الصراع الداخلي يعصف بحزب الشعب الجمهوري

رغم اقتراب الـ22 فبراير الجاري، موعد تسليم قائمة المرشحين المؤقتة لمجلس الانتخابات الأعلى، لخوض الانتخابات البلدية في تركيا، إلا أن الاستقالات التي يشهدها حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، جراء الخلاف في تحديد أسماء المرشحين، تتواصل دون توقف. مع ذلك فإنه لا يزال هناك متسع من الوقت أمام الحزب ورئيسه كمال كليجدار أوغلو لتصحيح بعض الأخطاء القاتلة حتى تسليم القوائم النهائية في الثالث من مارس المقبل.
كانت لجنة الإدارة المركزية لحزب الشعب الجمهوري قامت بتصفية داخلية شاملة طالت مسؤولي شعب الحزب بالمدن المختلفة ممّن دعموا محرم إينجه، مرشح الحزب في الانتخابات الرئاسية السابقة أمام أردوغان، حين طالب بعقد مؤتمر عام استثنائي لانتخاب رئيس جديد للحزب. لكن لما زعمت إدارة الحزب عدم جمْع تواقيع كافية لعقد المؤتمر دافع مؤيدو إينجه عن أن التواقيع كانت كافية، بل تجاوزت العدد المطلوب، إلا أن بعضًا من مندوبي الحزب تراجعوا عن التوقيع بعدما حصلوا على تعهدات بترشيحهم لرئاسة البلديات أو عضوية مجالس البلديات. 
ومع أن إدارة الحزب نفت في ذلك الوقت صحة هذه الادعاءات، غير أن المواقف التي تتخذها الإدارة حاليًّا في عملية تحديد المرشحين لرئاسات البلديات ومجالسها تكشف عن حقيقة الأمر؛ حيث تتجنب ترشيح أي اسم ثبتت مساندته لمحرم إيجه، إن استثنينا النائب البرلماني تاجو أوزجان الذي رشّحته لرئاسة بلدية مدينة بولو غرب تركيا.  
رئيس بلدية كيركلاريلي الحالي محمد سيام كسيم أوغلو أصبح آخر ضحايا التصفية بسبب إينجه، ما دفعه إلى إعلان استقالته من حزبه، رغم أنه شغل مناصب مهمة داخل الحزب لسنوات عديدة. وذلك رغم أنه استطاع الدخول إلى البرلمان من صفوف حزبه بعد أن رشّحه كليجدار أوغلو في الانتخابات التشريعية عام 2011، ثم فاز برئاسة بلدية كيركلاريلي عام 2014 بطلبٍ وتوظيفٍ من كليجدار أوغلو كذلك. لكنه ساند حملة إينجه الداعية إلى عقد مؤتمر عام استثنائي لانتخاب رئيس جديد للحزب، الأمر الذي تسبب في صدور قرار بتصفيته عقب اجتماعٍ عُقد في 27 يناير الفائت واستمر 18 ساعة. وذلك مع أنه كان يحظى بحبّ ودعم كبير من أهالي كيركلاريلي بفضل خدماته. لذا عند عودته إلى المدينة من أنقرة قابله آلاف من محبيه.
وقد رفض كسيم أوغلو القرار معلنًا عن استقالته من حزبه خلال مؤتمر صحفي، وأكد أنه تعرض للتصفية بسبب وقوفه إلى جانب إينجه، وأن حزبه لن يفوز برئاسة بلدية كيركلاريلي في حال عدم التراجع عن ترشيح تونا سويكان بدلاً من نفسه. ولفت أيضًا إلى أن همّه الوحيد هو استغلال التجارب التي كسبها خلال السنوات الماضية في سبيل تقديم خدماتٍ للشعب، وأنه لم يكن قطّ طيلة حياته السياسية عنصرًا يسعى إلى إحداث شرخ أو صدع في صفوف حزبه. 
واعتبر بعض المراقبين هذه التصريحات مؤشرات على احتمالية أن يتجه كسيم أوغلو إلى خوض غمار الانتخابات كمرشح مستقل. 
مثال آخر.. كان أردال آكسنوجر، نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري السابق، يأتي في مقدمة صفوف الأسماء الداعمة لمحرم إينجه والناشطة لصالح حملته المذكورة أيضًا. وهو كذلك تعرض للتصفية من قبل كليجدار أوغلو، على الرغم من أن أعضاء لجنة الإدارة المركزية للحزب رشّحوه رئيسًا لبلدية بايراقلي بمدينة إزمير غرب تركيا. لكن آكسنوجر أعلن تراجعه عن الترشح بعد رفض الرئيس العام كليجدار أوغلو. وبعد النقاش الدائر بين أعضاء إدارة الحزب حول اسم أردال آكسنوجر، طلب كليجدار أوغلو منهم تفويضًا كاملاً في تحديد أسماء المرشحين. 
والاسم الآخر الذي لم يستطع أن ينضمّ إلى قائمة المرشحين بسبب دعمه لمحرم إينجه هو طاهر شاهين، رئيس بلدية مَنَمان الراهن في إزمير أيضًا. 
وأصبحت مدينة موغلا من المدن التي تلقى فيها مؤيدو محرم إينجه ضربة موجعة. حيث أعلن محمد كوجادان، رئيس بلدية بودروم الحالي استقالته من حزبه عقب إحجام كليجدار أوغلو عن إعادة ترشيحه لرئاسة بلدية بودروم أو بلدية موغلا الكبرى. ومن المنتظر أن ينضمّ كوجادان إلى صفوف حزب اليسار الديمقراطي أو الحزب الديمقراطي. 
وكذلك انضم رئيس بلدية مرمريس الحالي علي أجار، مع جميع المسؤولين المحليين في بلدته، إلى طابور المستقلين من الحزب الجمهوري، بعد بقائه خارج قائمة المرشحين. 
وهذه القائمة تطول، خاصة إذا ذكرنا البلدات التي تعتبر "قلاعًا" للحزب الجمهوري في مدينة إسطنبول، مثل قاضي كوي وكارتال وسلفري وغيرها. 
وإذا علمنا أن الصراع الداخلي لا يقتصر على رئاسة البلديات بل تشمل المرشحين لعضوية مجالس البلديات أيضًا، بالإضافة إلى غياب التوافق حول الأسماء الجديدة المرشحة من قبل إدارة الحزب، فإن نطاق الصراع الداخلي في الحزب مرشح للاتساع كلما اقترب موعد الانتخابات المحلية.      
من جانبه، احتجّ نائب الرئيس السابق للحزب الجمهوري غورسل تكين على طريقة إدارة الحزب في تحديد المرشحين، حيث نوّه بأن اختيار الأسماء يتمّ على ضوء علاقات المرشحين مع قمة هرم الحزب بعيدًا عن الدراسات الميدانية واستطلاعات الرأي ومبدأ الأهلية والجدارة، مشددًا على أن هذا الأمر قد يؤدي بالحزب إلى الخسارة حتى في تلك المدن والبلدات التي يحصل فيها على نسبة أصوات مرتفعة. 
أما محرم إينجه فرجّح السكوت على التصفيات التي يتعرض لها مؤيدوه، بل استمر في إجراء زيارات لدعم مرشحي حزبه. لكن بلغ السيل الزبى عندما وصلت التصفيات إلى رؤساء بلديات مهمة في إسطنبول وإزمير وكيركلاريلي، فحينها بدأ ينتقد إدارة الحزب قائلاً: "أخطاء لجنة إدارة الحزب المركزية تجاوزت حجم جبل آغري! أنا أعرف كل هذه الأمور، لكني أسكت. ذلك أن ديدني هو السعي للحصول على مزيد من الأصوات ولو كان واحدًا. لا بد أن تبقى النقاشات داخل الحزب وألاّ تنتقل إلى الشارع، وأنصح زملائي غير المرشحين أن لا يتركوا مواقفهم في الحزب وينضمّوا إلى أحزاب أخرى." 
غير أنه يبدو أن رسالة إينجه لم تصل إلى مخاطبيه، حيث لا تزال هناك انتقالات جديدة من الحزب الجمهوري إلى أحزاب أخرى، وعلى رأسها حزب اليسار الديمقراطي والحزب الديمقراطي. 
وقال النائب السابق للحزب الجمهوري من مدينة إزمير مصطفى بالباي إن هذا الصراع العائلي داخل الحزب الجمهوري يمثل خطورة كبيرة ستؤثر سلبًا على نتائج الانتخابات المحلية. وأعاد للأذهان أن حزبهم ارتكب أخطاءً مماثلة في انتخابات 1994 البلدية أيضًا فتحت الطريق أمام حزب العدالة والتنمية للوصول إلى سدة الحكم في البلاد في 2002، ودعا أعضاء الإدارة المركزية للحزب إلى العودة من الخطأ لكي لا يحزنوا جميعًا إذا ما خسروا البلديات بفوارق طفيفة. 
انتقد بالباي أيضًا فشل حزبه في عقد تحالف مع حزب اليسار الديمقراطي، مع أنه أجرى حوارات للتحالف مع كل الأحزاب المعارضة للحزب الحاكم، بما فيها الأحزاب اليمينية، ثمّ عقّب قائلاً: "قد تكون تكلفة الاقتراب من اليمين والابتعاد عن اليسار باهظة لحزب الشعب الجمهوري. لذا ينبغي عليه أن يفكّر مرة أخرى في مواقفه."

يمكن قراءة المقال باللغة التركية على هذا الرابط:

https://ahvalnews.com/tr/yerel-secimler/ustu-cizilen-inceci-baskanlarin-isyani-chpye-pek-cok-yerde-kil-payi-kaybettirebilir
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.