أحوال تركية
يونيو 04 2018

"العدالة التنمية" حوّل تركيا لدولة مارقة وأفقدها اعتبارها عالمياً

تشهد العلاقة بين تركيا، والولايات المتحدة، في الآونة الأخيرة، هدوءا حذرا يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة. وفي هذا الإطار أعد المحلل، وعضو حزب الشعب الجمهوري د. أيكان أردمير، والسفير الأميركي الأسبق في أنقرة إيريك إيدلمان تقريرا نشرته منظمة الدفاع عن الديموقراطيات. يقدِّم التقرير وصفا دقيقا للوضع الراهن في تركيا.

أجرى موقع أحوال تركيا الحوار التالي مع د. أردمير بوصفه أحد الذين شاركوا في إعداد هذا التقرير، وجاء نص الحوار على الشكل التالي:

في رأيك إلامَ يشير التلكؤ من جانب السلطات التركية في إطلاق سراح القس أندرو برونسون على الرغم من أن الرئيس الأميركي ترامب قد تدخل بشكل شخصي لإنهاء هذه الأزمة؟ وهل تتجه الولايات المتحدة الأميركية إلى اتخاذ خطوات أكثر تشددا حيال أردوغان؟

على الرغم من أن كوادر حزب العدالة والتنمية قد افتقدوا الرؤية السليمة في إدارة هذه الأزمة، إلا أنهم تحاشوا الوصول إلى هذه النقطة في الوقت الراهن. من أجل هذا لم يعد أمام حزب العدالة والتنمية طريقا آخر غير الديموقراطية التحررية، والانتصار للحريات، وحقوق الإنسان خاصة وأن أردوغان يشعر في الوقت الراهن بقلق شديد مع اقتراب موعد الانتخابات في 24 يونيو، و8 يوليو.

هل من الواقعي أن ننتظر رد فعل أميركي-أوروبي مشترك ضد تركيا في ظل سياسة الانعزالية التي يتبعها ترامب، وانغلاقه على العالم الخارجي بما فيه أوروبا؟ هل ترى ميلا لدى الإدارة الأميركية لاتخاذ خطوة كتلك؟

تتجه الدول على ضفتي الأطلسي إلى اتباع سياسات انعزالية، وقائية بشكل أكبر من أي وقت مضى. نحن نمر بفترة تراجع خلالها الوعي عبر الأطلنطي بشكل غير مسبوق، في الوقت الذي تعالت فيه أصوات الدول اليمينية، واليسارية المتشددة. 

ومن الصعب بمكان في هذه المرحلة كذلك، بل من المستحيل، إثارة رد فعل منسق عبر المحيط الأطلسي بالطريقة التي أشرنا إليها في تقرير "دبلوماسية الرهائن لدى أردوغان"؛ لأن المسألة، وكما هو الحال في العديد من المجالات السياسية الأخرى، ترتبط في الأساس بالقيادة السياسية في البلاد. 

هناك من يرى أن إنكلترا تتجه رويدا رويدا إلى شغل مكان الولايات المتحدة، في رأيك هل سيقل النفوذ الأميركي على تركيا حال ثبوت صحة هذا الطرح؟ هل يمكن لبريطانيا أن تستفيد من الحظر الذي قد تفرضه الولايات المتحدة في المستقبل (على سبيل المثال في مجال الأسلحة)؟

تنظر الحكومة البريطانية إلى تركيا باعتبارها الورقة الأخيرة التي يمكن أن تلعب بها أمام الاتحاد الأوروبي في المجالات التجارية والدبلوماسية خلال مرحلة التفاوض حول الخروج من الاتحاد الأوروبي، ويقترب الوضع في الوقت الراهن إلى البراغماتية بشكل كبير. ولكن إذا قامت الشركات، والأسواق العالمية المرتبطة بالولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي متضامنة بفرض عقوبات على تركيا فلن يكون من السهل على إنكلترا حينها أن تظل بعيدةً تماما عن هذا المسار.

في رأيك إلى أي مدى يمكن أن يؤثر حظر منح تأشيرة دخول المسؤولين الأتراك إلى الولايات المتحدة في الوقت الذي يجري فيه الحديث عن عقوبات ماغنيتسكي التي ستتضمن عقوبات كاملة، أو جزئية سيتم توقيعها على الحكومة التركية؟

أعتقد أنه سيكون من الخطأ تقييد منح التأشيرة لكافة المواطنين الأتراك، ومع هذا يمكن القول إنه في حال إقرار العقوبات ستكون هناك إجراءات من هذا القبيل. وهناك ما يشبه الإجماع على أن تكلفة أخطاء شخص ضيق الأفق لا يجب أن يدفعها 81 مليون مواطن تركي.

يجري الحديث عن أن العقوبات ستطال عددا من رجال الأعمال المقربين لحزب العدالة والتنمية. أود أن أعرف رأيك في هذا الموضوع؟

لن يكون مثيرا للدهشة أن قائمة عقوبات ماغنيتسكي الجديدة ستضم عددا من المواطنين الأتراك. وسيكون معظم هؤلاء الأشخاص ممن تورطوا في قضايا فساد، وممن لهم تاريخ سيئ في مجال حقوق الإنسان. أعتقد أن الكثير من المقربين من حزب العدالة والتنمية تنطبق عليهم هذه الصفات..

هل لديكم ما ستعلقون به على الفقرات الخاصة بتركيا في تقرير الحريات الدينية الذي ستعده وزارة الخارجية الأميركية خلال هذا العام؟

صار العالم ينظر إلى تركيا بوصفها الدولة المارقة، التي لا تطبق قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان على الشكل الأمثل. ومن المؤسف حقا أن تسجل تركيا تراجعا في مجال الحريات، والحقوق الأساسية.

وقد تسجل تركيا خلال هذه المرحلة، التي تسيطر على أردوغان خلالها هواجس حول نتائج الانتخابات، تراجعا آخر في مجال حرية الاعتقاد.

ما هي توقعات دوائر صنع القرار في العاصمة الأميركية واشنطن بخصوص الانتخابات الرئاسية في تركيا؛ هل سيستمر أردوغان وحزب العدالة والتنمية في الحكم، أم ستسير الأمور على النقيض من ذلك؟ 

ترى واشنطن أن استطلاعات الرأي التي أجريت تشير إلى أن أغلبية نواب البرلمان القادم سيكونون من بين المعارضة، وأن نتائج الانتخابات لن تُحسم من الجولة الأولى. ترى واشنطن كذلك أن الفارق سيكون ضئيل للغاية بين المرشحين في الثامن من يوليو؛ من أجل هذا يصعب التكهن الآن بهوية الفائز في هذه الانتخابات.

وإلى جانب هذه التحليلات العقلانية، هناك اعتقاد آخر يتردد بقوة في هذه الأيام مفاده أن أردوغان لا يملك خيارا آخر غير الفوز في هذه الانتخابات حتى لو وصل الأمر إلى التلاعب، أو الفوز عن طريق الغش. وفي قناعتي الشخصية أن تركيا ستشهد موجة قوية للغاية لن تجدي معها نفعا أية محاولات من جانب حزب العدالة والتنمية لتغيير نتيجة الانتخابات هذه المرة. 

دبلوماسية الرهائن: الزج برعايا غربيين في السجون التركية
دبلوماسية الرهائن: الزج برعايا غربيين في السجون التركية

ذكر تقرير "دبلوماسية الرهائن لدى أردوغان" الذي أعدته منظمة الدفاع عن الديموقراطيات، التي تتخذ من واشنطن مقرا لها، أن المعتقلين الغربيين في السجون التركية صاروا وصمة عار على جبين تركيا، وتسببوا في الحط من قدرها أمام العالم. ويشير التقرير كذلك إلى أن ما يزيد عن ثلاثين مواطن يتبعون دول غربية جرى اعتقالهم عقب محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو.

وفيما يلي عرض لأهم النقاط التي تناولها التقرير:

قامت السلطات التركية في خريف 2016 بإلقاء القبض على رجل الدين المسيحي الأميركي أندرو برونسون بعد ما يزيد عن عشرين عاما قضاها في تركيا بوصفه قسا للطائفة البروتستانتية هناك.

الآخر هو سرقان جولجا؛ كان يقضي عطلته في تركيا عندما قامت السلطات التركية كذلك بإلقاء القبض عليه في 2016. سرقان هو عالم فيزياء أميركي من أصول تركية، يعمل في وكالة ناسا لأبحاث الفضاء ضمن فريق عمل برنامج المريخ.

أسرعت السلطات التركية بإدانة الرجلين بتهمة التخطيط، والاشتراك في محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو ضد أردوغان الذي يحكم البلاد منذ 15 عاما بقبضة حديدية.

ووجه المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامِّين بعد ذلك تهمة "الانتماء إلى منظمة إرهابية" إلى المواطنين الأميركيين. وفي فبراير 2018 صدر الحكم بحبس جولجا سبع سنوات ونصف بزعم انتماءه إلى منظمة فتح الله غولن الإرهابية. 

ولم تكتفِ السلطات التركية بالنسبة إلى برونسون بتوجيه تهمة الانتماء إلى منظمة فتح الله غولن فحسب، فزادته تهمة الانتماء إلى حزب العمال الكردستاني كذلك. 

ترى أنقرة أن كلا الفريقين يشكل تهديدا للأمن القومي التركي؛ وهو أمر دأبت عليه الحكومة التركية في تعاملها مع المعارضين السياسيين؛ حيث تلصق بهم تهم الانتماء إلى واحدة من المنظمات المحظورة ويتم الزج بهم إلى السجون تحت هذا الزعم. وكان المواطنان الأميركيان مجرد شخصين بين 100000 شخصا آخر جرى اعتقالهم بعد إعلان حالة الطوارئ التي فرضت في أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة. وأصبحت الجمهورية التركية تُدار منذ ذلك الوقت بمراسيم قرارات لها سلطة القانون. وبنهاية صيف 2016 كانت السلطات في تركيا قد عزلت 150000 موظف عن عمله.

ولم يسلم الرعايا الأجانب الآخرون من التعرض لضغوط مماثلة؛ فزجوا بما يزيد عن ثلاثين من رعايا الدول الغربية إلى السجون التركية. وبحلول الأول من يونيو المقبل سيبقى ثمانية منهم الأقل في السجون. 

من أجل هذا قامت بعض الدول مثل ألمانيا، والولايات المتحدة الأميركية بتحذير مواطنيها من التوجه إلى تركيا لقضاء عطلاتهم بها، كما أثار مناخ قمع الحريات، وانتهاك حقوق الإنسان حالة من الهلع لدى المستثمرين الأوروبيين.  

وعلى صعيد آخر توترت العلاقات بين تركيا وهولندا في مارس 2017 في أعقاب الأزمة الدبلوماسية التي سبقت الانتخابات في هولندا. وكان أردوغان أيضا هو السبب وراء اندلاع هذه الأزمة خارج الحدود التركية عندما قام بإثارة الناخبين الأتراك في هولندا، ولم يكتفِ بهذا، بل قام بإلقاء القبض على أعداد من المواطنين الهولنديين في تركيا. 

ومع ذلك جاء أكثر ردود الأفعال شدة من جانب الكونغرس الأميركي. وتبع ذلك تقدم عدد كبير من أعضاء الكونغرس بطلبات من أجل توقيع عقوبات على المسؤولين الأتراك الذين تورطوا في القبض على مواطنين أميركيين بالمخالفة للقانون.

من أجل هذا ينبغي على العالم أن يتحمل مسؤوليته في تبني استراتيجية جديدة عبر الأطلسي ليس من أجل إطلاق سراح مواطني الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي فحسب، وإنما للتصدي لدبلوماسية الرهائن التي يتبعها أردوغان، ومنع حدوث أمور مماثلة مع مواطني هذه الدول.
 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: