًا حقيقيًّا حظي بحب واحترام المجتمع بأسره..."
وبينما تعرض على الشاشة مشاهد مراسم الجنازة، تُسمع قصيدة "الساعة المكسورة (Kırık Saat)" التي كتبتها "تورقان ألتشي (Türkan Elçi)" يقوم بإلقائها "خليل أرغون (Halil Ergün)":
لاح لنا موتُك بعد أن رحلت ساعة يد مكسورة.
كم مرة لُبست ثم نُزعت، ساعة يد مكسورة أنّى ليَ أن أشعر بدفء ذراعك معها مرة أخرى.
قبضت على الساعة بيديَّ.
ساعة قاومت خبر موتك، ثم توقفت بعد أربع ساعات منه.
عقرب الساعات إلى جانبٍ، وعقرب الدقائق إلى آخر  قد مال.
بعدك ركضت كل ليلة نحو نوافذ سور المظلمة.
نسجت النوافذ صمت موتك.
وتشرب مصراعا الباب رائحة الرصاص.
ودنت السفن إلى أرصفة الميناء والشوارع.
فنزل مَنْ نَزَلَ،
وأبحر الباقون بالقوارب إلى جراح مجهولة.
أصوات النحيب المتقطعة بدأت تأتي من القاعة...

وحين انتهى الفيلم خيم السكون على القاعة تمامًا كما حدث في مراسم جنازته. وتسمر كل في مكانه بقلوب متحطمة مفجوعة.
ظل الجميع في أماكنهم لا يستطيعون الحراك مدة من الوقت. وكأن الزمان يتوقف. تمامًا مثلما حدث في ساعة طاهر ألتشي التي توقفت بعد قتله بأربع ساعات. وقد أخرجت هذا الفيلم الوثائقي "رابعة تشتين (Rabia Çetin)" سويًا مع "سينم بابول (Sinem Babul)"، وذكرت أنَّ العديد من الأشخاص الذين التقوهما قالوا إن الأحداث ما زالت مستمرة في المدن الكردية بعد رحيل ألتشي، وأنه صار من الصعب الحديث عن "السلم" هناك، وقالت: "توقفت الساعة بعد أن فقدنا ألتشي، توقف الزمن وتغيّر كل شيء. وانطلاقًا من هذا أطلقنا على الفيلم اسم "الساعة المكسورة".

فيلم الساعة المكسورة

 

وصرحت "تشتين" أنها تأثرت كثيرًا بما شاهدته في مراسم الجنازة، وأضافت قائلةً:
"كان لكل من شارك في الجنازة يجمعون قائلين: إن هذا هو "ودات آيدن (Vedat Aydın)" عصرنا. لقد تأثرت كثيرًا للغاية مما حدث في تلك الأثناء، وكنت أريد عمل شيء حتى لا يُنسى." وصرحت "تشتين" أنهم قرروا صنع الفيلم بعد أن فقدوا ألتشي بشهر واحد، إلا أنهم بدأوا إنتاجه في شهر أبريل 2016، وواصلت حديثها قائلة: "كان اتخاذ قرار بعمل هذا بينما الأحداث لا تزال ساخنة ومشتعلة شجاعة كتلك التي تعتري المجانين. استمر التصوير حوالي عامٍ واحدٍ مع التنقلات. ولما حدثت محاولة الانقلاب في تلك الفترة تم تعليق العمل. وبعد 6 أشهر أكملنا المرحلة الأخيرة من المونتاج".
فيلم الساعة المكسورة

 

وأضافت تشتين أنها شاهدت الفيلم عدة مرات في أثناء عملية المونتاج، غير أنها لم تكن تتوقع أنه سيؤثر إلى هذا الحد في الحضور وفي القاعة، وقالت: "لقد تجمد الجميع في أماكنهم بعد انتهاء الفيلم. لقد شاهدته كثيرًا في أثناء مرحلة المونتاج. كنت أتوقع أن يكون متميزًا ومختلفًا، غير أن هذه اللحظة التي أعقبت الفيلم أثرت فيَّ بقدر الفيلم تمامًا."
سوف يتم عرض الفيلم الوثائقي "الساعة المكسورة" في أنقرة وإزمير واسطنبول لاحقًا بعد انتهاء عرضه في ديار بكر.
 
يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً: