نوفمبر 03 2017

السوريون في تركيا .. أزمة الهوية وتراجيديا الحرب واللجوء

مع تحول الازمة السورية الى صراع طويل الأمد وتداخل الأوضاع السورية مع التعقيدات الإقليمية ومصالح الدول الكبرى ودول الإقليم تتفاقم ازمة اللجوء السوري لتتحول الى واحدة من اكبر مشكلات اللجوء في تاريخ الصراعات والحروب في العصر الحديث.
ولّد النزاع السوري أكبر أزمة لاجئين في التاريخ الحديث. ففي ديسمبر 2016، كان هناك أكثر من 4.8 مليون لاجئ سوري حول العالم، وحوالى 6.3 مليون نازح داخلي في سورية؛ أي أن واحداً من كل خمسة نازحين في العالم هو سوري.
ولقد شكل الجوار الجغرافي لتركيا عنصرا بالغ الأهمية والتأثير في أزمة اللجوء واللاجئين السوريين.
ولطالما اشتكت تركيا على اعلى المستويات من تدفق اللاجئين السوريين وتضخم اعداداهم على أراضيها مما ترتب عليه انفاق مزيد من الأموال لتلبية حاجاتهم الأساسية.
ذكر الرئيس رجب طيب اردوغان في خطاب له امام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر أيلول الماضي أنّ حجم انفاق تركيا على اللاجئين السوريين قد  تجاوز 12 مليار دولار أميركي،وأنّ المساعدات التي تلقتها تركيا من الخارج تعادل 512 مليون دولار فقط.
وتابع في هذا الخصوص قائلاً:"لا نريد أن نجعل المخيمات مصيراً محتّما للاجئين السوريين، فهناك قرابة 300 ألف من بين 3 مليون لاجئ يعيشون في المخيمات، والباقي يسكنون في المنازل ويعتمدون على أنفسهم لتأمين احتياجاتهم، ولكي يستطيعوا توفير حاجاتهم منحنا لهم إذن العمل وبدأنا بمرحلة تجنيسهم".
واذا حملنا تلك الصورة البراقة التي تحدث بها الرئيس التركي الى الواقع المعاش فأننا سوف نشهد صورتين مأساويتين لكلتا حالتي اللاجئين السوريين الهاربين من نيران الحرب.
فأولئك الذين يعيشون في المخيمات يعيشون اوضاعا مأساوية بسبب بقائهم في تلك المخيمات زمنا طويلا وخلال ذلك فهم يعيشون على المساعدات الإنسانية ودعم جمعيات الإغاثة وما تجود به الحكومة التركية لهم.

اللجوء السوري في تركيا
ازمة اللجوء السوري في تركيا

على الجانب الاخر يواجه الذين خرجوا من مخيمات اللجوء مشكلات الابتزاز والاستغلال وضعف الأجوروصعوبات في الاندماج تظهر جلية في ارسال أبنائهم الى المدارس.
وبحسب تقارير المفوضية العليا للاجئين فأن عدد المقيمين في مخيمات اللجوء هو حوالي  220 ألف لاجئ، يتوزعون على 22 مخيما أنشأتها الحكومة التركية في المحافظات الجنوبية والجنوب شرقية.
ويمثل هذا العدد نسبة تقارب 15% من التعداد العام للسوريين الذين دخلوا البلاد بصفة لاجئين.
وبحسب تصريحات منظمة الأمم المتحدة للطفولة، اليونيسف، أنه على الرغم من الزيادة الكبيرة في معدلات التحاق الأطفال السوريين بالمدارس في تركيا، إلا أن أكثر من 40 في المائة من الأطفال في سن الدراسة أي ما مجموعه  380 ألف طفل لاجئ ـ ما زالوا غير منتظمين في الدراسة. 
وقالت مصادر المنظمة أن تركيا تستضيف أكبر عدد من الأطفال اللاجئين في العالم فهي موطن لأكثر من 1.2 مليون طفل لاجئ. 
خلافا لما ذكره الرئيس التركي في تصريحاته آنفة الذكر تذكر الدكتورة مهى يحيى الباحثة في مركز كارنيغي الشرق الأوسط إلى أن تركيا تحصل على دعم كبير يصل إلى 6 مليارات يورو لتغطية نفقات اللاجئين السوريين  بموجب اتفاق الشراكة الذي أبرمته مع الاتحاد الأوروبي.
وبحسب مدير الوكالة الحكومية التركية المكلفة بإدارة الكوارث فؤاد أوكتاي إن تركيا أنشأت العديد من المخيمات التي تؤوي اللاجئين السوريين من اهمها مخيم أونجو بينار على الحدود السورية التركية في ولاية كليس، الذي بني  عام 2012 ويضم نحو 14 ألف لاجئ، ومخيم الإصلاحية في غازي عنتاب في العام ذاته أيضا.
أما مخيم عثمانية فتجري حاليا عملية استبدال الخيام فيه ووضع منازل خشبية جاهزة مكانها لإيواء أكثر من 16 ألف لاجئ.
وقد افتتح مخيم نصيبين في ولاية ماردين عام 2014 للاجئين من الأكراد الإزيديين، في حين يقيم لاجئون آخرون بمخيمات جيلان بينار في ولاية شانلي أورفا وكاركاميس وفي قرية اكجاكاليه وفي مخيم قهرمان مرعش.

هنا تظهر مواقع مخيمات اللجوء 

يحصل اللاجئون في تلك المخيمات على معونات غذائية من خلال أنظمة توزيع "كوبونات" تتراوح قيمتها بين 40 و50 دولارا شهريا للفرد الواحد.
أما خارج مخيمات اللجوء حيث تقيم الغالبية العظمى من السوريين، فيبدو الوضع مختلفا، ففي مدن الولايات التركية الــ81 وبلداتها يسعى السوريون جاهدين إلى بناء نشاطهم الإنساني الخاص وأن يصبحوا جزءا من المشهد الطبيعي للحياة اليومية في تركيا.
ووفقا لتقرير المفوضية العليا للاجئين، فإن العدد الأكبر من السوريين (أكثر من 385 ألفا) يقيمون في ولاية هاتاي بالجنوب، في حين يسكن أكثر من 377 ألفا في إسطنبول كبرى مدن البلاد، ويقيم 325 ألفا آخرين في غازي عنتاب جنوبي شرقي تركيا.
وبحسب نائب رئيس الوزراء التركي ويسي قايناق، إن 525 ألف طالب سوري يواصلون مسيرتهم التعليمية داخل الأراضي التركية، من أصل 900 ألف هم في أعمار الدراسة.
وفيما يخص المشاكل الاجتماعية التي قد تنجم عن عمل اللاجئين السوريين، قال "أردوغان" إنّ القيادة التركية على دراية تامة بالمخاطر التي من المحتمل أن تنجم عن عمل اللاجئين السوريين على الصعيد الاجتماعي.
يذكر نيغار غوكسل | الباحث في مجموعة الأزمات الدولية انه في عالم مثالي، ربما تود تركيا الحفاظ على وحدة التراب السوري ورؤية حكومتها في أيدي أفراد أو مجموعات متحالفة إديولوجياً واستراتيجياً معها. لكن، منذ أيلول/سبتمبر 2015 حين تدخّلت روسيا عسكرياً في سورية وحازت على موقع مُهيمن هناك، أدركت أنقرة أن رغباتها غير واقعية.الآن، إذا ماوضعنا موازين القوى الإقليمية والدولية بعين الاعتبار، سنجد أن تطلعات تركيا تتجه نحو ضمان محافظة القوات المتمردة اللاجهادية المتحالفة معها على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي، وفرض كلمة أكبر لها حيال مستقبل سورية.
ويشاركه ضيا ميرال المتخصص في أبحاث النزاعات الذي  كتب واصفا الحالة السورية وتداعياتها على الصعيد التركي قائلا:"أن الحرب الأهلية في سورية كانت مكلفة للغاية لتركيا على كل المستويات التي يمكن تخيّلها. فالنزاع لعب دوراً رئيساً في التسبّب بانهيار محادثات السلام مع حزب العمال الكردستاني، وفي تقويض كل الخطوات الإيجابية التي اتخذت في سياق القضايا الكردية في تركيا إبان العقد المنصرم. 
كما أنها جلبت نحو ثلاثة ملايين لاجىء سوري إلى تركيا، وتسبّبت في هجمات ارهابية شنَها تنظيم الدولة الإسلامية وشبكات يًشتبه بأنها تابعة للأسد، ما أسفر عن سقوط عدد غير مسبوق من الضحايا المدنيين. ولذا، هدف حكومة انقرة الآني هو احتواء النزاع، ووقف موجات اللاجئين ثم عكسها، ومنع الصراع من التأثير أكثر على تركيا".
ويضيف :"أما على المدى البعيد، فتهدف أنقرة إلى حصد الفوائد الاقتصادية من عملية إعادة إعمار سورية، والحفاظ على نفوذ فعّال في تشكيل ما سيأتي من أحداث. ولتحقيق هذه الأهداف على المديين القصير والمتوسط.
يتعيّن على تركيا أن تبقى من بين اللاعبين الذين سيحددون شكل التطورات على الأرض. والطريقة الوحيدة والمّثلى للقيام بذلك هي زيادة وجودها العسكري في سورية. وهذا بالتحديد ماتفعله أنقرة الآن".

ازمة اللجوء السوري في تركيا
تجنيس اللاجئين السوريين في تركيا هل هو الحل ؟

يذكرعمر كارسابان الباحث في معهد بروكينجز أن عدد الشركات الرسمية التي أسسها سوريون في تركيا رسمياً حتى الان بلغ ما مجموعه 6 آلاف شركة وتتراوح تقديرات إجمالي الشركات أو المصانع السورية، بما في ذلك الشركات غير الرسمية، 10,000 إلى أكثر من 20,000. واعتباراً من العام 2013، استحوذت الشركات السورية باستمرار على أكثر من 25 بالمئة من الشركات الأجنبية المسجلة في تركيا.
لاشك ان تركيا كانت ترسم استراتيجياتها عشية اندلاع الازمة بعيدا عن التداعيات التي ظهرت لاحقا فحقائق الجيوبوليتك كانت تشجع صانع القرار التركي الى الاستثمار في الازمة السورية سعيا باتجاه قطف نتائجها وربما التمدد لاحقا على الأرض السورية .
ولم تتورع تركيا عن القتال بالنيابة على الأرض السورية مستخدمة فصائل متنوعة تأتمر بأمرها على حساب المصالح العليا للشعب السوري الذي تحول الى مجتمع هائل من النازحين واللاجئين.
لعل ازمة اللجوء السوري خلفت ورائها تراجيديا هائلة تتعلق بالهوية والمستقبل وماذا جنت تركيا من تورطها في الصراع السوري ثم خطواتها المتعجلة في تجنيس من تشاء من السوريين وعلى الجهة الاخرى استقطاب رجال الاعمال وأصحاب المصالح والشركات من السوريين فيما مجتمع اللجوء السوري يراهن على المجهول الذي وجد نفسه فيه ما بين الامل في حل للازمة السورية والعودة الى الديار وبين اليأس من الغد والذوبان في المجتمع التركي وكلاهما خياران عصيّان في تلك التراجيديا الهائلة.