سرفان ازونوغلو
نوفمبر 22 2017

الصحفيون في تركيا .. طريق طويل من المعاناة

يتولى الحديثَ عن الصحفيين في تركيا عادة مفكرون أو نشطاء أو سياسيون. وفي وسائل الإعلام التقليدية يكاد يكون مستحيلا أن تشهد نقاشا محوره مستقبل الصحافة في تركيا.. ناهيك عن حرية التعبير.

وحتى إذا طرحت كتب وأفكار، كالكتاب الأخير لأوميت كيفانش، نقاشات أكاديمية أو وفرت مؤسسات إعلامية قليلة، كموقعي Journo.com.tr أو Platform24.org منصة للحوار فإن الأبعاد الاقتصادية والتقنية لأزمة الإعلام عادة ما تعرض كقضايا عادية.

لكننا في الواقع بحاجة ماسة للحديث عن غياب الأمان بمختلف أبعاده في المجال الإعلامي.

الآن صارت الأرباح التي تتحقق من الوسائط الرقمية في ازدياد مقابل تناقص أرباح الوسائط المطبوعة. لكن نماذج ما يعرض على الإنترنت في تركيا لم يصل أبدا لدرجة تثير الرضا. لتركيا وكالة رسمية للإعلانات الصحفية وهناك على نفس الشاكلة آليات مركزية في قلب نماذج الصحافة التركية. غير أن النتيجة مماثلة، بالنسبة للصحفيين من الوسائط الرقمية: شكل من أشكال عدم الاستقرار.

كيف لنا إذا أن نتصدى لعدم الاستقرار في صناعة الصحافة؟ ما الذي سيمكننا من إعادة الحياة للصحافة في تركيا؟

أثناء إعداد ورقة بحث لرسالة الدكتوراة الخاصة بي قضيت عامين أجري مقابلات مع نشطاء نقابيين وصحفيين يعملون بشكل مستقل وعدد من المدراء رفيعي المستوى، السابقين منهم والحاليين، في صناعة الأخبار. خلال العامين تكونت لدي رؤى ربما يكون بعضها دوليا بينما لا يتعدى البعض الآخر حدود البيئة الصحفية بتركيا.

 

Political affiliations of 10 most-watched TV channels in Turkey. RSF Media Ownership Monitor Turkey
جدول يوضح ملكية كبرى القنوات التركية

في البداية دعونا نشخص المرض وأعراضه: في قلب أزمة الصحافة الحالية بتركيا هناك ملاك وسائل الإعلام وكذا القوانين واللوائح. هذا بالإضافة إلى حالة الغموض المتفشية في العالم.

بينما يعتبرها أكثرية المفكرين أزمة "حرية تعبير" في تركيا فإنني أرى نظاما إعلاميا انهار ماليا وأخلاقيا ولا يقوى على الحياة دون تحالفات سياسية أو دعم من الدولة.

في 2016 نفذت مؤسسة IPS communication Foundation مشروعا بالتعاون مع مؤسسة صحفيون بلا حدود Reporters Without Borders محوره الرقابة على ملكية وسائل الإعلام في تركيا حيث عرض كيف يمتلك أصحاب وسائل الإعلام مصالح تجارية في قطاعات صناعية أخرى كالطاقة والنقل والبناء ويعتمدون بالتالي على الحكومة في الحصول على عقود عامة في هذه القطاعات.

وفي قنوات التلفزيون التركي الذي لا يزال أكثر وسائل الإعلام شعبية فإن سبعا من القنوات العشر الأكثر انتشارا تتبع ملاكا مرتبطين سياسيا بالحزب الحاكم.

ولا تقتصر العلاقات على الحكومة بل يمتد الارتباط بين الإعلام والسياسة في تركيا لنراه في طريقة عرض الأخبار التي تتوقف على التغيرات السياسية التي ترتبط بها كل وسيلة إعلام.

يدخل ملاك وسائل الإعلام هذا المجال كمهنة والحقيقة أن لهم رؤية مؤسفة لمستقبل الصحافة. أحدث مثال ربما يكون في إعلان التحالف الإعلامي المعروف باسم دوجان هولدينج عن خطط لتحقيق تكامل بين صحافة المواطن والصحافة المهنية. هذه في الحقيقة فكرة قديمة إذ جربتها بالفعل مؤسسات إخبارية عالمية مثل الجارديان  قبل خمس سنوات. وفي تركيا أيضا ارتكنت منصات إخبارية مثل Dokuz8 و140Journous إلى مساهمات المواطنين وأنشطتهم لسنوات.

بينما تعمل منصات إخبارية ومطورون عالميون مثل الجارديان وكوارتز على تقنيات للدردشة والتواصل والصحافة العابرة للأماكن فإن المشروع الذي جربته مؤسسة دوجان يعد نموذجا للصحافة التركية ليس فقط لافتقاره لعناصر الإبداع بل لأنه أيضا يثير تساؤلات حول منهجه الاقتصادي المثير للجدل (فيما يتعلق بإمكانية الدفع مقابل المساهمات الصحفية للمواطنين) في تركيا.

بشكل عام فإن اقتصاديات وسائل الإعلام في تركيا تستند إلى تحقيق أرباح من الإعلانات وعدد مرات الظهور في محركات البحث وهي أمور لا تساعد الجودة الاجتماعية، إذ تلوث محتواها شوائب الاستقطاب وخطاب الكراهية السياسية بينما تلزم وسائل الإعلام عادة الصمت أو لا تسمح لها الحكومة بالحديث.

فبالإضافة لمقص الرقابة هناك آليات رقابة ذاتية يعتبرها ملاك وسائل الإعلام سبيلا للحماية. أحدها المفكرون الذين لا يعبرون سوى عن أفكار تقبلها السلطة حتى وإن بدت معارضة. هناك طريقة حماية أخرى يتبعها ملاك وسائل الإعلام وهي اختيار رقباء يتولون مهمة اختيار ما ينشر ويذاع أو من تتم استضافته للحديث.

سلاح الاعلامي
سلاح الاعلامي

على الجانب الآخر نجد الإعلام الحكومي في انحياز تام للحزب الحاكم ومفكريه ربما باستثناء قناة TRT World الناطقة باللغة الإنجليزية.

ولا تقدم وسائل الإعلام المعارضة والبديلة نموذجا أفضل. فمنصات الإعلام المعارضة ذائعة الصيت تعتمد على دعم الأحزاب السياسية المعارضة ولبعضها استراتيجيات صحفية شعبوية ومنحازة تستخدم لغة تمييزية في قضايا كالمهاجرين.

ولا تقدم وسائل الإعلام البديلة أنماطا ربحية مجدية. فبعضها يعتمد على مساهمات جماعية بينما يلجأ البعض للحصول على تمويل من خلال منظمات دولية حكومية أو غير حكومية. وفي هذه الحالة يصبح هذا النوع من وسائل الإعلام هدفا لمنافسيها ولغيرهم في الداخل أو تتحول لمنصات غير فعالة أو لا تملك الشجاعة الكافية للقيام بتغطية سياسية بسبب المخاطر القانونية.

في النهاية فإن الصحفيين العاملين في الوسائل البديلة يشعرون دوما بالخطر في ظل ضعف ما يحصلون عليه من مقابل مالي أو بسبب الضغوط السياسية.

يعاني الصحفيون الأتراك كذلك بسبب تشويه سمعتهم في أعين الناس. فبعض الصحفيين يواجهون اتهامات بالتربح من وراء جهات سياسية أو مجموعات مصالح بعينها، وبعضهم لا ينكر حتى هذا الدور المنسوب إليهم. بل إنهم يعرفون أنفسهم كمقاتلين مسلحين في مجموعة بعينها وبعضهم يطلق خطابا محرضة على العنف.

وبالطبع لا يكون هذا مفيدا للصحفيين حين تتهم الحكومة، مثلما فعل رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو، بعض الصحفيين المحترفين بتنفيذ أجندات دعائية والارتباط ببعض المنظمات.

Digital skills used in the news room. International Center for Journalists, “The State of Technology in Global Newsrooms”

ولا توفر النقابات المهنية والمنظمات غير الحكومية العاملة في الصحافة الحماية للصحفيين في ظل ما تعانيه من ضعف بسبب القوانين وإبعادها عن السيطرة على غرف الأخبار في ظل نظام مالي يفيد الرؤساء وليس المرؤوسين. وهناك في تركيا كثير من الصحفيين الذين يعتقدون أنهم يعملون لصالح صحيفة لكنهم مسجلون في النقابات كعمال. فبسبب سياسة تنحية النقابات التي طبقت في أعقاب انقلاب 1980 وموجة التحرير في أوائل تسعينات القرن العشرين في المناخ الإعلامي التركي أصبح الصحفيون منعزلين بعضهم عن بعض.

لم يعد للصحفيين رأي في تحديد الخطاب السياسي ولم يعد عملهم مهما مثلما كان. فإعادة تقديم المحتوى في إطار نفس الخطوط الفاصلة داخل المناخ السياسي والعجز عن طرح نقاش عام بمناظير أكثر عمقا يجعل مساهمات الصحفيين أقل جاذبية عما سبق. ففي ظل طغيان السياسة يعمل الصحفيون منعزلين عن السياسيين فهم إما غير مسموح لهم بطرح الأسئلة أو يفرضون على أنفسهم رقابة ذاتية.

ومن المؤسف أن النسب العالية لاستخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي في تركيا لا تترجم إلى معرفة إعلامية جديدة بين الصحفيين.

فمثلما يطرح المركز الدولي للصحفيين في تقرير بعنوان "حالة التقنية في الصحافة العالمية" لا الصحفيين في تركيا ولا ملاك وسائل الإعلام يملكون الشغف الكافي لتطوير مهارات معرفية إعلامية جديدة.

وباستثناء قلة من المراسلين، من صحيفة جمهوريت على سبيل المثال، الذين أعدوا تقارير عن غسل الأموال في بنما وشركات ما وراء البحار، فإن معظم الصحفيين لا يملكون القدرة على إعداد بيانات أو القيام بأبحاث. ففي طرق عرض البيانات الرقمية أو إنتاج الفيديو لوسائل التواصل الاجتماعي فإن وسائل الإعلام التركية تأتي متأخرة وراء منصات إعلامية كالجزيرة و(بي.بي.سي) والجارديان.

واللغة أيضا عائق لكثيرين بالتأكيد إذ لا تزال إجادة اللغة الإنجليزية مهارة لا يمتلكها كثيرون ويتسبب هذا في إضعاف قدرتهم على الاطلاع على النقاشات أو المصادر العالمية.

وبينما لتركيا مشاكلها الخاصة فمن الخطأ اعتبار أن أزمة الصحافة في تركيا فريدة أيضا أو أن مشاكلها قد تحل بتغيير سياسي حاد في البلاد.

هناك كثير من الأمور المشتركة بين الصحفيين الأتراك وأقرانهم في الخارج وليس القمع السياسي سوى طبقة واحدة من معاناتهم.. لكن هذا لا يجب أن  يوقفنا عن مناقشة الأزمات السياسية والتقنية والفكرية للصحافة في تركيا.

يمكن قراءة المقال باللغة التركية ايضا: