الصحفيون الأتراك يلجؤون إلى وسائل التواصل الاجتماعي هربا من القمع

يلجأ المزيد من الصحفيين في تركيا إلى منصات التواصل الاجتماعي مثل يوتيوب وبيريسكوب لنشر ومشاركة إسهاماتهم بشأن أحدث الأخبار في ظل أفق إعلامي يتسم بالقسوة.
وأغلقت حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان منذ محاولة الإنقلاب في يوليو 2016 أكثر من 175 وسيلة أخبار، وهو ما ترك أكثر من 12 ألفا من العاملين في مجال الإعلام دون وظائف. ويقول معهد الإحصاءات التركي إن معدل البطالة في قطاع الصحافة يأتي بين أعلى المعدلات في جميع القطاعات. 
ومن أجل مواصلة العمل، وعلى أمل كسب أقواتهم، تحول العديد من الصحفيين البارزين إلى وسائل التواصل الاجتماعي لتقديم الأخبار والتعليقات بشكل مباشر للمستهلكين، ليعرضوا بذلك بديلا للإعلام التقليدي الذي يهيمن حلفاء حزب العدالة والتنمية الحاكم حاليا على 90 بالمئة منه. 
وقال أونسال أونلو في حديث مع "أحوال تركية" إن "ما يجعل برنامجي جذابا في الوقت الحالي هو حرية التعبير فيما أبثه. أو بالنسبة للبعض، ما يفتقدونه هو ممارسة الصحافة." وبدأ أونلو، وهو صحفي مخضرم، نشر إسهاماته الصحفية على بيريسكوب، وهو تطبيق للبث الحي بالفيديو، في أغسطس 2015. 
في البداية كان عدد مشاهديه 15 فقط. لكن الأنباء انتشرت سريعا. ويطالع آراءه المستقلة حاليا 20 ألف شخص يوميا في المتوسط من قرابة 80 دولة عبر يوتيوب وساوند كلاود وآي تيونز.
واكتسبت برامج مشابهة لما يبثه أونلو شعبية في السنوات القليلة الماضية. ويتم بث برنامج يسمى "المساء مع عرفان ديغيرمينجي" يوميا طوال أيام الأسبوع وجذب أكثر من 150 ألف مشاهد على يوتيوب. 
ومثل كثيرين آخرين، تم فصل ديغيرمينجي من عمله في محطة "القناة دي" التلفزيونية المؤيدة للحكومة بسبب إعلانه أنه سيصوت "بلا" في الاستفتاء الدستوري في أبريل 2017 الذي منح أردوغان سلطات كاسحة. 
وعمل شوكرو كوجوك شاهين لصالح العديد من وسائل الإعلام مثل جونايدن والصباح وحرييت وسي.إن.بي.سي-إي/إن.تي.في، ويستخدم منصات إلكترونية لعرض ما يقول إنها أخبار موضوعية، يرى أنها ضرورية في المناخ السياسي في تركيا اليوم.
وقال كوجوك شاهين "لا أرى أي شيء باسم الصحافة في البرامج التي يبثها التلفزيون". وأضاف "هناك الكثير من الأسئلة التي ينبغي طرحها، لكن لا أحد يسأل. لا يوجد نقد علني. نحن نجري تقييما حرا لما يدور بخصوص أجندات الدولة في تلك البرامج، ونحن ننظر فيها بشكل نقدي. نحن نطرح الأسئلة التي لا يستطيع أحد آخر أن يسألها."
ويقدم كوجوك شاهين برنامجا أسبوعيا بعنوان "أجندة 4×4" وهو معروف بانتقاده للحكومة. 
وأوضح أونلو أيضا كيف أن الصحافة في تركيا تفتقر إلى حد بعيد إلى الاستقلال التحريري، ولا سيما عبر الرقابة الرسمية والرقابة الذاتية. 
وقال "يمر الإعلام بأسوأ فترة له في التاريخ." وأضاف "كتاب الأعمدة والمعلقون بوسائل الإعلام التي تسيطر عليها الحكومة يعاملون على أنهم مثاليون، وبعض أقطاب الصناعة دخلوا القطاع للتودد إلى الحكومة برغم عدم وجود صلة وثيقة لهم بالإذاعة أو الصحافة." 
كل من يملكون وسائل الإعلام الرئيسية تقريبا في تركيا يقومون بأعمال تجارية مع الدولة في قطاعات أخرى مثل الطاقة أو التعدين أو البناء، غير أن مقدمي الأخبار عبر وسائل التواصل الاجتماعي لا يضطرون لتبرير أعمالهم لرئيس. 
وقال كوجوك شاهين "مع تحول وسائل الإعلام الرئيسية إلى صوت الحكومة والناطق باسمها، يلجأ إلينا أولئك الذين يتساءلون عما يدور خلف الأبواب المغلقة."
ويقبع عشرات الصحفيين في السجن في تركيا، بينما صنفت منظمة مراسلون بلا حدود تركيا في المرتبة 157 من بين 180 دولة على مؤشر حرية الصحافة العالمي الذي تصدره. 
وتحدثت نيفشين مينجو، الصحفية البارزة في قناة (سي.إن.إن تورك) التلفزيونية الإخبارية، لصحيفة إيفرنسيل اليسارية عن أسباب سوء معاملة الحكومة للصحفيين. 
وقالت "هنا، تتشابك مفاهيم الوطن وأردوغان." وأضافت "لذلك، فعندما نقول ‘لقد فعل السيد الرئيس شيئا خطأ‘، يتم وصمك بأنك عدو لتركيا. نحن دائما في حالة طوارئ، وحكومة حزب العدالة والتنمية تعتبر كل نقد مؤامرة ضدها. لكن عندما تقوم بالتغطية الصحفية لشيء ما، تتم معاملتك كما لو أنك تدبر مؤامرة ما أو كجاسوس، ولا أعتقد أن هذا شيء صحي أبدا."
وخلقت حملة القمع الحكومية شهية للتغطية الصحفية المستقلة. 
وقال كوجوك شاهين ما كنت أريده هو صحافة مستقلة على مدار اليوم." وأضاف "أن يكون هناك نوع من الصحافة التي يمكن لكل مواطن يريدها الوصول إليها. الجمهور يرى كيف يتم عمل هذا النوع من البث، وسبب تفضيلهم تلك البرامج هو أنهم يرونها على أنها نقدية."
وقال أونلو إن غياب التضامن بين الصحفيين أيضا زاد من التحديات للتغطية الصحفية.
وقال "في هذا البلد، أراد صحفي توجيه سؤال إلى وزير الزراعة لكن تم إخراجه من القاعة." وأضاف "لو حدث هذا في زمننا، لكنا غادرنا القاعة جميعا. لكن الكل يخشون فقد وظائفهم. لا يوجد تضامن، بالمقارنة مع الأمر قبل نحو ثماني إلى عشر سنوات."
لكن برغم كل شيء، لا يزال هناك بصيص أمل فيما يرجع جزئيا إلى وسائل التواصل الاجتماعي. 
ولا يزال كوجوك شاهين متفائلا. وقال "نحن نعيش في عصر المعلومات. وهؤلاء المستبدون لن يتمكنوا من وقفه بعد الآن. العالم يريد أن يتعلم من الصحفيين".
ويرى أونلو أيضا ما يدعو إلى الأمل. وقال "الإعلام لم ينته بعد، لكنه يزحف ببطء." وأضاف "الصحف تتهاوى مثل المحطات التلفزيونية. لكن على الرغم من كل شيء، سنجد وسائل جديدة، ولن نتخلى عن العمل الصحفي. الصحافة لن تنقضي ما دام بوسعنا إيجاد وسيلة لممارستها". 

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkish-media/turkish-journalists-turn-social-media-escape-state-crackdown
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.