haluk yurtkuran

السلام: نقطة التقاء الزيتون بالسياحة في تركيا

عُرِفَ الزيتون على امتداد التاريخ في منطقة البحر المتوسط بأنه رمز للسلام، ومنها انتشر ليشمل العالم بأسره فيما بعد. أما السياحة، فعلى الرغم من تاريخها القصير، مقارنةً بعمر الزيتون، إلا أن وجودها اقترن منذ البداية بوجود السلام.
السؤال الآن كيف يمكننا، انطلاقًا من هذه الأرضية المشتركة بينهما، أن نستفيد من هذا التلازم القائم بين كلا المفهومين؟ وكيف يمكن للزيتون أن يصبح داعما لقطاع السياحة في تركيا؟  
إن المستهلك في مجال السياحة هو، في الأساس، أحد سكان المدن؛ حيث يسعى أفراد الطبقة البرجوازية من سكان المدن، والعمال الكادحون إلى قضاء عطلاتهم بعيدا عن جو المدينة الخانق.
يتوق سكان المدن عند قضاء عطلاتهم إلى ثلاثة أشياء، لا تراجع عنها؛ البحر، والشمس، والشاطئ. وعلى الرغم من هذا، بدأ الاتجاه يزداد في السنوات الأخيرة، بشكل تدريجي، نحو قضاء عطلات أقصر نسبيًا من أفراد الصِنف الأول.
لا يخدم الوضع الذي تُقدَّم به سياحة البحر وسياحة الشمس في المدن التركية، التي يرتادها المصطافون، مستقبل قطاع السياحة والزيتون في تركيا. بدأ الأمر بالتوسع في بناء الكتل السكنية في منطقة مرمرة بشكل جائر، غير مخطط. الأمر الذي أدى إلى تناقصٍ هائل في أعداد بساتين الزيتون، التي يُقدَّر عمرها بمئات السنين في منطقة إيجة والبحر المتوسط. 
وبالتوازي مع هذا، حُرِمَ العاملون المحليون، من المشتغلين في قطاع السياحة، من الاستفادة من السوق الداخلية. تركز سياسة الدولة، اعتبارا من الثمانينيات، فيما يتعلق بقطاع السياحة، على اجتذاب السائح الأجنبي؛ فعندما ننطق كلمة "سائح" لا يتبادر إلى الأذهان سوى السائح الأجنبي فقط، الذي تسعى الحكومة إلى تسويق نفسها أمامه؛ باعتبارها دولة السياحة الرخيصة.
وفي الوقت نفسه، لا يمكننا أن نختزل السياحة في تركيا في الشمس، والبحر، والشواطئ فقط؛ فإلى جانب هذا، يتمتع بلدنا بجمالٍ طبيعي أخَّاذ، وبميراثٍ تاريخيٍ وثقافيٍ تتنوع عناصره.
كما يعمل قطاع السياحة، الذي يخاطب فئاتٍ معينة من المثقفين، الذين يتوافدون من أجل السياحة الثقافية، على تسويق كنوزٍ تملكها تركيا في هذا النوع من السياحة المعروف نسبيا مثل السياحة التاريخية-الثقافية، والسياحة الحرارية، وسياحة رياضات الطبيعة. 
أما المجددون في قطاع السياحة، الذين يسعون إلى تقديم خدمة سياحية مختلفة، فبدؤوا بالتدريج يسوِّقون لأنواعٍ جديدة من السياحة مثل "السياحة الزراعية، وسياحة الأطعمة". يستقيم في أذهاننا أن السياحة الزراعية هي سياحة التجوال في المناطق الريفية بين الحقول والمزارع. أما سياحة الأطعمة، فالمقصود بها سياحة فن الطهي (المقصود بالطهي هنا طهي الأطعمة الشهيرة في المطبخ التركي).
وهو نوع من أنواع السياحة، انتشر في العديد من بلدان العالم، نسوق منها، على سبيل المثال لا الحصر، منطقة توسكانا في إيطاليا؛ حيث تكثر بساتين الزيتون، والكروم المستخدمة في صناعة الخمور، ومناطق مزارع الكروم في برودو، وألزاس، وبروفينس في فرنسا، وطريق الخمور في بورتو بالبرتغال، حيث تكثر مزارع الكروم، وأماكن صناعة الخمور، وبساتين الكروم، ومزارع الزيتون التي جرى تطويرها حديثا في نابا، وساوساليتو بولاية كاليفورنيا الأميركية، ومزارع الماشية في تكساس، ومزارع النعام في جنوب أفريقيا، وطريق الخمور في ستيلينبوش، وسياحة صيد الأسماك في جزر الكاريبي، وكندا، وأيسلندا، ومهرجان أكتوبر أو (أكتوبر فيست) الشهير في ألمانيا والنمسا (مهرجان يقام سنويا في النمسا، ومدينة ميونخ الألمانية لمدة 16 يوما لشرب البيرة، وتناول الطعام، والرقص، والغناء)، ومهرجانات الألبان، وطواحين الهواء في هولندا.

السياحة في تركيا

هناك المزيد من النماذج الأخرى المُشابهة، التي يمكن أن نسوقها على هذا النوع من السياحة، ولكن دعوني أسوق لكم مثالًا أخيراً من دولة كوبا، هذه المرة؛ فقد لجأت الحكومة الكوبية إلى هذا النوع من السياحة بسبب انخفاض أسعار السكر على مستوى العالم. الأمر الذي اضطرت معه مصانع السكر إلى غلق أبوابها؛ فقامت الحكومة باستغلال هذه المصانع، وحقول قصب السكر في مجال السياحة؛ حيث يتم تنظيم جولة سياحية للسائحين بين مصانع السكر، وحقول قصب السكر، عن طريق قطارات البخار التي كانوا ينقلون بها قصب السكر في الماضي.
ربما تقولون لي إننا لم نتطرق بعد إلى الحديث عن الزيتون، ولكن الحقيقة أننا نتحدث بالفعل داخل الموضوع، وإن كدنا نخطئ الهدف قليلاً!
إذاً كيف توفر السياحة الحماية  للزيتون؟
الزيتون هو ثروة قديمة، عظيمة، تنعم بها تركيا، وعدد من جيرانها. كما يتردد اسم هذه الفاكهة المقدسة بين مواطني الدول الأخرى، التي لا تمتلك مثل هذه الثروة؛ لذكرها في الكتب السماوية الثلاثة. أضف إلى هذا، أنهم، وبلا شك، سيقرؤون عنها طيلة حياتهم في كتب الأدب، وسيرونها حاضرةً باستمرار في الفنون التشكيلية، وفي متاحف الآثار.
يتساءل الناس عن تلك الفاكهة، التي لا تنمو في الأراضي التي يعيشون عليها، ومع هذا ورد ذكرها في الأديان والثقافات الموجودة على تلك الأراضي نفسها، حتى إن الواحد منهم ليود لو رأى هذه الفاكهة على غصن هذه الشجرة. 

"كأن ذكريات البحر المتوسط بأكمله؛ بتماثيله وبنخيله، وبمشغولاته الذهبية، وبأبطاله الملتحين، وبخموره، وبأفكاره، وبسفنه، وبقمره، وبحصانه المجنح، وبتماثيله البرونزية النصفية، وبفلاسفته، قد اجتمعت في طعمٍ لاذعٍ لزيتونة سوداء واحدة. هذا الطعم أقدم من طعم اللحوم، ومن طعم النبيذ الأحمر. إنه قديم قِدَم طعم الماء".

ألستُ محقاً عندما قلتُ إن أي شخصٍ يقرأ تلك الأسطر، التي خطَّها الكاتب الإنكليزي الشهير لورانس داريل، الذي قضى فترة طويلة من حياته، متنقلًا بين دول البحر المتوسط، عن الزيتون سيشعر بالانجذاب لهذه الفاكهة، وسيركض على الفور إلى دولة من دول البحر المتوسط، وهناك سيطلب أن يلمس هذه الشجرة، وأوراقها؟!  
فلو أننا قدَّمنا جمال بساتين الزيتون الموجودة على ساحل البحرين إيجة والمتوسط؛ بتنظيم جولاتٍ سياحية إلى هناك؛ باعتباره مُنتجاً سياحياً؛ لتقبله القائمون على قطاع السياحة قبولاً حسنًا، بل وسيلهثون خلف هذا المُنتج السياحي الجديد.
والسبب في هذا أن هذه المنطقة تعد وبحق منطقة سياحية أصيلة، كما إن بساتين الزيتون هي الأخرى منتج سياحي محلي أصيل. لقد خطت تركيا بالفعل أولى خطواتها في هذا الموضوع؛ بإقامة أول متحف لزيت الزيتون في تركيا كلها؛ في منطقة كوتشوك كويو في تشناقلعه. تلك الخطوة التي لاقت اهتماما كبيرا من الزائرين الأجانب والمحليين، على حدٍ سواء، الذين تراوحت أعدادهم السنوية بين 20-25 ألف سائح.

السياحة في تركيا

تعتبر السياحة الزراعية مفهوماً جديداً للغاية في تركيا. وبالطبع كان لتأخر تركيا عن اللحاق بهذا النوع من السياحة العديد من الأسباب التى تفسره؛ أسباب دينية وثقافية وتاريخية. لقد قامت بعض العائلات الأصيلة، الغنية، التي تعمل في مجال الزراعة، منذ أجيالٍ في عددٍ كبيرٍ من دول العالم، تحت وطأة ظروف اقتصادية يمرون بها، بتحويل قصورهم، ومنازلهم إلى ما يشبه داراً للضيافة؛ ليأتي السائحون بعد ذلك، ويقيموا في مثل هذه الأماكن، ويتجولوا في مزارع تخص مالكي هذه القصور، أو في المناطق المحيطة بها لمشاهدة المحاصيل، والمزروعات، والحرف، والفنون اليدوية هناك. الأمر الذي عمل على خلق دخل للسياحة، على الرغم من كونه صغيراً، إلا أنه دائم. 
وعلى الرغم من هذا، وجدنا أن فلاحي إيجة، الذين يجب أن يكونوا أكثر تسامحا، وانفتاحا على الغرب، ولو بشكل نسبي، لم يُقبلوا على تنفيذ هذه الفكرة؛ بسبب ضغوط دينية واجتماعية. مثال على ذلك أنهم يرون أنه لا يصح أن يأخذوا نقودا، تحت أي حال من الأحوال، من أناسٍ حلوا ضيوفًا عليهم، كما لا يصح أن يدخل الغرباء على نسائهم.. إلى آخر العادات والتقاليد المشابهة التي تمنعهم من القبول بهذا النوع من السياحة.  
حسنًا، نعلم أن هذا كان يحدث في الماضي، ولكنني أتحدث عن الحاضر، هل هناك من فرق حدث؟ هل عجز هؤلاء الذين راحوا ضحية تحجر عقولهم عندما قاموا ببيع بساتين الزيتون التي يملكونها تحت زعم ضغوط اقتصادية تعرضوا لها، عن الاحتفاظ بمصانع زيت الزيتون، ومصانع الصابون العتيقة التي لا يجدون مثيلًا لها في العالم كله؛ كي يستغلوها في مجال السياحة؟  
يحتاج الزيتون إلى السياحة، ومع هذا هناك حاجة مُلحة أيضا لأن يكون السائح القادم مثقفاً، متسامحاً، ثرياً، خلوقاً، يكن الاحترام للبيئة، ولكل إنسانٍ يعيش في هذه المناطق، وأن يحافظ على الشكل الجمالي للمباني التاريخية والثقافية الموجودة في المزارع والمصانع، بعيدًا عن نوعية السائحين الذين سيتوافدون على دور الضيافة السيئة، والمباني الخرسانية التي تزايدت أعدادها على السواحل.
ما زالت هناك فرصة لمخاطبة سوق سياحية مثل شمال إيجة بهذا الأمر؛ فلا تزال هذه المنطقة تحتفظ بنمط الحياة العتيقة، كما لم تنتشر بها المباني الخرسانية بشكل مضطرد إلى الآن. أضف إلى هذا أيضًا، أنها تزخر بعددٍ هائل من بساتين الزيتون التي تحوي بداخلها عدداً لا بأس به من المنازل، ودور الضيافة، ومباني المصانع التاريخية. 
وإذا أردنا تقييم هذه المنطقة، يمكننا القول إنها منطقة متوازنة بيئيا؛ فلا يوجد بها توسع صناعي، اللهم إلا بعض مصانع زيت الزيتون والكروم. من أجل هذا، كانت مستويات التلوث في التربة، والمياه، والهواء عند أدنى مستوياتها.  
يتعين علينا أن نستخدم في هذا الإطار المنتجات المحلية المصنوعة في مطابخ الأسر التي ستتيح إمكانية تقديم الضيافة للسائحين - وإن كان هذا سيتم على نطاق محدود - فإن تيسر ذلك يجب إعطاء الأولوية لجميع المنتجات التي يصنعها أصحاب البيت، أو جيرانهم، أو أحد سكان الريف في محيط المنطقة؛ كي يستخدمها السائحون دون غيرها. 
يمكن لتركيا أن تنظم لضيوفها، خلال فترة وجودهم القصيرة في مثل هذه الأماكن، فعاليات رائعة من قبيل تنظيم جولات للسائحين؛ لإطلاعهم على مراحل جني الزيتون وكسره، وصولًا إلى مرحلة صناعة المخللات، أو عصره وصولاً لمرحلة إنتاج زيت الزيتون. يمكننا أيضًا تنظيم دورات لتعريف السائحين بطريقة طهي الأطعمة التي يستخدم معها زيت الزيتون.
يمكننا كذلك أن نوجِّه الزائرين إلى الأسواق المحلية المنتشرة في تلك المناطق؛ كي يستمتعوا بجو الحياة هناك، وأن تتاح لهم فرصة التسوق في تلك الأسواق. وبذلك نكون قد استفدنا من نمط سياحة الزراعة بشكلٍ يحقق دخلًا محليًا، يمكن وصفه بالمستمر، كما ستلقى المنتجات المحلية رواجا في أماكن إنتاجها، وبالتالي ترتفع نسبة الربح، بالإضافة إلى الحد من التعدي على الأراضي الزراعية، وبساتين الزيتون؛ من أجل إقامة التجمعات السكنية الخرسانية. 

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا: