نوفمبر 14 2017

الصراع السوري .. أردوغان يحيك "عملاً مشعوذاً" في إدلب

ظلت الأولوية الاستراتيجية للحكومة التركية في سوريا هي منع تشكيل ممر كردي على طول حدودها الجنوبية التي يحكمها حزب الاتحاد الديمقراطي، التابع لحزب العمال الكردستاني الذي حاربته تركيا على مدار 30 عاماً.

عندما دخل الجيش التركي الشهر الماضي إلى محافظة إدلب بشمال غربي سوريا، التي تقع تحت سيطرة المجاميع الإرهابية المتشددة مثل "هيئة تحرير الشام" وقوات المعارضة، افترض الكثيرون أن هدف تركيا الرئيسي هو عزل محافظة عفرين التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي. ومع ذلك هناك أسباب أكبر من مجرد المخاوف الأمنية الوطنية التي سعادت على تورط تركيا في إدلب.

فمنذ عام 2016، اتخذت أنقرة العديد من الخطوات التي أغضبت وأثارت استياء الجماعات الإسلامية التركية، منها محاولات التقرب إلى إسرائيل وروسيا، وأيضاً عدم بذل المزيد من الجهد لمنع القوات الحكومية السورية من الاستيلاء على مدينة حلب الشمالية في ديسمبر من العام الماضي.

وعلى الرغم من احتجاج هذه الجماعات بشأن الضربات الجوية الروسية في إدلب، إلا أنها امتنعت عن انتقاد سياسات حكومتها الخاصة بشكل علني. وانتقدت هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات، وهي المنظمة غيرالحكومية الأبرز في تركيا، حكومة حزب العدالة والتنمية. لكن الأمور لم تسير بعدها بشكل جيد، واضطرت الهيئة كنتيجة لذلك إلى سحب بيان عام.

كما أن هناك مثال آخر على مثل هذه الجماعات، مثل الداعية السلفي محمد باماك، الذي اعتقل في مارس 2017، بعد أن اندلع شجار خلال إحدى محاضراته حول أخلاق الوجود العسكري التركي في سوريا. وهناك أيضا تقارير تشير إلى أن أنقرة قد تسعى إلى التقارب مع دمشق، وهو الشئ الذي لا يمكن أن يرضى عنه الإسلاميين الأتراك.

تم استثمار الإسلاميين الأتراك منذ البداية في هدف الثورة السورية المتمثل في الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد من السلطة. وفي الوقت الذي اعتمد فيه أردوغان عدة تحولات جذرية في السياسة التركية، إلا أن أي تحول بشأن الموقف تجاه الأسد من الممكن أن يُتخذ ضده.

فقد أصبح أردوغان محاصراً محلياً منذ عام 2013. وقد تأتي ضربة أخرى لشعبيته قبل انتخابات 2019 لتكون القاضية التي لا يمكن لأي رجل حديدي سياسي أن يتعامل معها.

كما أنه ليس جديداً على تركيا أن تخبر شعبها المحلي بشئ وتخبر المجتمع الدولي بشئ آخر. ولكن لحسن الحظ، يبدو أن روسيا، بين حلفاء تركيا، لديها القدرة الغريبة على سماع ما تود تركيا أن تقوله.

وبغض النظر عن النقاش الدائر حول صحة افتراض أن جماعة "هيئة تحرير الشام" هي جزء من تنظيم القاعدة من عدمه، جعلت أنقرة من هذه الجماعة هدفاً معادياً مشروعاً في محادثات السلام الأولى التي عقدت في أستانا في يناير 2017.

وفي شهر أغسطس الماضي، أقر المعلق نجيهان ألشي، المؤيد للحكومة، بأن جماعة "هيئة تحرير الشام" هي "الجناح السوري لتنظيم القاعدة" في أغسطس الماضي. وقد نشرت "سيتا"، مؤسسة بحثية معروفة بصلاتها بالحكومة التركية، تقريراً مطولا وافق على الفرضية القائلة بأن جماعة " هيئة تحرير الشام" ماهي إلا امتداد لجبهة النصرة، فرع تنظيم القاعدة السوري.

كما وصف أردوغان قبل أيام قليلة جبهة النصرة بأنها "عنصر إرهابي". ولكن الشئ غير المنطقي الذي تمارسه دولة عضو في حلف شمال الأطلسي هو السماح لقواتها العسكرية بأن ترافقها جماعة "هيئة تحرير الشام". والبديهي أنه ليس بسبب المودة التي تحملها أنقرة لجماعة " هيئة تحرير الشام" أن أنقرة تتجنب الصراع في إدلب، وإنما لأن أي حرب من شأنها أن تؤدي إلى نزوح أعداد كبيرة من الشعب السوري إلى تركيا، التي لم تعد قادرة على استيعاب تلك الأعداد في الوقت الحالي.

وقد قدر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن عدد سكان إدلب يزيد عن مليوني نسمة، في حين أن تقديرات الهلال الأحمر التركي تؤكد على تضاعف هذا العدد. وأيا كانت الحقيقة، ففي النهاية لن تستطيع تركيا تحمل أو السماح بتدفق مئات الآلاف من اللاجئين عبر حدودها. فعلى سبيل المثال لا تستضيف محافظة هاتاي المجاورة بالفعل أكثر من 400 ألف سوري فقط، بل هي أيضاً واحدة من المحافظات الأكثر حساسية في تركيا بسبب تكوينها العرقي والديني الفريد من نوعه.
ومع التراجع الاقتصادي وتزايد الخطاب القومي، شهدت الست أشهر الأولى في عام 2017 عدداً غير مسبوق من الحوادث التي تستهدف اللاجئين في أنحاء عديدة من تركيا. فقد قيل للشعب التركي على مدى سنوات مضت أن السوريين ما هم إلا ضيوف ولم يعلموا حقاً أنهم سيصبحوا سكاناً دائمين في تركيا. لذلك بدأ الأتراك يفقدون صبرهم. وعلى الرغم من عدد التقارير التي نشرت حول الفائدة التي يجلبها السوريون للاقتصاد التركي، إلا أن أعدادهم تزداد بشكل غير مقنع. وهنا تكمن اعتبارات حزب العدالة والتنمية الحاكم، وهي أن الحزب لا يستطيع أن يفقد المزيد من الدعم في الفترة التي تسبق عام 2019.

ومع ذلك، هناك ما يفوق الاعتبارات الانتخابية. فقد عانت تركيا من عدد كبير من الهجمات الإرهابية المدمرة في السنوات القليلة الماضية. ومنذ مارس 2015، عملت أنقرة باستمرار على تشديد أمن الحدود. كما أنه لا توجد طريقة فعالة تستطيع أنقرة من خلالها أن تستخرج المجموعات الإرهابية التي تندس في أعداد اللاجئين المتدفقة عبر الحدود التركية. وهذا أمر أمني هام جداً يتنساه العالم الإنساني في كثير من الأحيان عند الدعوة إلى فتح الحدود الدولية.

وتتبع أنقرة سياسة إبقاء اللاجئين السوريين في بلادهم منذ أواخر عام 2015. ومن الأمثلة الواضحة على هذه السياسة في فبراير 2016، عندما تجمع حوالي 70 ألف سوري مشرد على طول الحدود في شمال حلب. وبدلا من قبولهم في الأراضي التركية، قامت أنقرة ببناء مخيمات لهم داخل سوريا.

تتصرف أنقرة وفقا لمصالحها الخاصة من خلال نشر قواتها العسكرية في إدلب لمنع تقدم حزب الاتحاد الديمقراطي في عفرين وسيطرته على الأراضي، وأيضاً من خلال الحفاظ على مظاهر الاستقرار في إدلب لمنع تدفق أعداد اللاجئين السوريين إلى تركيا. وبين الحفاظ على الشعبية الانتخابية في الداخل، وإقامة التحالفات مع دول أخرى أمثال روسيا وإيران، وأيضاً التعامل مع الانتقاد الدولي بسبب تفاعل الحكومة التركية مع "هيئة تحرير الشام"، يبدو أن تركيا تحيك الآن عملاً مشعوذاً خطيراً قد يضر في النهاية بصالحها العام.  

يمكن قراءة المقال بالانكليزي ايضا: