يحيى مدرا
نوفمبر 08 2017

العقبات الهيكلية التي لا تستطيع تركيا تجاوزها

يبدو أن تركيا على وشك اتخاذ بعض القرارات الجوهرية التي قد تتسبب في حدوث تحولاً محورياً في سياستها الخارجية مع شركائها الغربيين وحلف شمال الأطلسي، وقارتي آسيا وأوروبا بشكل عام.
وعلى مختلف الأصعدة، تعيش العلاقات الآن بين تركيا والولايات المتحدة من ناحية والاتحاد الأوروبي من ناحية أخرى حالة من التوتر. ومن ضمن المفارقات أنه في أواخر شهر سبتمبر الماضي، عندما التقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في نيويورك، أطلق الأخير مقولته الشهيرة "نحن الآن صديقان وقريبان جداً أكثر من أي وقت مضى".
ومنذ ذلك الحين استضاف أردوغان الرئيس الروسي بوتين وزعيم فنزويلا نيكولا مادورو فى تركيا، كما اجتمع مع المرشد الأعلى الإيرانى آية الله علي خامنئي فى طهران، وكذلك قادة الدول التي هي على خلاف طويل مع الولايات المتحدة.
يأتي جزء كبير من هذا النشاط الدبلوماسي بسبب التطورات ذات الصلة بموقف الأكراد في العراق وسوريا، ما زاد من حدة التوتر في العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا على غرار الدعم العسكري المستمر الذي تمده واشنطن للقوات الديمقراطية السورية التي يقودها الأكراد.

ويرى الكثيرون أن مشكلة الأكراد القائمة بين الدولتين هي التي دفعت تركيا تدريجياً نحو روسيا. كما أن خطة تركيا لشراء منظومة صواريخ "إس 400" من روسيا تعمل أيضاً كمؤشر آخر على إعادة توجيه السياسة الخارجية لأنقرة.

وهناك خياراً آخراً سياسياً توشك تركيا على اتخاذه، وهو الاختيار بين النيوليبرالية او "الليبرالية الاقتصادية" وبين القومية الاقتصادية. حيث يناقش أردوغان ووزرائه وكبار مستشاريه ومختلف العناصر من مؤيدي الحكومة التصاميم التوسعية لتركيا، وضرورة الاستقلال الاقتصادي، والحاجة إلى التفاوض على اتفاقات ثنائية من شأنها أن تنوع أسواق التصدير التركية بعيدا عن الاتحاد الأوروبي، وجهة ما يقرب من نصف إجمالي صادرات تركيا، وأهمية تأسيس الاقتصاد الوطني من خلال الاستعانة بمجالات مثل البناء والطاقة والدفاع باعتبارهم يشكلون القطاعات الرائدة في تركيا.

بل إن تضخم معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي على عكس المتوقع استخدمت كأداة خطابية للانتقام من القوى الاستعمارية مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. هذا الخطاب المعادي لقوى الاستعمار بالإضافة إلى مساعي التقرب من روسيا وإيران والصين وفنزويلا يجعلنا نتساءل حول ما إذا كانت هذه الخيارات تعكس بطريقة أو بأخرى تحولاً محورياً عميقاً في تركيا.
ومع ذلك، وبالنظر إلى قصة شراء منظومة صواريخ "إس 400" من روسيا فثمة شيئاً مختلفاً يحدث هنا. حيث ترغب تركيا في شراء نظام الدفاع الصاروخي ليس فقط لتصبح قادرة على تعديل البرنامج التشغيلي الخاص به، وإنما أيضاً للحصول على خطة شاملة لتصنيعه في تركيا.

وعلى الرغم أن روسيا لا تتفق مع هذا المخطط من ناحية، إلا أنه من الناحية الأخرى فإن نظم الدفاع الصاروخية لا تعمل عادة إلا إذا كانت متوافقة مع نظام رادار. وقد أثبتت التجارب أن نظام الدفاع الصاروخي الروسي "إس 400" غير متوافق مع نظام رادار الناتو الذي تستخدمه تركيا في الوقت الحالي.

وعلى الرغم من ذلك، تعتبر قضية شراء منظومة الصواريخ الروسية هي مجرد شرط واحد فقط من مجموعة أوسع من الشروط الهيكلية، التي تعتبر نتاج التداخل منذ ما يقرب من قرنين من الزمان مع العالم الغربي، التي تحد من قدرة تركيا على الاستفادة من احتمالية حدوث هذا التحول المحوري لتهديد شركائها الغربيين.

وعلى نحوٍ موازٍ، فإن تداخل تركيا في عجلة الاقتصاد العالمي يفرض قيوداً هيكلية قوية على قدرتها على انتهاج سياسات اقتصادية غير متجانسة.
ونظراً لضعف أداء قطاع الطاقة وطبيعة تكوين قطاعها الصناعي، تعاني تركيا من عجز تجاري هيكلي؛ حيث تعتمد التجارة بشكل رئيسي على استيراد السلع الوسيطة التي تمكنها من إنتاج سلع أسواق التصدير.

علاوة على ذلك، تحتاج تركيا، غالباً بسبب مواطنيها من الشباب الأتراك، إلى تدفق مستمر لرأس المال الأجنبي لتمويل التزاماتها الاستثمارية.

تولى حزب العدالة والتنمية الذي يرأسه أردوغان السلطة في عام 2002 في أعقاب أزمة مالية كبيرة تبعتها خطة إصلاح مالية شاملة، وحتى الأزمة المالية العالمية التي حدثت في العام 2008، اعتمد الحزب على تدفق رؤوس الأموال الأجنبية.

وبعد الأزمة العالمية، وعلى الرغم من حدوث تحول في سوق الاستثمارات التي استُبدلت باستثمارات قصيرة الأجل بدلاً من الاستثمارات الأجنبية المباشرة طويلة الأجل، استمرت تركيا في جذب تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية لتمويل عجز حسابها الجاري نظرا لاستقرار الحالة الأمنية في الدولة وارتفاع عوائد استثماراتها.
لم يكن هذا العجز المزدوج أبداً مشكلة كبيرة طالما حافظت حكومة حزب العدالة والتنمية على اتباع مبدأ الليبرالية في وضع خطة الميزانية واستمرت في تحقيق فائض أولي، والذي من خلاله لم تستطع الحكومة أن تخفض من ديونها بشكل تدريجي فقط، بل أعطت مؤشرات بشكل غير مباشر لوكالات التصنيف الائتماني بأن الحكومة ستكون لديها القدرة المالية لإنقاذ الاقتصاد إذا دعت الحاجة إلى ذلك.

وبالنظر إلى هذه القيود الهيكلية، فإنه من الصعب التحدث عن إمكانية تحقيق الاستقلال الاقتصادي بشكل جدي. حيث لم يتمكن حزب العدالة والتنمية في أوائل فترات حكمه أن يحقق تلك المعجزات الاقتصادية إلا من خلال تداخل تركيا واعتمادها تماماً على الأسواق المالية العالمية.
فقد كان يُنظر إلى هذا التداخل وتدفق رؤوس الأموال الأجنبية كعلامة على أن تركيا كانت نجماً صاعداً لتحتل مركزاً رائداً بين دول العالم. ومع ذلك، عندما بدأ البنك المركزي الأميركي أولا ثم البنك المركزي الأوروبي في الآونة الأخيرة في تبني سياسة نقدية أكثر تشددا، فإن هذه الطبيعة المتكاملة للاقتصاد تعني أنه إذا كانت تركيا ترغب في الاستمرار في التخفيف من أعباء ديونها وتمويل العجز في حسابها الجاري، فإنه يتعين عليها إذن أن تقدم عوائد أعلى، ما سيؤدي بالتبعية إلى تباطؤ النمو الاقتصادي. وهي نتيجة لن يستطيع أردوغان، مع اقتراب الانتخابات الثلاثية القادمة في عام 2019 أو ربما حتى قبل، أن يتحملها.

واليوم، وبعد أن وصل أردوغان وفريقه الاقتصادي إلى حدود مقدرته المالية لإرجاء الأزمة الاقتصادية، يسعى الآن جاهداً إلى إيجاد طرق جديدة لتمويل حساب الدولة الجاري وتجاوز الديون الخارجية. ومن الواضح الآن تماما أن الصندوق السيادي التركي الذي تم إنشاؤه بأمر تنفيذي مفاجئ في أغسطس من العام الماضي كان يُقصد به أن يعمل كضمان لرفع معدلات الديون.
وبالرغم من تنامي الخطابات المعادية لتلك الحكومات الاستعمارية، لا تزال تركيا ترغب في الترويج لنفسها كمستثمر يعيش حالة من الاستقرار ويحقق عوائد مرتفعة. وما إذا كان هذا اقتراحاً عملياً أم لا، فهذه مسألة أخرى.  

يمكن قراءة المقال بالانكليزية ايضا: