"العاطفة" لباتريك كيدي.. تاريخ تركيا وراهنها من بوابة كرة القدم

تعد أيام المباريات الكبرى في تركيا مناسبات تتجاوز الحدث الرياضي، فالتوتر يهيمن على المدينة التي تستضيف المباراة، ويتصاعد رويدا رويدا ليتحول إلى حماس جامح عندما تأخذ الجماهير مواقعها في الاستادات، والحانات، وفي الشوارع في أرجاء البلدة، قبيل انطلاق ضربة البداية. ويرسم المشجعون المتعصبون (الأُلتراس) خطط المعارك، مع استعدادهم لغزو أراضي المنافسين، أو للدفاع عن مناطقهم هم. ويخيم السكون على أحياء سكنية بأكملها مع انطلاق المباراة، إلى أن تخرقه صيحات الاستهجان، أو الغضب، أو التهليل أثناء المباراة. وبعد أن يطلق الحكم صفارة النهاية، يمزق الجمهور المنتصر هدوء الليل بإطلاق العنان لأبواق السيارات، أو الأهازيج، أو حتى بإطلاق النار في الهواء على سبيل الاحتفال. 
وسواء أكنت مهتما بكرة القدم أم لا، من الصعب ألا تشعر بإثارة ضجيج يوم المباراة، أو بالعاطفة الجياشة تجاه الرياضة التي توحد مجتمعا موغلا في الاستقطاب مثل تركيا. 
كانت تلك الجاذبية هي ما أغرى الصحفي باتريك كيدي بالانتقال من القاهرة إلى إسطنبول في 2015 وبدء العمل في كتاب "العاطفة". ويقول "كلما زادت معرفتي، اكتشفت أكثر أن كرة القدم التركية مفعمة بالدراما، والصراعات والرؤى الثاقبة التي تتجاوز حدود الرياضة. أدركت أن بوسعي كتابة قصة عن تركيا الحديثة من خلال كرة القدم."
ولكي يحقق ذلك، يحول كيدي تركيزه بشكل متكرر ليسبر أغوار مرحلة أو أخرى من تاريخ تركيا، وذلك بداية من أواخر العهد العثماني عندما كانت فرق من غير المسلمين هي أول مَن مارس تلك الرياضة بشكل منتظم في الإمبراطورية المتداعية، وصولا إلى المخططات الانقلابية، والفساد، والإرهاب الذي ضرب الدولة المجنونة بكرة القدم في السنوات القليلة الماضية. وبالنسبة لكتاب غير متخصص، تغطي تلك التفاصيل التاريخية مساحة شاملة، كما أن الخطوط المرسومة الواصلة بين الرياضة وكثير من الأحداث المهمة في هذا البلد تؤكد فرضية كيدي، وهي أن "الطاقة والتوترات التي تشكل الحياة السياسية والهوية والمجتمع في تركيا تتجلى في كرة القدم". 

غلاف كتاب "العاطفة" لباتريك كيدي.
غلاف كتاب "العاطفة" لباتريك كيدي.

تجول بنا فصول "العاطفة" العشرة عبر أفكار عريضة تستكشف تلك الفرضية الأساسية، وتتراوح بين التلاعب في المباريات ونظريات المؤامرة السياسية إلى حقوق مجتمع المثليين ومزدوجي الجنس والمتحولين جنسيا في تركيا. ويقود فحص تلك  الأفكار كيدي إلى الاستطراد إلى أي شيء من النزعة القومية التركية، مرورا عبر التخطيط العمراني، إلى الخدمة العسكرية، مبحرا بالقارئ عبر مؤسسات وعوامل ديناميكية ضرورية لفهم البلد.
ولا يوجد مجال يذكر للخوض في مثل هذا الكم الكبير من الموضوعات بعمق أكبر، كما أن القفز المتكرر من موضوع إلى آخر يؤدي في بعض الأحيان إلى تفتت الرواية. ووضع كيدي كما وفيرا من التفاصيل الجذابة -  حيث يعود إلى الوراء حتى رياضات في وسط آسيا عمرها آلاف السنين - لكن كان لهذا ثمن إلى حد ما: فعلى سبيل المثال اقتصر وصفه لتوروغوت أوزال، أحد أكثر رؤساء وزراء تركيا شعبية، على كونه "رجلا قصيرا له شارب".
ومع ذلك، فقد انطلق كيدي لتقديم نظرة عامة حول تركيا من خلال عدسات كرة القدم، وهو يفعل ذلك، في أقل من 300 صفحة، بوضوح لافت للنظر. وإذا تركنا كرة القدم جانبا، فإن "العاطفة" جدير بسهولة بأن يكون مقدمة سريعة، وممتعة، حول تركيا لأي شخص مستجد على الحالة الحديثة للبلاد؛ المعقدة لدرجة الجنون والمسببة للهوس.

من مشجعي نادي فناربخشة التركي.

كل هذا علاوة على العنصر الذي ينافس بقوة على صدارة أكثر محتويات الكتاب قيمة: إنها المقابلات الكثيرة والمتنوعة التي تتضمن موضوعات من الأُلتراس إلى المشجعين، والحكام، والمتخصصين في علم الإنسان (الأنثروبولوجي)، والسياسيين، ولاعبات كرة القدم النسائية في مناطق يعتبر فيها حبهم للرياضة خطيئة. ويضيف كلامهم عمقا لهذا الاستكشاف لتاريخ تركيا وثقافتها، كما أنه ينشط المحور الأساسي للكتاب: وهو كرة القدم.
وتوضح بعض تلك المقابلات جيدا الانفعالات القوية على نحو سخيف للمشجع المتعصب مثل عضو الأُلتراس الذي يعلن أنه يعلم الجيل الجديد "أن يكره فناربخشة أكثر"، ويربون أبناءهم على كراهية فناربخشة كسبيل لتعزيز الشغف بغلطة سراي.

كواريزما

والبعض الآخر منها مثير للمشاعر- ومنها مقابلة مع لاعب كرة القدم السوري اللاجئ الذي يتساءل عما إذا كانت الثورة تستحق كل هذا العناء، أو الحكم المثلي الذي يصف المحنة التي مر بها عندما تم منعه من التحكيم بسبب ميوله الجنسية، والتي كشف عنها الإعلام لحشود طائشة ومناهضة للمثلية من مشجعي كرة القدم. 
وأسلوب الكتابة واضح وجذاب طوال الوقت، ويحافظ كيدي على الزخم كلما غير محور التركيز من خلال الاستعانة بالدعابة. كما يستخدم أيضا جانبا من اللغة الوصفية المدهشة - ولعل أفضل مثال على ذلك وصفه لعزيز يلدريم رئيس نادي فناربخشة بأنه "(يبدو) كمدير بنك مشبع بالهواء يوشك أن ينفجر غضبا."
ويمزج باتريك كيدي بين دراما كرة القدم التركية وقصة تركيا الحديثة الأكثر درامية في "العاطفة"، فشغف الكاتب نفسه بموضوعه واضح طوال الوقت في عمله الممتع للغاية، والواسع النطاق بشكل مبهر، والذي يستحق الاهتمام من متابعي كرة القدم، ومن متابعي تركيا على حد سواء.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/football/book-review-passion-patrick-keddie