السلطة الحاكمة تؤجّج حالة الاستقطاب السياسي في البلاد

سأظل أتحدث عن الوضع في تركيا، ولكن حديثي سيصلح هذه المرة لكل الدول. لا ينبغي أن نقصر وجهة نظرنا عن مفهوم الاستقطاب السياسي على أنه مجموعة من الآراء المختلفة بين فريقين، ولكن يجب فهمه بمعنى أنه لم يعد هناك تواصل بين هذين الطرفين المتنازعين؛ بحيث لا يناقش أي منهما الآخر في هذه الآراء موضع الخلاف. 

فعلى سبيل المثال قد يكون التناحر والصدام بين اليمين واليسار أمراً عادياً مألوفاً في أي إطار سياسي عادي؛ سواء كان هذا الصدام يحدث في مناخ ديمقراطي، أو كان يحدث في مناخ حرب أهلية ضروس. ولكن إذا انقطعت كافة سبل التواصل بين الأطراف المتناحرة، فحينئذٍ يمكننا أن نطلق على هذا الوضع مسمى الاستقطاب السياسي.

وعندما ننظر إلى الموضوع من إطار تاريخي أكثر رحابة، فإننا ندرك أن التباين الكبير بين هذين النهجين السياسيين لم يقف عند حدود دولة بعينها؛ لأن الاستقطاب ظاهرة طبيعية قد تحدث في أي بلد حول العالم.

ولكن الملاحظ خلال السنوات العشر الماضية أن هذا النوع من التناحر القائم على الاستقطاب، الذي قد يصل إلى حد الحرب الأهلية، أو أن ذلك النوع الذي يُداس بسببه على مبادئ الديمُقراطية، أو أن كليهما معاً كانا موجودين بشكل أكبر في الدول النامية.

رأينا هذا النوع من الصراعات في بلدان في أفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية، في حين قلت فرص ظهوره في أوروبا الغربية وأميركا الشمالية وأستراليا. ولعل أول ما يتبادر إلى الأذهان في هذه النقطة هو وجود علاقة بين التطور الاقتصادي والنضج السياسي. ومع هذا، فهناك تفسير منطقي آخر؛ مفاده أن ثقافة التوافق والمصالحة ترتبط بمدى الوعي بفكرة القومية وبمفهوم الأمة الواحدة.

يعمل الوعي القومي، الذي يظهر مبكراً في بعض البلدان، ويتأخر ظهوره في بلدان أخرى، على فرض بعض القيم والافتراضات الأساسية. ويمكننا القول إن هذه القيم هي عبارة عن المبادئ التي تجعل مفهوم الأمة والوطن أمراً حقيقياً على أرض الواقع؛ أي أنها تهدف إلى تحقيق الحد الأدنى من التوافق المجتمعي (الحد الأدنى من المصالحة).

ويتضمن مفهوم الأمة الواحدة تحقيق مبدأ المساواة بين أشخاص يعيشون على أرض واحدة. ومع هذا، فلمفهوم المساواة تأويلات أخرى مختلفة؛ حيث يُنظر إلي المساواة في بعض الأحيان على أنها المساواة في الحقوق السياسية (مثال ذلك ضرورة أن يتاح لكل فرد في المجتمع الحرية؛ كي يدلي بصوته في الانتخابات)، وينظر إليها في أحيان أخرى على أنها المساواة أمام القانون، وينظر إليها آخرون باعتبارها المعادل لمفهوم تكافؤ الفرص، أو باعتبار أنها ضمان مستوى معيشي متكافئ.

ومع هذا، يظل مفهوم المساواة - على اختلاف معناه - مرتبطاً بشكل وثيق بمفهوم الأمة الواحدة. قد يرى البعض أيضاً أن المساواة هي وحدة الدم؛ فيقولون نحن جميعاً من أصل واحد، وينظر إليها البعض الآخر باعتبار أنها نابعة من وحدة الدين. وهذا يعني أنه حتى لو كانت هناك اختلافات وتباينات كثيرة داخل المجتمع الواحد، فيبقى أن مفهوم الأمة يعتمد - في كل الأحوال- على فكرة "الوحدة". وهذا يعني أن اختلافات مثل العشيرة والمذهب والطائفة والنعرات الإقليمية هي - في حقيقة الأمر - أمور ثانوية. أما مفهوم الأمة والوطن فيتشكل بعيداً عن هذه الأنواع التقليدية من الانتماء.

ولكن ينبغي على أي مجتمع أن يجتاز فترة؛ يتعرض خلالها للعديد من المصاعب؛ حتى يتمكن من تحقيق "المساواة"، وبالتالي يدرك مفهوم الأمة الحقيقي. فعلى سبيل المثال لم تتمكن فرنسا من التخلص من الامتيازات الممنوحة للطبقة الأرستقراطية، أو تحقيق المساواة بين أفراد المجتمع إلا بعد قيام ثورة راح ضحيتها الكثيرون. وعلى الجانب الآخر، لم تستطع العديد من الدول في قارة أفريقيا أن تحقق "المساواة" بين الطوائف المختلفة الموجودة داخلها.

وبالطبع توجد فترات تتوقف فيها الدول، التي تطبق بالفعل مبدأ تحقيق المساواة بين مواطنيها، عن تطبيق مبدأ المساواة؛ حيث يتم تعطيل مبدأ "أبناء الأمة متساوون" عند فرض بعض الإجراءات المخالفة لمبادئ الديمقراطية، ولا يكون ذلك إلا في أوقات الأزمات.

ويتشابه هذا الأمر مع الوضع الحالي في تركيا. وهي سمة واضحة تظهر في حالة تأخر المجتمع في التحول لشكل الأمة الحقيقي. وكانت حركة القومية التركية واحدة من أشكال التحول إلى شكل الأمة الحقيقية في البلقان. وقد سبق الصرب واليونانيون الأتراك في التحول إلى شكل أمة بما يقرب من مائة عام، وسبقهم البلغار كذلك بحوالي خمسين عاماً.

تحدث يوسف أقجورا (من منظري الطورانية. ولد في روسيا، وأصبح من دعاة الفكر القومي في تركيا) في عام 1905 عن حتمية وجود الفكر القومي. وظهرت حركات الدعوة إلى الفكر القومي في البلقان في مرحلة متأخرة بالنسبة إلى دول أوروبا الغربية. وعندما ننظر إلى الوضع من زاوية الشرق الأوسط، فالوضع مختلف؛ حيث كانت القومية التركية رائدة في تلك المنطقة؛ فقد تأخر العرب والأكراد كثيراً في هذا المضمار. 

تذكرنا حالة الاستقطاب الموجودة في تركيا خلال الأعوام العشرة الأخيرة، وخاصة تلك التي نشهدها اليوم، بالصدامات الموجودة في الحروب الأهلية، واعتبار بعض المواطنين أعداءً للوطن، وتسييس القانون (التأثير على القضاء بحيث لا يحكم بالعدل بين المواطنين). ولعل أبرز ما نلاحظه كذلك هو الإهانات اللامحدودة التي يبادر بها المواطنون تجاه بعضهم البعض، والتي تشير جميعها إلى أن مسيرة الدولة تجاه التحول نحو فكرة القومية والأمة الواحدة لم تصل إلى نهايتها بعد.

وهذه أمور يستحيل وجودها في أمة عصرية ناضجة. ولعل أبرز ما يدل على مدى "التخلف" الذي نعانيه أنه وصل الحال ببعض المواطنين أنهم لا يعتبرون رفقاءهم في الوطن مواطنين مثلهم، وهو أمر ما زلنا نسمعه ونقرؤه كل يوم في الإعلام في تركيا. ويعتبر بعض المسؤولين الكبار في الدولة "بعض الأتراك" خائنين للوطن، ويصفونهم بالعملاء الذين يعملون ضد تركيا.

وهذا يعني أن هناك شريحة من المجتمع يجري إقصاؤها تماماً؛ لأنهم يعتبرون أن هؤلاء المستبعدين ليسوا مواطنين كباقي أبناء جلدتهم، وإنما هم أعداء، ولهذا أعلنوا الحرب عليهم. وهذا يعني أن مئات الآلاف، بل الملايين من المواطنين قد حرموا حقهم في المواطنة.

يشير هذا أيضاً إلى أن مفهوم "العدو" لم يعد قاصراً عند هؤلاء على الأجنبي، أو الآخر فحسب؛ فهو يتعدى هذا الفهم بكثير؛ أي أنهم إذا رأوا أن هذا الشخص أو ذاك سيّئ النية، أو يشكل خطراً عليهم، فسوف يتعرض للإبعاد المطلق، وبذلك يصبح هؤلاء المستبعدون منبوذين داخل وطنهم، على الرغم من أن مجرد إطلاق كلمة عدو على هؤلاء الأشخاص يعد خرقاً صريحاً لمفهوم الوحدة داخل الأمة الواحدة.

نحاول أن ننأى بأنفسنا بعيداً عن الأجنبي وعن الآخر، وإذا اقتضى الأمر فإننا نقوم بطرده من وطننا، ولكن الأمر يختلف بالنسبة للعدو؛ فنحن نبذل جهدنا كي نمحوه من على وجه الأرض، ولكن يشترط قبل القيام بهذا الأمر أن نتيقن من كونه "عدواً" بحق؛ أي أنه يريد أن يقضي علينا، لذلك نصبح مضطرين لأن نقضي عليه نحن!

ولا يمكن أن نلصق بالآخرين كلمة مثل "عدو" لمجرد أنهم ارتكبوا خطأ أو جُرماً؛ لأن الجُرم هو حدث عارض في أي مجتمع،  كما أنه نادر الحدوث ولا يُقدم على ارتكابه سوى فئة صغيرة داخل المجتمع؛ لذا يتعين علينا أن نفرق بين المذنب والعدو؛ لأن الفارق بينهما كبير للغاية، كما أن المذنب يستطيع أن يستمر في حياته باعتباره مواطناً عادياً إذا نال عقاب ما اقترف من جُرم.

أما العداء فهو كالداء العضال، الذي لا دواء له سوى الاستئصال. وبالنظر إلى الوضع في تركيا، نجد أنهم قسَّموا هذا الآخر إلى جماعات وطوائف عرقية ودينية ومذهبية وأيدولوجية، كما أنهم يهجمون على هذه الجماعات دون تفرقة بين شاب ومسن. هذا هو المستوى الذي وصل إليه الاستقطاب في تركيا اليوم.

الجانب المحير والداعي للسخرية في نفس الوقت هو أن الذين يعملون على تعميق هذا الاستقطاب بين أبناء الشعب التركي هم أنفسهم الذين يتشدقون ليل نهار بشعارات الوطن والأمة التركية. لا أعرف كيف يتحدث باسم الأمة أناس يرون الأعداء وخائني الوطن والمتواطئين في كل مكان، أناسٌ يحوِّلون المواطنين إلى عملاء. أو بمعنى آخر يعرقلون مسيرة تركيا نحو فكرة القومية ونحو مفهوم الأمة الواحدة، بل يوقفون تقدمها تماماً.

لقد بنيت فكرة القومية في الأساس على مفهوم نحن والآخر. من أجل هذا ترى الشعوب التي أتمت مسيرتها باتجاه القومية الحقيقية أن العدو خلف حدودها. ومع هذا، فأحياناً ما تعتبر بعض الأقليات التي أبعدتها بشكل كامل أعداء أيضاً. وعلى الرغم من هذا، فهي لم تُقْدم على طرد شرائح كبيرة من المجتمع أو إقصائها، كما لا يمكنها أن توجه تهمة الخيانة إلى هذا العدد من المواطنين. 

ولكن الأمر يختلف في تركيا؛ فقد كان تأخر تركيا عن إدراك فكرة القومية ومفهوم الوطن والأمة الواحدة السبب في استمرار السلطة الحاكمة هناك في إقصاء طوائف كبيرة من المجتمع؛ من الأكراد والعلويين والليبراليين والكماليين والملحدين واليساريين واليمينيين. 

هذا المقال لا يتعدى كونه مجرد رصد لواقع نعيشه. أما الكتابة فيما يمكن فعله إزاء هذا الوضع فهو أمر أكثر صعوبة. ربما يتبادر إلى الذهن أن الحل يكمن في التصدي لهذا الاستقطاب؛ من أجل الخروج من هذا الوضع.
ولكن يبقى السؤال عن كيفية حدوث هذا؟
 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/siyaset/siyasette-kutuplasma
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.