مارك بنتلي
مارس 05 2018

العجز ينهش الاقتصاد التركي.. أنقرة تعض اليد التي تطعمها

فيما تتزايد المخاوف بشأن تضخم العجز في الحساب الجاري التركي، تعض أنقرة اليد التي تمتد بالعون إلى اقتصادها الهش.
ففي خضم المتاعب التي يمر بها القطاع الاقتصادي في تركيا، تقول حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان إن أوروبا ليس بوسعها التخلي عن تركيا، وهو ادعاء تكرر من جانب وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو في مقال له نشرته صحيفة "دايلي تلجراف" يوم الجمعة، لكن الحقيقة هي أن تركيا تبالغ في تقدير قدراتها وتحتاج أوروبا أكثر بكثير من حاجة الأخيرة إليها.
فخلال العام الماضي، انهال أردوغان بسيل من الانتقادات على قادة أوروبا وصلت إلى حد توجيه اتهامات إلى ألمانيا وهولندا باتباع سياسات تشبه "ممارسات النازية". ورغم ذلك، استمرت أوروبا في كونها صاحبة أكبر حصة من الاستثمارات في الاقتصاد التركي، في ذات الوقت الذي يحتاج فيه أردوغان إلى كل ليرة إضافية لدعم الأوضاع الاقتصادية المتداعية مؤخرا.
وكشفت بيانات مروعة نُشرت يوم الاثنين أن العجز التجاري في تركيا مع بقية دول العالم (حجم الفارق بين الواردات والصادرات) تضاعف إلى المثلين تقريبا في شهر يناير مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي ليسجل 9 مليارات دولار. ودفعت هذه الأرقام مؤسسة "آسيا أنهيدجد"، المتخصصة في تحليل اتجاهات السوق والاقتصاد بصفة عامة، للتحذير من أن الوضع أصبح خارج السيطرة وللتساؤل عن سبب عدم انخفاض قيمة الليرة بعد حتى الآن.
وزاد أردوغان الطين بلة عبر محاولته إعادة تنشيط الاقتصاد من خلال التخفيضات الضريبية وتقديم قروض بأسعار فائدة منخفضة ليساهم في تزايد الخلل في الميزان التجاري التركي، وهو ما يشكل السبب الرئيسي في اتساع عجز الحساب الجاري وتحول السوق التركي إلى ثقب أسود يبتلع كل ما يأتيه من السلع ومواد الإنتاج المستوردة.
ولتجنب الاضطرار إلى إصلاح مفاجئ لليرة وما قد يترتب على ذلك من ركود اقتصادي، يتعين سد العجز في الحساب الجاري عبر تدفقات من رؤوس الأموال الأجنبية. ويأتي كل هذا في الوقت الذي يسعى فيه أردوغان إلى الفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة لحسم التحول إلى النظام الرئاسي الكامل بعد أن وافقت عليه أغلبية المصوتين في استفتاء عام شهد الكثير من الجدل العام الماضي.

رسم بياني

ولعله جدير بنا أن ندق ناقوس الخطر بشأن اقتراب الاقتصاد التركي من نقطة الانهيار، أو بعبارة أخرى، اتجاهه إلى ما يصفه الخبراء الاقتصاديون بـ"فرط النشاط الاقتصادي"، خاصة وأن تركيا تعتمد بشكل كبير الآن - في ظل استمرار معدلات الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الانخفاض - على التدفقات الأجنبية قصيرة الأجل الداخلة كاستثمارات على هيئة مشتريات للأسهم والسندات، وذلك بهدف الحفاظ على معدلات النمو ومنع انهيار قيمة الليرة.
وأدت أزمة سياسية مع الولايات المتحدة إلى تراجع حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة القادمة عبر المحيط الأطلسي إلى 171 مليون دولار في عام 2017، مقارنة بـ 338 مليون دولار قبلها بعام. وقد وصلت الاستثمارات الأميركية في تركيا إلى أعلى مستوياتها في عام 2007 إذ بلغت قيمتها آنذاك 4.2 مليار دولار.
وجعل ذلك من أوروبا المصدر الرئيسي للتدفقات النقدية التي يحتاج إليها الاقتصاد التركي بشدة للبقاء صامدا، حيث ضخت القارة العجوز 5 مليارات دولار في الاقتصاد التركي على مدار العام الماضي فقط، أي أكثر من ثلثي إجمالي التدفقات الداخلة التي توقفت عند 7.4 مليار دولار.
ومن ثم، حاول أردوغان التقرب من الاتحاد الأوروبي منذ بداية عام 2017.
وبعدها بعام تقريبا، كتب مولود جاويش أوغلو في مقاله في صحيفة "دايلي تلجراف" أن عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي "تعود بالفائدة على الجميع، لكن الاتحاد الأوروبي، وليس تركيا، هو من يتحكم بسرعة الخطوات التي تقودنا إلى العضوية."
وربما كان اختيار جاويش أوغلو لصحيفة "دايلي تلجراف" من أجل نشر هذا المقال خيارا خاطئا نظرا لموقفها المؤيد لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وقصر معظم محتواها المقروء على الإنترنت على مشتركيها، لكن عنوان المقال أيضا جانبه الصواب.
فوزير الخارجية عنون مقاله "حان الوقت لدحض الخرافات بشأن تركيا. أوروبا ليس بوسعها التحرك من دون تركيا" ومضى تحت هذا العنوان ليقول إن أوروبا – بدون تركيا – ستصبح ضعيفة ومعرضة للخطر وإن تركيا من شأنها أن تكون سندا للتكتل الأوروبي "بفضل اقتصادها الذي ينمو بمستويات يتمنى أي بلد أوروبي بلوغها."
وقد يعود هذا الموقف إلى الفتور الذي أبداه قادة أوروبا تجاه اهتمام تركيا المتجدد والمفتعل نوعا ما بمحاولة تنشيط العلاقات مع الاتحاد الأوروبي.
فخلال زيارة أردوغان إلى باريس في يناير الماضي، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صراحة إن الوقت قد حان لوضع حد للنفاق في التظاهر بأن ثمة إمكانية لتحقيق تقدم في مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، مذكرا بتدهور أوضاع حقوق الإنسان بشكل مستمر منذ أن فرض أردوغان حالة الطوارئ بعد محاولة انقلاب فاشلة في يوليو 2016.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستقبل أردوغان في باريس
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستقبل أردوغان في باريس

وقال مفوض حقوق الإنسان التابع لمجلس أوروبا نيلز ميزنيكس للصحفيين يوم الخميس إن اتفاقية اللاجئين المبرمة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا التي استخدمها أردوغان كورقة للمساومة في علاقاته مع بروكسل عفا عليها الزمن عمليا، وأضاف أن الدول الأوروبية شددت إجراءاتها الأمنية على طول المسارات التي يستخدمها المهاجرون، فيما أصبحت الأوضاع في المخيمات اليونانية سيئة للغاية لدرجة أن معظم المهاجرين باتوا يعزفون عن القيام بهذه الرحلة.
ولكن بدلا من طرق أبواب أخرى لتعزيز الروابط بين أنقرة وبروكسل، مثل السعي إلى تعزيز اتفاقية الاتحاد الجمركي وهو ما من شأنه أن يفيد الاقتصاد التركي ويجذب المزيد من الاستثمارات، يصر أردوغان على أنه لن يقبل بأقل من العضوية الكاملة.
وفي غضون ذلك، فإن تطور العلاقات مؤخرا بين أنقرة وأقرب حلفائها روسيا وقطر لم يسفر عن أي مردود ملموس يمكن أن يساعد الحكومة على معالجة نقاط الضعف الرئيسية في الاقتصاد المحلي، فمعظم المشروعات الضخمة التي تنفذها تركيا في كلا البلدين ينحصر في صناعة البناء والتشييد، وأغلب المواد المستخدمة في هذه المشاريع متوفرة محليا.
وبحسب بيانات البنك المركزي حول عجز الحساب الجاري، فإن الشركات الروسية استثمرت ما يصل مجموعه إلى 4 ملايين دولار فقط في تركيا العام الماضي، بواقع مليوني دولار في أكتوبر ومليوني دولار في نوفمبر.
كما انخفضت تدفقات الاستثمارات القطرية من 420 مليون دولار في عام 2016 إلى 100 مليون دولار فقط في عام 2017، وهو مبلغ لا يتخطى نسبة 0.055 في المئة من الاستثمارات الآتية من هولندا، وهي أكبر بلد يساهم في الحد من العجز التجاري في تركيا برأس مال بلغ 1.8 مليار دولار، أما إسبانيا فاستثمرت في تركيا 1.45 مليار دولار، وهو مبلغ يعود معظمه إلى صفقة أبرمها بنك (بي.بي.في.إيه) لزيادة حصته في بنك الضمان التركي، أحد كبار البنوك التركية في مجال الإقراض. 
كما أن مشاعر الحب الواضحة التي يكنها أردوغان لأفريقيا لم تحقق سوى عائد ضئيل من حيث التبادل التجاري، فتركيا سجلت فائضا هامشيا للغاية مع القارة في يناير الماضي. وفضلا عن ذلك، بلغت الاستثمارات الأفريقية في تركيا 43 مليون دولار في عام 2017، من بينهم 41 مليون دولار من موريشيوس. أما المبلغ المتبقي وقدره مليونا دولار فقد استثمرته شركات من مصر التي قطع أردوغان علاقاته الدبلوماسية معها منذ 2013 بعدما تمت الإطاحة بمحمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين من منصب الرئيس.
ولا يساهم أردوغان كذلك في تلطيف الأجواء مع جيران تركيا نفسها فتجده يتعمد استفزاز اليونان، تارة من خلال إثارة النزاع على الحقوق الإقليمية للجزر في بحر إيجة، وتارة أخرى عبر المطالبة بحصة من اكتشافات الغاز قبالة شواطئ قبرص المقسمة على أساس عرقي.
وفي ديسمبر الماضي، وتحديدا عشية زيارة لأثينا كانت وسائل الإعلام التركية تصفها بأنها علامة فارقة في العلاقات بين البلدين، أثار أردوغان لأسباب يتعذر تفسيرها مسألة إعادة ترسيم الحدود في بحر إيجة التي كانت رسمتها معاهدات تعود إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى. وبعد أن جاء رد أثينا سريعا بالرفض، تصاعدت التوترات العسكرية في المياه المتنازع عليها قبالة الساحل الغربي لتركيا، حيث اصطدم زورق دورية تركي بسفينة تابعة لخفر السواحل اليوناني في 12 فبراير بعدما أحاطت سفن من كلا الجانبين بمجموعة الجزر المتنازع عليها. وفي الأسبوع الماضي، اعتقلت تركيا جنديين يونانيين ضلا طريقهما بالقرب من حدودها الشمالية الغربية واتهمتهما بالتجسس.

قارب تركي قبالة شاطئ جزيرة متنازع عليها في بحر إيجة
قارب تركي قبالة شاطئ جزيرة متنازع عليها في بحر إيجة

وبطبيعة الحال، لم تضخ اليونان التي لا تزال تعاني من ضائقة اقتصادية، أي استثمارات في تركيا العام الماضي. لكن لم يمض وقت طويل منذ أن كانت الشركات اليونانية تصب رؤوس أموالها في تركيا حتى وصلت الاستثمارات اليونانية في عام 2007 إلى 2.4 مليار دولار.
ومع منع تركيا لقبرص الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي من التنقيب عن الغاز في البحر المتوسط، تثبت التوترات السياسية مع أثينا أن لها عواقب أوسع على العلاقات التركية مع أوروبا، وبالتالي على نظرة رجال الأعمال في أوروبا لتركيا. ولا شيء من هذا يشكل خبرا سارا بالنسبة للاقتصاد التركي.
والأرقام لا تكذب، فالعجز التجاري في تركيا وصل الآن إلى 12.5٪ من الناتج المحلي الإجمالي، بينما سجل الاقتصاد معدل نمو سنوي بلغ أكثر من 11 في المئة في الربع الثالث بفضل التدابير التحفيزية التي اتخذها أردوغان مثل رفع أسعار الفائدة، وفي ظل غياب الإرادة السياسية لاتخاذ خطوات لإبطاء الاقتصاد قليلا، يبدو الوضع في غاية الخطورة.
وكما أشارت مؤسسة "آسيا أنهيدجد"، فإن العجز التجاري اليوناني وصل إلى 8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي قبل انهيار البلاد تماما في عام 2009. وفي حين يبقى الاقتصاد التركي أقوى بحكم طبيعته من نظيره اليوناني قبل عقد من الزمان، يحتاج أردوغان لاتخاذ خطوات جادة لإعادة العلاقات مع أوروبا إلى مسارها الصحيح وإصلاح صورة البلاد في دول القارة. لكن يظل من غير المحتمل حدوث طفرة كبيرة في الاستثمارات ما لم تتحسن العلاقات بشكل ملحوظ وسريع، وهو ما يتطلب من أردوغان اتخاذ إجراءات عاجلة تهدف إلى وضع حد لانزلاق تركيا إلى الحكم الاستبدادي، ومن بينها إنهاء حالة الطوارئ، وهو أمر لا يرغب في القيام به.
ومن المتوقع أن يزداد المأزق التركي سوءا مع اقتراب مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي والمصرف المركزي الأوروبي من الكشف عن إجراءات لتعزيز برنامج التحفيز المالي. ومن المقرر أن تسفر هذه الإجراءات، التي من المقرر أن تخرج إلى النور هذا العام، عن سحب مبالغ كبيرة من رؤوس الأموال المستثمرة في الأسهم والسندات في الأسواق الناشئة وضخها في الأسواق الأميركية والأوروبية.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: