أرطغرل غوناي
فبراير 01 2018

السلام الدائم لا يتطلب منا "غصن الزيتون".. إنما توجها جديدا!

كان إطلاق اسم "غصن الزيتون" على العملية العسكرية التركية في شمال غرب سوريا خطوة ذكية بكل تأكيد فالاسم يرمز بلا شك إلى العمل على إحلال السلام من خلال هذه الحملة التي بدأتها تركيا الشهر الماضي. ولكن في بلاد الأناضول، لدينا أيضا مثل قديم يقول "لا يمكنك الحصول على العسل من خلال الصراخ فقط في طلبه" وإنما ينبغي أن تكون قادرا على إنتاجه!
وعلى الرغم من أن المرء قد يظن أنه بعد ست سنوات من الصراع في سوريا المجاورة فإن المخاطر التي تمثلها الحرب الأهلية هناك بالنسبة لتركيا قد انخفضت بشكل كبير، ولكن في الواقع وبسبب سلسلة من الخطوات الخاطئة غير المحسوبة، فإنها لا تزال تتسبب في مشاكل جديدة.   
ففي 20 يناير، بدأت القوات المسلحة التركية عملية عسكرية مباشرة داخل الأراضي السورية استنادا إلى مزاعم بأن وحدات حماية الشعب الكردية، والتي تعتبرها تركيا منظمة إرهابية، قد بدأت في الانتشار سريعا على طول الحدود الجنوبية لتركيا وبدأت تشكل تهديدا جديا يجب استئصاله. في حين اقتصرت ردود الفعل من الولايات المتحدة وروسيا والحكومات الأوروبية تجاه العملية على إصدار تحذيرات اتسمت بالهدوء بدلا من توجيه انتقادات قاسية لها. 
وعلى الرغم أن العملية الجارية تتشابه في العديد من التفاصيل مع مغامرة تركيا السابقة في سوريا، وهي عملية درع الفرات التي جرت بين 2016 و2017، هناك فارق جوهري واحد على الأقل إذ كان الهدف المعلن لعملية درع الفرات وقتها هو محو تنظيم الدولة الإسلامية من المنطقة، بعد أن ظهرت هذه المنظمة الإرهابية من رحم الحرب الأهلية السورية والأخطاء التي اُرتكبت في العراق.
وفي هذا الإطار، حظيت هذه العملية بدعم دولي واضح لا لبس فيه.
لكن هذه المرة، لا يتسم الدعم الدولي للعملية التركية بهذا الوضوح، وكأن الجميع -حتى مع إبداء تفهمهم لأسباب أنقرة لشن العملية - ينتظرون أن تسقط القوات التركية في مستنقع لا يمكنها الخروج منه.
كما أن ميدان العمليات هذه المرة أكثر صعوبة وخطورة من المرة الماضية، إذ جرت عملية درع الفرات على أراض أكثر انبساطا وفي ظل ظروف جوية أكثر ملاءمة من الآن. وحتى بالرغم من ذلك، استمرت العملية سبعة أشهر وأسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من الجنود بين قتيل وجريح. 
لكنني أظن أن قيادة القوات المسلحة على دراية بذلك، وهذا هو السبب في أنها منحت الأولوية للضربات المدفعية والغارات الجوية في بداية العملية، في حين كان أداء الجيش السوري الحر المعارض الذي تدعمه تركيا أقل بكثير من التوقعات بعد أن تقدمت وحداته كقوة طليعية برية في إطار العملية. 
وساهم هذا المردود الضعيف في تشكك البعض إزاء جدوى الدفع بهذه القوة التي يقول البعض إنها تتكون من مقاتلين إسلاميين سابقين، ولا يزال القادة الأتراك في انتظار تحقيقها لأي نجاح عسكري جدير بالذكر.
لكن ما يثير القلق حقا - أكثر حتى من كل ما سبق – هو أن يتسع نطاق مدى العملية قريبا لتشمل المناطق المدنية ومعسكرات اللاجئين، حيث سيكون من الصعب آنذاك التفرقة بين المسلحين والمدنيين.
ويتمثل الخطر الرئيسي لتركيا في الدعاية الإعلامية التي تعرض القتلى والمصابين جراء العملية التركية في المناطق المكتظة بالسكان باعتبارهم مدنيين عاديين لم يكونوا يشكلون أي تهديد لتركيا، خاصة إذا انتشر هذا التصور حول العالم.
وكون أن العملية سُميت "غصن الزيتون" يوضح أن القيادة التركية تنبأت بهذا، ومن الواضح أنهم سعوا إلى اسم للعملية الجديدة يحمل في طياته مفهوم السلام، في حين أن اسم "درع الفرات" يحمل دلالات عسكرية واضحة.
كما أن سكان هذه المنطقة، ومعظمهم من العرب والأكراد، ليسوا فقط جيرانا لتركيا، ولكنهم أيضا أقارب لمواطنينا...أقاربنا...وبكل تأكيد، هم ليسوا أعداء لنا!
والتدخل لإعادة تأهيل المنطقة سيتسبب في الكثير من المعاناة والظلم لهؤلاء الناس، وهو ما سيضر بمواطنينا أيضا.
وبعد وضع كل هذه المعطيات في الاعتبار، تم الاستقرار على اختيار اسم "غصن الزيتون" للتأكيد على أن تركيا تهدف إلى إحلال السلام، وليس استهداف شعب المنطقة. 
ومع ذلك، فإن إحلال السلام ليس بنفس القدر من السهولة التي تم بها اختيار اسم يوحي بالسلمية لعملية عسكرية.
فتحقيق السلام في المنطقة مهمة مضنية وتتطلب خطوات شاقة ومسؤولة تقتضي تخطيطا طويل الأجل ومشاركة شخصيات محنكة.
وقد كتب السفير الأمريكي الأسبق في تركيا جيمس جيفري والخبير في السياسة الخارجية ديفيد بولوك مقالا هاما حول هذا الموضوع، إذ ذكرا أن الشرط الأول لاستئناف الحوار بين تركيا وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري (هذا الحزب هو الجناح السياسي الذي تقاتله تركيا في عملية غصن الزيتون) هو أن يقطع هذا الحزب الكردي السوري صلته بحزب العمال الكردستاني التركي الذي يعتبر منظمة إرهابية لها تاريخ طويل من التمرد المسلح في تركيا. ويمكن للولايات المتحدة التوسط لعقد هذا الحوار.
وللأسف، ساهم حزب العمال الكردستاني، بانتهاجه وسائل العنف منذ تأسيسه، في إعطاء الذرائع المتتالية للسلطات القمعية لإحكام قبضتها على المنطقة على مدار الـ 25 عاما الماضية، وهو ما كان له في العموم أثر سلبي على عملية إرساء الديمقراطية في تركيا، وعلى وجه الخصوص على الجهود الرامية إلى التوفيق بين السياستين الكردية والتركية، ما أعاق بالتالي أي محاولات في هذا الاتجاه.
ويُصنف الحزب الآن في جميع أنحاء العالم (ما عدا في روسيا على ما أعتقد) منظمة إرهابية.
لذلك إذا كان حزب الاتحاد الديمقراطي مستعدا للنأي بنفسه عن حزب العمال الكردستاني وتقديم صورته كمنظمة معنية فقط بالدفاع عن الحقوق الكردية وفقا للقوانين العالمية داخل الحدود السورية فحسب، فإن ذلك سيكون خطوة إيجابية من شأنها أن تسفر عن تطورات مهمة في المنطقة وفتح أبواب جديدة للحوار.
وبالنظر إلى أنه لم يتم حل أي من مشاكل الشرق الأوسط عبر الحرب، فقد حان الوقت لتضع دول المنطقة صراعاتها جانبا وأن تجد طريقا جديدا، لأن الطريق إلى السلام الدائم ليس هو نفس الطريق الذي اتبعته هذه الدول حتى الآن. 
لذلك يطرح السؤال نفسه: هل بإمكان حزب الاتحاد الديمقراطي أن ينأى بنفسه عن حزب العمال الكردستاني، كما يقترح جيفري؟ وهل في هذه الحالة ستعيد تركيا النظر في معارضتها لهدف حزب الاتحاد الديمقراطي المتمثل في إقامة إقليم ذاتي الحكم في سوريا؟ وهل لديها الاستراتيجية التي تدعمها وتحميها بعد ذلك؟
يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا:

https://ahvalnews.com/tr/afrin-operasyonu/kalici-baris-icin-yeni-yontemler-bulmak-gerekiyor