السلطة الحاكمة في تركيا واتباع سياسة التضليل

 

لكل شيء حدود. هذا ما تعارفنا عليه. ولكن أين تنتهي حدود الذين "يدَّعون عكس ما يفعلون؟! مثل أن تدَّعي أنك تطبق الديمقراطية، أو مبادى العلمانية، أو أن تتظاهر بأن لديك قضاء مستقلاً ومحايداً.
أن تتقمص دور الديمقراطي ونصير الحرية. أن تتحدث وكأنه لا توجد ثمة مشكلات في الحقوق والحريات لدى الأكراد والعلويين وغير المسلمين. أن تتظاهر كأنك اقتلعت جذور الإرهاب بسياساتك الأمنية.
والحقيقة أن الأحزاب في تركيا، ولا سيما الحزب الحاكم، لا تملك فهمًا داخليًا للديمقراطية التعددية التشاركية، أو لمفهوم الحقوق والحريات. أعتقد أن حالة عدم الإخلاص الذي نراه اليوم في المجال السياسي كان أساس المشكلة التي تواجه تركيا اليوم.
تتصرّف السلطة الحاكمة كأنها أوقفت محاكم الاستقلال (محاكم صدرت في عام 1920بموجب قانون خاص بغرض محاكمة الجواسيس، والذين يسرقون أسلحة الجيش، وكل من يقوم بدعاية تحريضية بهدف عرقلة تيار النضال القومي)، تساند المحاكمات العرفية، وتدَّعي أنها أوقفت الأحكام العرفية، تؤسس محاكم أمن الدولة، وتزعم أنها أوقفت العمل بهذه المحاكم، تؤسس لنظام المحاكم ذات الصلاحيات الخاصة، وتُشعِرك بأنه لم يعد هناك محاكم على هذا الشكل، وتنصب المحاكمات، وتصيغ القوانين بعد وقوع الحادث، بالمخالفة لأسس القضاء، من أجل معاقبة مجرمي الإرهاب المزعومين.
الواقع أن "تقمص هذا الدور" من جانب السلطة الحاكمة كان نتيجة طبيعية لتجاهلها الدائم للمشكلات التي تعاني منها تركيا؛ بما يتبعها من سياسات أمنية، كما كان نتيجة طبيعية كذلك لمفهوم إخفاء الأوساخ تحت السجادة، الذي حملته جينات الدولة التركية منذ أيام الإمبراطورية العثمانية.  
أعتقد أن ما نراه اليوم هو تجسيد لهذا المفهوم، الذي ورثته السلطة الحاكمة في تركيا اليوم، تحت قيادة حزب العدالة والتنمية، وحزب الحركة القومية؛ فهم يتصرفون من منطلق أنهم رفعوا حالة الطوارئ عن الشعب التركي، في الوقت الذي يجرون فيه تعديلات في صلب القوانين الخاصة بالحقوق والحريات، ولا سيما قانون العقوبات التركي، وقانون المحاكم الجنائية؛ ليخرجوا بعد هذا بحالة استثنائية جديدة أشد وطأة من حالة الطوارئ نفسها.
استخدم الفيلسوف الإيطالي، جورجيو أجامبين، مفهوم "حالة الاستثناء" في وصفه للمنطقة التي تفصل بين "الحقوق العامة" و"طبيعة السلطة السيادية" من ناحية، والحياة في إطار القانون من ناحية أخرى؛ حيث يرى أجامبين أن مفهوم "حالة الاستثناء" هو وضع يُعَلَّق فيه العمل بالقانون، سواء أكان ذلك بسبب غموض الوضع السياسي في الدولة أم لأيّ سبب آخر، تحت ذريعة ضمان استمرار النظام السياسي.
إذن فالقضية الرئيسة عند أجامبين تكمن في تَحوُّل حالة الفراغ وغياب القانون، التي يشهدها مجتمع يمر بأزمة أو حالة من التشوش إلى وضع آخر يألفه هذا المجتمع مع الوقت. وتتحول الاستبدادية الحديثة، في هذه المرحلة، التي وصلنا إليها اليوم، إلى شكل حرب أهلية مشروعة؛ تقضي على كافة الشرائح غير المتوافقة مع النظام السياسي، وليس على الخصوم السياسيين فحسب. ولهذا السبب، فهو يرى أن"حالة الاستثناء" تقابل عتبة عدم اليقين الموجودة بين الديمقراطية والاستبداد في السياسة المعاصرة.
ويتم تطبيع مفهوم حالة الاستثناء هذه، وجعلها بمثابة الأمر الطبيعي المألوف، عن طريق ترسيخ مفهوم "الضرورة" داخله. لا يوجد قانون اسمه "قانون الضرورة"؛ ومن ثم تتمخض عن هذا التعبير نتيجتان هما "الضرورة لا تعترف بأي قانون"، و"الضرورة تخلق قانونها الخاص بنفسها". وهكذا تظهر نظرية "الضرورة" في شكل حالة استثنائية.
وتصف حالة الاستثناء حالة قانونية تكون فيها القواعد سارية ولكنها غير مطبقة. ومن ناحية أخرى، تكتسب القرارات غير القانونية قوة القانون. إذن فحالة الاستثناء هي مناخ غير قانوني تكون قوة القانون المجحفة هي اللاعب الرئيس فيها.
ففي الوقت الذي حاول فيه المفكر الألماني، كارل شميت، أن يربط بين العنف والوضع القانوني في البلاد، كان والتر بنيامين يحاول وضع تفسيرات أخرى بعيداً عن فكرة ربط العنف بسيادة القانون.
ويوجد في حالة الاستثناء الصوري منطقة يغيب فيها القانون، ويسودها عنف بعيد عن الإطار القانوني. وبذلك يُسقط بنيامين هذا القناع عن وجه السلطة الحاكمة في الدولة.
ويبقى كافكا مضطراً للمجاهدة مع هذه الصور القانونية الشبحية، التي تتجسد في حالة الاستثناء. وعندما تملك السياسة قوة السلطة، فإنها تصبح ملوثة بالقانون؛ بالصورة التي تجعلها ترى نفسها قوة تأسيسية؛ بمعنى أنها تلجأ إلى العنف الذي يصيغ القانون بالشكل الذي تريده هي، في الوقت الذي يجب على السياسة أن تقدم عملاً يقطع الصلة بين العنف والقانون على حدّ قول أجامبين.
لقد وصلت تركيا اليوم إلى ذات النقطة التي يتحدث عنها أجامبين؛ حيث أضفت الدولة غطاءً من الشرعية على حالة استثنائية، واستغلت ذريعة "الضرورة"، وجعلت منها قانوناً؛ بما تقوم به من ممارسات أوجدتها قوة قانونية وهمية غير حقيقية.
ومع ذلك، تمت محاكمة عشرات الآلاف من المعتقلين، بما في ذلك الصحفيون والأكاديميون ورجال الأعمال والقضاة والمحامون والبيروقراطيون، أمام محاكم أُسست بعد ارتكاب الجريمة، لا تثق في استقلالها وحيادها.
وعلى صعيد آخر، جرى استبعاد أكثر من 130.000 موظف مدني من الخدمة العامة، وفق مراسيم قرارات دون الخضوع لأية رقابة قانونية. المطلوب في هذه الصورة القاتمة هو: عدم فرض قوانين تمس البناء القانوني لقوانين العقوبات (قانون العقوبات التركي، وقانون مكافحة الإرهاب، وقانون المحاكمة الجنائية)، أو تدمير الحقوق والحريات من خلال الاعتراف بالقوى العظمى، التي لا تخضع للمساءلة.
تركيا بحاجة ماسة إلى القانون الشرعي ومنح الحريات والمصالحة قدر حاجة العطشان إلى الماء في الصحراء...
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا:

https://ahvalnews.com/tr/guncel/mis-gibi-yapmanin-siniri
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.