سبتمبر 08 2018

الشرطة التركية تحاصر أمهات السبت

قامت الشرطة التركية بفرض حصار حول ميدان غلطة سراي الموجود على جادة استقلال في إسطنبول، وذلك قبل التظاهرة التي ستنفذها أمهات السبت في أسبوعهن الـــ 701. ولم تسمح الشرطة بتنفيذ التظاهرة هذا الأسبوع أيضًا.
وقد اعتُقل حسن أوجاك بعد أحداث حي "غازي" التي كانت وقعت في 21 مارس 1995. وقد بحثت "أمينة أوجاك" والدته وأسرته وأصدقاؤها عن حسن لمدة 55 يومًا. وراجعوا جميع الأماكن بما في ذلك الجهات الرسمية كلها، ولكن مراجعاتهم كلها لم تسفر عن أية نتيجة إيجابية. وبعدها في 15 مايو تم العثور في مقبرة المشردين على جثة حسن وقد ظهرت عليها علامات التعذيب والتنكيل.
وفي نهاية كفاح دام 55 يومًا رأت عائلة أوجاك أنها لم تكن وحيدة في هذا. لقد كان المتعرضون لمثل هذا كثيرين؛ فقد كان "خير الدين أرن" مفقودًا. ومثله "رضوان قره كوج"، وأيضًا "أليف إيشيك". وقد اعتصموا للمرة الأولى في ميدان غلطة سراي في مجموعة مكونة من 15-20 شخصاً في 27 مايو 1995 من أجل السؤال عن مصير أقاربهم الذين اختفوا في أثناء الاحتجاز. وقد وجدت صرختهم الصامتة إجابة وصدىً، حتى أنهم أصبحوا بمثابة "ضمير" المجتمع.

وقد مُنع المُتظاهرون واعتُقِلوا عدة مرات منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم.  حتى إنهم اضطروا إلى وقف فعالياتهم بسبب ممارسات الشرطة ضدهم والتي استمرت لمدة سبعة أشهر في إحدى المراحل. غير أنهم لم يتخلوا عن المطالبة بــ"العثور على المفقودين ومعاقبة الجناة". وعلى الرغم من كل مراحل الانقطاع والتوقف عن المظاهرات إلا أنهم وصلوا حتى الأسبوع 700 في هذا النضال.
لكنه لم يتسن لهم في ذلك الأسبوع أن يعتصموا في ميدان غلطة سراي من جديد حاملين في أيديهم صور من فقدوهم وزهور القرنفل؛ فقد تدخلت الشرطة، وتم احتجاز الأمهات العجائز اللائي في العقد الثامن من العمر. لأنه كان محظورًا التظاهر. وقد اتخذ قرار الحظر من قبل سليمان صويلو وزير الداخلية التركية.
وبعد الأحداث ظهر سليمان صويلو أمام الكاميرات وبدأ يتحدث قائلًا "العاهرات"، وتابع:
"إنهم يتحدثون باسم المنظمة الإرهابية بشكل مباشر، ويدافعون عنها. إن المنظمات الإرهابية اليوم تركض وراء ميدان آخر لاستغلاله بأيدي هذه البؤر، إنه استغلال الأمهات. من الواضح جدًا ما هو المطلوب فعله وتنفيذه. إنهم يسعون إلى خلق حالة من الظلم من خلال استغلال مفهوم الأمومة، وإظهار الإرهابيين بالمظلومين، ومحاولة تمزيق المجتمع أيضًا."

الشرطة التركية تحاصر أمهات السبت

وبعد هذا التصريح أعلنت الأمهات أنهن سيجتمعن ويعتصمن في ميدان غلطة سراي في الأسبوع الــــ 701 أيضًا، وقلن: "لن نترك الميادين"، وهذا ما حدث بالفعل.
إن أمهات السبت قد فقدن أولادهن لأسباب سياسية مختلفة، وقد اجتمعن صباحًا عند فرع جمعية حقوق الإنسان في إسطنبول. لم يكنَّ بمفردهن، تمامًا مثل الأسبوع الماضي؛ فقد كان هناك هذا الأسبوع أيضًا عدد من نواب حزب الشعب الجمهوري وحزب الشعوب الديمقراطي، والمدافعين عن حقوق الإنسان.

وبينما كانوا ينتظرون ساعة بدء التظاهر عند مبنى جمعية حقوق الإنسان وفي محيطها كانت الشرطة قد أغلقت الطرق المؤدية إلى ميدان غلطة سراي بالفعل منذ الصباح الباكر؛ فقد انتشرت الشرطة في كل مكان، وامتلأت بالحواجز كل الأنحاء المحيطة. وبالطبع كانت ترافقها مدرعات فض المظاهرات الاجتماعية أيضًا.
ومع اقتراب الساعة من الــ 12 ظهرًا تمت إذاعة تصريح قصير يحمل تحذيرًا للصحافيين الموجودين في مبنى جمعية حقوق الإنسان وأولئك الذين توافدوا إلى المكان تقديمًا للدعم:
"إننا نشكر جميع من دعمنا شكرًا جزيلًا. إننا نريد أن نسير هذا الأسبوع أيضًا إلى ذلك الميدان في صمت ودون إلقاء للشعارات ولا تصفيق كما نفعل كل أسبوع. وننتظر منكم الدقة والحذر في هذا الصدد."
ومن شارع "بويوك برماك كابي" بدأت مسيرة باتجاه ميدان غلطة سراي يرافقها النواب. كانت هادئة. كانوا يحملون في أيديهم صور من فقدوهم وزهور القرنفل أيضًا. إلا أن الطريق قُطع عليهم ولم يصلوا حتى إلى أول الشارع. وبدأ التفاوض مع الشرطة. لقد كان الموقف متوترًا. وأصر نواب حزب الشعب الجمهوري وقادته على المسير.
فقالت الشرطة "لقد تلقينا تعليمات من حاكم المنطقة". ثم أضافت الشرطة جملة أخرى قائلة إلى أعضاء حزب الشعب الجمهوري "هناك من أصدر لكم الأوامر. ولذلك أنتم متواجدون هنا".
لم تستطع الأمهات الذهاب إلى ميدان غلطة سراي أمام منع الشرطة لهن. ولذلك فقد اعتصمن في شارع جمعية حقوق الإنسان وتساءلن عمن فقدوهم. وقد كان للأمهات المعتصمات بيان صحفي قرأته "ماسيدة أوجاك" أخت حسن أوجاك الذي قُتل أثناء احتجازه:
"منذ 701 أسبوع ونحن نبحث عن أحبائنا الذين اختفوا أثناء احتجازهم، نحن نطالب بمحاسبة المتسببين في ذلك." وواصلت قائلة:
"إننا هنا اليوم في ميدان غلطة سراي لأنه لم يتم حتى الآن الكشف عن عاقبة من فقدناهم منذ 701 أسبوع، وتم إخفاء قبورهم، ولم يتم معاقبة الجناة بالرغم من أنهم معروفون. إننا هنا في ميدان غلطة سراي لأننا لم نستطع الوصول إلى الحقيقة والعدالة والقانون في ظل مناخ الإنكار والضغط والعنف الذي خلقته بنفسها الدولة المكلفة في الأساس بتوفير العدالة للمطالبين بحقوقهم منذ 701 أسبوع والقضاء على كل أشكال العنف الموجهة إليهم. إننا هنا في ميدان غلطة سراي بحزننا الذي لا يتناقص منذ 701 أسبوع، وانتظارنا الذي لا ينتهي، وأملنا الذي لا ينفد، وزهور القرنفل التي لا تذبل."
وقرب انتهاء التصريح الصحفي جاء التحذير الشرطي المعهود: تفرقوا، وانصرفوا... والواقع أن قرار المنع هذا وهذا التحذير مخالف للقانون.
وتشرح "زليخة غولوم" المحامية والنائبة عن حزب الشعوب الديمقراطي سبب ذلك قائلة:
"إنه يحظر ميدان غلطة سراي، ولكنه يشمل فعالية التظاهر التي هنا أيضًا. إنهم يحاولون التدخل في هذا أيضًا. الواقع أنه ليس هناك قرار بالتدخل في فعالية التظاهر الموجودة هنا ولكنهم وبالرغم من هذا يحاولون حظرها."
وقد تحدثت "إقبال أرن" أخت خير الدين أرن إلى موقع "أحوال تركية"، فقالت "لم نندهش، ولكننا اعتصمنا. لن نتخلى عن قضيتنا مهما كان القرار الذي سيتخذونه. لن نتخلى أبدًا عن البحث عنهم، ولن ننساهم، ولن نستسلم."

 

وقد كان حسن "قره كوج" شقيق "رضوان قره كوج" الذي اختفى في إسطنبول عام 1995 مصممًا وعازمًا على فعل الشيء نفسه مثل "إقبال أرن" تمامًا. وقد قال لموقع "أحوال تركية":
"نبحث عمن فقدناهم منذ 23 سنة. لقد كان من واجب الدولة أن تكشف عن عاقبة هؤلاء المفقودين، وتقديم القتلة إلى العدالة. غير أن الدولة تفعل العكس تمامًا؛ إنها تحاسبنا نحن، وتمنعنا نحن. وبالرغم من كل أشكال المنع والحظر هذه إلا أننا هنا منذ 23 سنة. لم نستطع الاعتصام في ميداننا الحقيقي هذا الأسبوع أيضًا، ولكننا ألقينا بياننا. سوف نواصل الكفاح والنضال."
من المعروف أن رجب طيب أردوغان التقى ببعض الأسماء من هؤلاء الأمهات حين كان رئيسًا للوزراء قبل سنوات مضت، ووعدهن بأنه سيتم حل مشكلاتهن. لكن المشهد مختلف اليوم. لقد تم تحويل أمهات السبت من الأمومة إلى "العهر والبغاء". ولقد كان لساسة حزب الشعب الجمهوري وحزب الشعوب الديمقراطي رد فعل في الميدان على هذه اللغة السياسية. فقد تحدثت "جنان قفطانجي أوغلو" رئيسة فرع حزب الشعب الجمهوري بإسطنبول إلى موقع "أحوال تركية" وقيّمت الوضع قائلةً: "إنني لا أريد ولو حتى مجرد التعليق على هذه الكلمة. إنني أجد هذه الكلمة تليق بقائلها. لأن الجميع يعلم من هم أولئك الذين تناسبهم تلك الأوصاف والهويات."
أما "صاروخان أولوج" نائب الرئيس المشارك لحزب الشعوب الديمقراطي فيرى أنه لا علاقة لهذا الأسلوب بالسياسة. حسن؛ فكيف وصل الأمر إلى هذا الحال؟
إن أمهات السبت يسألن عن عاقبة من فقدنهم، وهن عازمات على مواصلة فعالياتهن. غير أنه يبدو أننا سنظل نشاهد لفترة طويلة الشرطة والحواجز ومدرعات فض المظاهرات الاجتماعية منتشرة في ذلك الميدان بدلًا من أمهات السبت أو حتى يتم إلغاء هذا "الحظر" على الأقل.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن الأمم المتحدة أقرت في عام 2007 الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، وبدأت تنفيذها عام 2010.
ويعترف إعلان الأمم المتحدة بشأن حماية جميع الأشخاص من حالات الاختفاء القسري، والذي اعتمدته الجمعية العامة للمنظمة في عام 1992، بأن الاختفاء القسري جريمة ضد الإنسانية.
ويستخدم مصطلح "الاختفاء القسري" الوارد في الاتفاقية بهدف شرح وبيان معنى احتجاز الأفراد من قبل العاملين باسم الدولة أو المكلفين من الدولة، أو من قبل أشخاص أو مجموعات تتحرك بدعم من الدولة وبعلمها، واعتقالهم، وخطفهم أو حرمانهم من حريتهم بأي شكل آخر، ثم إنكار أولئك الأشخاص المعنيين قيامهم بأفعالهم الشخصية، أو منع الشخص المختفي من الحماية القانونية. وتذكر الأمم المتحدة بموجب هذه الاتفاقية أن حق الحياة هو أبسط حقوق الإنسان الأساسية، وأن الدولة ملزمة باحترام هذه الحقوق.
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/cumartesi-anneleri/cumartesi-annelerine-polis-ablukasi
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.