الشباب الأتراك يغامرون بحثاً عن مستقبل لائق

في البداية، دعوني أبدأ بسؤال: ما هي السمة الوحيدة المشتركة بين الأبواب السبعة لأركانا كورتو مالتيز، وهي ساحة خفية في البندقية، والأبواب السبعة لجنة عدن في أفريقيا؟ 

والآن نعود إلى المقال الذي بين أيدينا. على النقيض من الاعتقاد السائد، فإن أبطال الكتب المصورة لا يأتون فقط من مارفل ودي.سي. فكما هو الحال مع الكلاسيكيات الأدبية، هناك أيضا كتب مصورة يمكن اعتبارها من الكلاسيكيات.

فكتب تان تان وماوس وأميركان سبليندر (الروعة الأميركية) - برغم أن دي.سي قد اشترته - وبرسيبوليس وذا إترنوت، كلها أمثلة على هذا. ومن بين كل تلك الأعمال، تقف رواية كورتو مالتيز (التي تدور حول مغامرات قبطان بلا سفينة) مستقلة بذاتها حقا.

يجوب كورتو مالتيز العالم بدون سفينة.
يجوب كورتو مالتيز العالم بدون سفينة.

وكورتو مالتيز، الشخصية التي ابتكرها الكاتب الإيطالي هوجو برات، هو أحد آخر الفرسان. وهو ابن بحار إنجليزي وغجرية إشبيلية تعرف باسم نينا بنت جبل طارق. ولديه عينان زرقاوان وهو ما يعني أنه لا يمكن لأحد أن يسحره. وعندما كان صبيا، لاحظ صديق لأمه أنه لا يوجد خط حظ في كفه، ولذلك استل كورتو سكينا وشج يده، ومنذ تلك اللحظة كان يصنع مصيره بنفسه. 

يجوب كورتو مالتيز العالم بدون سفينة. ولا يؤمن بالأعلام أو العقيدة. وخلال ثورة الملاكمين في 1900 في الصين، ينزع فتيل مدفع بينما كان عمره لا يتجاوز 13 عاما. وخلال تلك الفترة، يلتقي أيضا مع المراسل الحربي جاك لندن، الذي يرافقه في معظم  مغامراته الجريئة، ومع راسبوتين. 

بعد ذلك، يظل كورتو مالتيز بطلا مجهولا لكثير من الأحداث المحورية. ويشهد وفاة أنور باشا، زعيم ثورة تركيا الفتاة وزعيم الإمبراطورية العثمانية حتى الحرب العالمية الأولى. يدافع عن قضية بينما كان على متن سفينة الصحفي جون ريد، الذي ألف كتاب (عشرة أيام هزت العالم)، الذي يحكي أيامه مع الثورة الروسية. يسافر كورتو إلى إثيوبيا مع آرثر ريمبود ولورانس العرب. ويقع في الحب، لكنه لا يشعر بالسعادة أبدا. في بعض الأحيان ينتقم من شخص يحبه هو، وفي أحيان أخرى يزج بنفسه في موقف لا صلة له به على الإطلاق. 

إذا نظرت إلى حياة هوجو برات، ستجد أن هناك أوجه شبه كثيرة مع كورتو مالتيز. فقد زارا نفس الأماكن كلها تقريبا. ورغم أنهما لم يقوما بنفس المغامرات بالضبط، إلا أن أوجه الشبه أكثر من أن تُنكر. وربما كان وجه الاختلاف الوحيد بينهما هو أن كورتو تغلب بسهولة على العوائق التي عرقلت برات.  

والشبان الأتراك، لا سيما الذين يعرفون بجيل غازي، هم رواد عصرنا الأكثر شبها بالبحار بطل الكتب المصورة الذي يحدد مصيره بنفسه. فأغلب هؤلاء الشبان لا يؤمنون بأي عقيدة، ولا يأبهون بتلقي الأوامر، وعندما يحين وقت الحديث عما يريدونه، يضطرون لبدء حياة في مكان آخر كي يفعلوا ذلك. 

في يوليو من عام 2013، بدأت احتجاجات غازي في إسطنبول وسرعان ما انتشرت في تركيا كلها. تلك الأحداث ربما كانت السبب الرئيسي وراء قرار الكثير من الشبان العيش في الخارج. ويقع متنزه غازي في منطقة تقسيم بوسط إسطنبول. كان الشبان قد انتفضوا ضد خطة لتحويل المتنزه الصغير إلى مركز تجاري، وانتشرت مقاومتهم سريعا لتتحول إلى احتجاجات عامة على سياسة الحكومة.

انضم أناس من كل الأعمار إلى الكفاح، لكن معظم المحتجين كانوا من الشبان. وقد سئموا بشكل خاص تدخلات حزب العدالة والتنمية في الحياة اليومية، وأصبح هذا هو المكان الذي يمكنهم فيه أخيرا أن يرفعوا أصواتهم. 

لكن في واقع الأمر، لم تكن احتجاجات متنزه غازي المرة الأولى التي يتحرك فيها الشباب في إسطنبول أو تقسيم. فقبل ذلك، جرى تنظيم مظاهرة تحت شعار "لا تمس اتصالي بالإنترنت" للاحتجاج على قوانين جديدة تنظم محتوى المواقع الإلكترونية ومزودي خدمة الإنترنت. وقبل قليل من احتجاجات غازي، تظاهرت مجموعة صغيرة من الأشخاص ضد هدم سينما إيميك، أقدم مسرح ودار سينما في إسطنبول. ومن بين من ضربتهم الشرطة بمدافع المياه مخرجون عالميون بارزون مثل كوستا جافراس ومايك نيويل.

ووقعت أحداث غازي بعد هذين الاحتجاجين وبعد سلسلة من القوانين المناهضة للشباب التي صدرت في ذلك الوقت. في الأسابيع القليلة الأولى، اعتقدت الشرطة أن بوسعها قمع الاحتجاجات بالأساليب الوحشية، لكن الاحتجاجات تبددت فيما يرجع بدرجة أكبر إلى الوقت وزيادة الضغط لا سيما على الجامعات. 

يتنافس كل فرد مع العالم على تعليم جيد أو وظيفة جيدة.
يتنافس كل فرد مع العالم على تعليم جيد أو وظيفة جيدة.

غير أن موقف رئيس الوزراء في ذلك الحين، رجب طيب أردوغان، بشأن الاحتجاجات كان أن المحتجين أدوات في لعبة تلعبها القوى الأجنبية، وليسوا شبانا بلغوا درجة الغليان. في الواقع، كان معظمهم مجرد أشخاص لا يريدون القسم على الولاء للزعيم، لم يرق لهم أن يتم فرض شيء عليهم أو إجبارهم عليه، أشخاص رفضوا قبول المعلومات التي تعرض عليهم ببساطة. باختصار كانت لديهم عقول ناقدة ولا يزالون كذلك. 

لم يتحمل معظمهم العيش تحت قبضة الحكومة ولم يقبلوا بشكل أعمى ما يعرضه عليهم البث التلفزيوني المتحيز. وبينما كانت تركيا تتجه صوب الصوت الواحد، بدأت أصوات أخرى في الظهور. تماما مثلما فعل كورتو مالتيز، قرروا أن يحددوا مصيرهم بأنفسهم. 

في أعقاب محاولة الانقلاب في 15 يوليو 2016، تعلم الكثيرون منهم أن الحرية قد قُيدت على نحو خطير. أصبح المناخ السياسي في تركيا أكثر قمعا، وقرر المزيد من الناس بدء حياة جديدة في بلد جديد. 

وبدون كتابة الكثير حول كل شيء من حالة حقوق الإنسان إلى المحاكم، ووصولا إلى صحة المستهلك، فإن الشائعات المنتشرة في أرجاء تركيا هي أن أي شاب يريد مستقبلا مشرقا أو مكانا جيدا لتنشئة الأبناء فينبغي له أن يتطلع إلى دول أخرى. 

ويجدر أن نشير هنا إلى أن كورتو مالتيز شخصية انعزالية غير تقليدية. والشبان الذين يوشكون على خوض مغامرة كبرى في الخارج يتجهون صوب خيبة الأمل، وسينتهي بهم المطاف محبطين وهم ينتظرون تغييرا كبيرا. لن يكون بوسعهم الحديث بصوت عال ضد الحكومة، وسوف يبدؤون في التفكير في مدى صعوبة تربية الأطفال بنفس الطريقة التي تربوا عليها أو العيش في نفس مستوى نظرائهم حول العالم. 

بعد حدوث كل هذا، يتنافس كل فرد مع العالم على تعليم جيد أو وظيفة جيدة، لكن الدول بدأت أيضا تتنافس على العقول الجيدة. ومن المؤكد أن من سيخسر هذا السباق هي الدول التي تفتقر إلى الحرية والديمقراطية، حيث لا يمكن الوثوق في المحاكم وحيث لا قيمة لحقوق الإنسان والعقول الناقدة. 

وعند بناء حياة جديدة في الخارج، لا يظن أحد أنها ستكون الفردوس. لو كانت كذلك، لحاولوا العثور على أبواب الجنة السبعة أو أبواب أركانا السبعة. وربما يجد الذين يتمتعون بروح كورتو مالتيز السعادة والحرية دون أن يكونوا مربوطين بأي ميناء.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/movie-review/gezi-generation-and-corto-maltese
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.