السيسي في مواجهة أردوغان.. التنافس على لقب الأكثر استبدادا!

يتوجه الناخبون المصريون هذا الشهر إلى صناديق الاقتراع في انتخابات رئاسية يتنافس فيها على الورق الرئيس عبد الفتاح السيسي وسياسي غير معروف نسبيا يدعى موسى مصطفى موسى.
بيد أن المنافس الحقيقي للسيسي لا يأتي من داخل مصر، وإنما من بلد آخر في المنطقة وتحديدا من تركيا، إنه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
وكان الباحث ستيفن كوك؛ الزميل البارز في مركز دراسات العلاقات الخارجية في نيويورك، محقا عندما كتب في مقال له هذا الشهر في مجلة "فورين بوليسي": "لقد عاد القادة الأقوياء إلى صدارة المشهد هذه الأيام". فبالفعل، تبدو دول المنطقة آخذة في الابتعاد عن الديمقراطية لصالح القادة الأقوياء، خاصة في أعقاب فشل الربيع العربي وحالة الضعف التي أصابت العديد من الدول العربية. وفي ظل هذا المناخ، يتنافس كل من السيسي وأردوغان على الترويج لنماذج استبدادية مختلفة لتحل محل النظام الإقليمي القائم الذي يبدو أنه يلفظ أنفاسه الأخيرة بالفعل.
ولقد كتبت من قبل أن السيسي ليس مهتما بتقديم نفسه باعتباره رجل سياسة، وإنما يعتبر نفسه مؤسسا لدولة جديدة في مصر، وبالتعاون مع داعميه الرئيسيين في السعودية والإمارات، يهدف القائد العسكري السابق إلى تشكيل تحالف ثلاثي يقدم نموذجا جديدا للحكم في المنطقة يختلف اختلافا جذريا عن النموذج الاستبدادي السابق.
وتتفق دول هذا المحور الثلاثي الجديد على اعتبار الإسلام السياسي عدوا مشتركا لا يهدف فقط إلى تقويض أنظمة حكمهم، ولكن أيضاً القضاء على جوهر الدولة التي جاهد الآباء المؤسسون لهذه الدول لبنائها بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية. ولذلك، ليس من المستغرب أن تتضافر جهود الدول الثلاث لمحاربة جميع الجماعات الإسلامية السياسية المنغلقة مثل جماعة الإخوان المسلمين ونظيراتها في الدول العربية الأخرى.

على الجانب الآخر في تركيا، يرى أردوغان نفسه أيضا كمؤسس دولة جديدة، لكنه بعكس خصومه العرب، أسس نموذجه اعتمادا على إحياء النظام العثماني الذي سيطر على المنطقة قبل الحرب العالمية الأولى. وفي خطاب له مؤخرا، قال أردوغان "إنه لا ينبغي أن يقتصر اهتمام تركيا على المناطق التي تقع داخل حدودها"، مضيفا "إن نصف قلبه متعلق بالمدن العثمانية السابقة مثل حلب وكركوك والقدس."

وتثير مثل هذه التصريحات، فضلا عن أيديولوجية أردوغان نفسها، قلقا عميقا في العديد من العواصم العربية. فهذه ليست المرة الأولى التي يتطرق فيها أردوغان إلى مدن المنطقة في خطاباته، ولكن ما كان ينظر إليه في السابق باعتباره خطابا موجها إلى جمهوره المحلي بات يتم النظر إليه الآن على أنه تهديد خطير للنظام الإقليمي، لا سيما بعد الغزو التركي لمنطقة عفرين في شمال سوريا بدعم من مقاتلين إسلاميين.
كما يعتمد الرئيس التركي بشدة على الإسلام السياسي بوصفه أيديولوجية تمنح النموذج الذي يريده الأساس والمنهج. وبالتالي، عمد نظام أردوغان إلى فتح الباب أمام العديد من أعضاء مختلف الجماعات الإسلامية المتشددة ليستقروا داخل تركيا ظنا منه أنهم لا يزالون يتمتعون بشعبية كبيرة في العالم العربي، حتى بالرغم من تراجع هذه الشعبية بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة.

ومع أن الرئيس التركي وصل إلى السلطة عبر عملية ديمقراطية سليمة، لكنه تحول بمرور الوقت إلى حاكم استبدادي وأصبحت تركيا تحت قيادته "سجنا شموليا".

وساهمت ممارساته في القضاء على صورة النموذج الديمقراطي المزعوم لتركيا في نظر العديد من العرب الذين باتوا لا يرون فارقا كبيرا بين أسلوب حكم أردوغان ونظرائه من القادة المستبدين الآخرين في الدول العربية.
وللتصدي للتهديد الذي يمثله أردوغان، يسعى قادة المحور الثلاثي في مصر والسعودية والإمارات إلى تقديم نموذجهم البديل الذي يختلف عن نموذج أردوغان التركي في ثلاث نقاط رئيسية:
النقطة الأولى هي أن المحور الثلاثي المصري-السعودي-الإماراتي هو تحالف تعاوني، بمعنى أن كل قيادة تستثمر في الأخرى وتدعمها، وهو ما يختلف كثيرا عن عصر الرجل الواحد الذي أخرج قادة على شاكلة جمال عبد الناصر وصدام حسين ومعمر القذافي. ويدرك قادة البلدان الثلاثة أن نموذج الرجل الواحد يتسم بالهشاشة ويعد أكثر عرضة للخطر والانهيار. ومن ثم فإنهم يسعون إلى العمل معا لتجنب مصير سابقيهم. ومع ذلك، لا يزال الرئيس التركي يعتمد بشدة على نموذج الرجل الواحد مع كل أوجه الضعف الواضحة فيه.
النقطة الثانية تدور حول فكرة إعادة اختراع العجلة.
فعلى عكس أردوغان وحلفائه من الإسلاميين السياسيين، يعمل قادة المحور الثلاثي المصري-السعودي-الإماراتي على طي صفحة الماضي المضطرب للمنطقة والحفاظ على هوياتهم الوطنية دون اللجوء إلى اللعب على وتر المظلومية أو الانشغال بالبكاء على نكبات الماضي، وهم يدركون أن عهد الخلافة ومجدها السابق قد ولى. لذلك، هم يركزون بدلاً من ذلك على استمالة شعوبهم بسياسات أكثر اتزانا وواقعية لا تميل إلى الاعتماد على إثارة العواطف من أجل كسب التأييد المنشود.

الاختلاف الثالث هو مكافحة الجماعات الجهادية بدلاً من الدفاع عنها.

فبينما يرى الرئيس التركي معظم الميليشيات الإسلامية باعتبارها ضحية ظروفها الخاصة ويستخدم مصطلح "الجهاد" باستمرار، يبدو التحالف الثلاثي بين مصر والسعودية والإمارات مدركا وواعيا بالعلاقة بين التطرف والإسلام السياسي وعازما على محاربة التشدد. وهذا لا يعني أنهم يتبنون نموذجا علمانيا، ولكن عوضا عن الإسلام السياسي، يقدمون للشعوب العربية نموذجا محافظا أقل ميلا إلى الاعتماد الكامل على الدين وأكثر تسامحا مع بعض عناصر العلمانية والليبرالية. 
باختصار، ما تشهده مصر هذا الشهر ليس انتخابات بالمعنى المفهوم، بل استفتاء على نموذج حكم يقف ضد نموذج إسلامي تركي. وربما يمكن للرئيس التركي استخدام مصطلح "قائد الانقلاب" كما يشاء لدى انتقاده لخصمه المصري، ولكن طالما لا يزال هو يجاهر بطموحاته الإقليمية، فإن المصريين، والعرب بشكل عام، سيستمرون في الاعتقاد بأنه ليس لديهم خيار سوى التمسك برئيسهم المستبد، والتخلي عن حلمهم بالديمقراطية، ولو بشكل مؤقت.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey/competing-authoritarianism-sisi-versus-erdogan