ديسمبر 03 2017

العلاقات الأميركية – التركية تدخل مرحلة العقد المستعصية

الى أين تسير العلاقات الأميركية التركية؟

سؤال ما انفك يتردد في الأوساط السياسية والإعلامية من دون ان يجد له جوابا وافيا.
هنالك من يرى  في التداعيات المتلاحقة والتراجع المضطرد في العلاقة بين الطرفين والتي تفصح عنها بشكل خاص التصريحات النارية للرئيس التركي انها تنذر بنهاية غير سعيدة.
بينما يرى المتفائلون انها سحابة عابرة تمر بها تلك العلاقات تعود الى طبيعة الصراعات التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط والتي تدخل تركيا طرفا فيها.
ما بين المتفائلين والمتشائمين هنالك وقائع على الأرض وتطورات متلاحقة لم تعد تجدي معها التصريحات لا المطمئنة الى دفء وشيك ينتظر العلاقات بين البلدين ولا قطيعة تامة يتوق اليها الصقور الذين لا يرون في الولايات المتحدة حليفا يمكن الوثوق به وهو تصريح واضح وضع النقاط على الحروف كان قد اطلقه الرئيس التركي رجب طيب اردوغان.

إن هناك 3 عقبات أساسية تقف أمام تحالف تركيا مع أميركا مجددا وهذه العقبات بحسب يلدرم هي: 
العقبة الأولى : وتكمن في تعاون أميركا مع تنظيم حزب العمال الكردستاني من أجل التصدي لتنظيم داعش الإرهابي.
العقبة الثانية: قضية الداعية فتح الله كولن، الذي لا يزال يتحرك بحرية داخل الولايات المتحدة  مشددا على ضرورة تسليمه إلى السلطات التركية لمحاكمته.
العقبة الثالثة: تكمن في ضرورة اتخاذ الولايات المتحدة موقفا أو خطوة لإصلاح صورتها السلبية بعيون المجتمع التركي.

 بن علي يلدرم، رئيس الوزراء التركي 

رئيس الوزراء التركي وضع النقاط على الحروف وكشف المأزق الذي تمر به العلاقة بين البلدين
رئيس الوزراء التركي وضع النقاط على الحروف وكشف المأزق الذي تمر به العلاقة بين البلدين

اما الرئيس التركي رجب طيب اردوغان نفسه فقد أوضح طبيعة هذه  العلاقات بين الدولتين قائلا إن تركيا" شرحت للأمريكان أكثر من مرة موقفها من الإرهاب، ولطالما وافقونا بحضورنا وقالوا غير ذلك في ظهورنا".
وأضاف أردوغان" نقول لأمريكا إن الاتحاد الديمقراطي إرهابي، وواشنطن ترفض ذلك، وأنا قلت لأمريكا أكثر من مرة هل أنتم معنا أم مع التنظيم الإرهابي؟".
واعتبر أردوغان أن الولايات المتحدة تتحمل مسؤولية "بحر الدماء" في سوريا بسبب ما وصفه بجهلها بالمخاطر التي تمثلها الجماعات الأخرى، وليس فقط تنظيم "داعش الارهابي"، في المنطقة.
لكن تصريحات اردوغان ازدادت حدة عشية أصدار مذكرات اعتقال بحق عدد من حراسه، الذين تورطوا في اعتداء على متظاهرين خلال زيارته لواشنطن في مايو2017. 
 حيث قال" تعرفون اننا ضد الوقاحة و إن الولايات المتحدة لا يمكن اعتبارها بلدا متحضرا".
ثم ما لبث ان اتَّهم أردوغان الولايات المتحدة بمسانده تنظيم داعـش الإرهابي ماليا فى ســوريا.
والمح إلى أنه يشعر بخيبة أمل من الولايات المتحدة الأمريكية" لأنها لم تَفِ بمعظم وعودها". 

تركيا - الولايات المتحدة: صعوبات في فهم سياسة كل طرف للطرف الاخر
تركيا - الولايات المتحدة: صعوبات في فهم سياسة كل طرف للطرف الاخر

وفي ظل هذه الأجواء المحتدمة تعددت التحليلات ووجهات النظر التي ترصد واقع ومستقبل العلاقات بين الطرفين ، فقد نشر معهد واشنطن تغطية موسعة عن العلاقة بين البلدين ومما جاء فيه:
-لم تتغير السياسة الأمريكية تجاه الأكراد في سوريا كثيرا بعد تولي إدارة الرئيس ترامب الحكم ، إذ أن سياسته في الحرب ضد الإرهاب وداعش سيكون عمادها الأكراد وقواتهم التي تدعمها الولايات المتحدة الأمريكية.
-ويبدو واضحاً من ردود الأفعال التركية تجاه الدعم الأمريكي للقوات الكردية في سوريا أن تركيا مستعدة للذهاب إلى أبعد الحدود للدفاع عما تعتقد بأنه يهدد أمنها القومي والمتمثل باحتمال قيام شكل من أشكال الحكم في منطقة كردية تمتد على طول الحدود السورية التركية. 
- يبدو جلياً، أنه لا يمكن لاميركا تجاهل المصالح التركية في سوريا ولا تجاهل معاييرها في أمنها القومي.
-في نفس الدرجة التي لا تستطيع فيها تركيا تجاهل الدور الأمريكي في المنطقة والمعايير الأمريكية في تحديد مصالحها وما يهدد أمنها القومي فيما وراء البحار، وبأن عدم التنسيق التركي الأميركي من شأنه أن يضر بمصالح البلدين معاً.
وفي المسار نفسه يناقش الباحث سونر جاغتباي هذه المتغيرات قائلا: 
"تعتبر السلطة التركية الحالية أنّه قد تكون هناك مصالح مشتركة بين تركيا والولايات المتحدة، غير أنهما لا تملكان هوية مشتركة. 
ففي عام 2003، أظهرت حكومة حزب العدالة والتنمية المنتخبة حديثاً آنذاك ، مؤشرات تدل على بداية مرحلة التغيّر في العلاقات الأمريكية - التركية حين رفضت السماح للقوات الأمريكية بالعبور إلى العراق عبر الأراضي التركية".

ويضيف الباحث:
"في حين كان الزعماء الأتراك السابقون يتبنون شعار مؤسس البلاد الحديث مصطفى كمال أتاتورك المنادي إلى "التقرب من الغرب"، تؤمن نخبة "حزب العدالة والتنمية" بأنّ على تركيا أن تصبح قوة مستقلة في الشرق الأوسط لا تتعاون مع واشنطن إلا عندما كان هذا التعاون يخدم مصالحها".
لعل هذه الإشكاليات الإقليمية التي أسهمت في كثير من التباعد بين الطرفين ثم سرعان ما تطور الامر الى ردود أفعال تركية جعلتها تتقرب من روسيا الى مستوى التحالف الاستراتيجي وهو ما اثار حفيظة الولايات المتحدة فضلا عن قيادات الناتو خاصة بعد صفقة الصواريخ الاستراتيجية أس 400.

تركيا متذبذبة في علاقتها الاستراتيجية  ما بين الحليفين الاميركي والروسي وان الجمع بينهما في سلة واحدة من المستحيلات
تركيا متذبذبة في علاقتها الاستراتيجية ما بين الحليفين الاميركي والروسي وان الجمع بينهما في سلة واحدة من المستحيلات

اما على صعيد المصالح الذي تزامن مع الصراعات على الازمة السورية فقد كان التلاقي التركي – الروسي – الإيراني هو الأكثر اقلاقا للإدارة الاميركية، ولهذا لم يكن مستغربا ان تصدر تصريحات من وزير الخارجية الأميركي التي قال فيها" أن إيران وروسيا ليس بامكانهما تقديم المنافع السياسية والاقتصادية لتركيا بقدرما يقدمها الناتو، واننا نحث  على عدم التقارب مع الكتلة الأوراسية، على حساب الناتو".
في هذا الصدد يعرض الباحث أحمد بابا عبيد الله موضوع صراع المصالح قائلا" لاشك ان  هنالك صراع مصالح داخل المنطقة.لاسيما وأن تركيا لم تعد هي تركيا القرن الماضي، فقد أصبحت قوة اقتصادية وعسكرية صاعدة وهو ما جعلها تبتعد عن ظل الغرب وتدافع عن مصالحها بنفسها، وخُطط لهذا فعليا بخطى ثابتة من طرف الحزب الحاكم في تركيا، خاصة بعد تولي أردوغان رئاسة البلاد سنة 2014".
ويضيف الباحث" أن تركيا، أصبحت تنظر إلى عمقها الإستراتيجي بعيدا عن المصالح الأميركية، بل باتت تعارضها وتناقضها في عدة قضايا وأزمات إقليمية ودولية". 
من جانب آخر كانت المحاولة الانقلابية التي وقعت في منتصف يوليو 2016 والتي اتهم فيها الداعية فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة حدثا مفصليا اخر القى بظلاله على العلاقات بين البلدين.

الموقف الاميركي الغامض من المحاولة الانقلابية زاد من الانزعاج التركي
الموقف الاميركي الغامض من المحاولة الانقلابية زاد من الانزعاج التركي

حيث لوحظ، أن هناك تناقضا في الموقف الأمريكي عند بداية الانقلاب، وبعد فشله ، مما طرح علامات استفهام عديدة من الجانب التركي حول ذلك.
وبموازاة ذلك ليس مستغربا ان يأتي تقرير وكالة الاناضول الرسمية في توصيف ابعاد العلاقات الأميركية – التركية بقولها " ان هذه العلاقات تشهد برودة غير مسبوقة منذ سنوات طويلة، بدأت مع عدم تجاوب الولايات المتحدة في ملف تسليم فتح الله غولن، زعيم المحاولة الانقلابية الفاشلة التي جرت منتصف تموز/يوليو 2016، وتفاقمت مع الخطوات التي أقدمت عليها واشنطن لاحقا، لا سيما دعم “ب ي د” الذراع السوري لمنظمة بي كا كا الإرهابية ،ويصف محللون هذا التوتر بـ”البرودة الأكبر منذ عشرات الأعوام بين دولتين في حلف شمال الأطلسي الناتو".

اردوغان اتهم الولايات المتحدة علنا بأنها تدعم من يعتبرها تنظيمات ارهابية كردية
اردوغان اتهم الولايات المتحدة علنا بأنها تدعم من يعتبرها تنظيمات ارهابية كردية

يذكر الباحث  محمد سيف الدين إيرول من مركز انقرة لدراسة الازمات والسياسات" أن التأزم في العلاقات التركية الأمريكية ليس حالة آنية متعلقة بظرف معين، وإنما لها جذور تاريخية ترجع 58 سنة، في حقبة رئيس الوزراء التركي الأسبق المرحوم عدنان مندرس في عام 1959، فعلى الرغم من تأخره في كشف حقيقة السياسية الأمريكية تجاه تركيا، إلا أنه كان قد بدأ بتقارب وبتحسين العلاقات مع الإتحاد السوفيتي آنذاك".
ويضيف الباحث الذي تبدو وجهات نظره متماهية مع اطروحات حزب العدالة والتنمية وتوجهات الرئيس اردوغان:
"ان العقل الإستراتيجي التركي بدء مع حملة المرحوم عدنان مندرس، ومع توركت اوزل إنتقل إلى مرحلة متقدمة، ومع المرحوم نجم الدين أربكان وصل إلى القمة بقوله"ما لي من أميركا، ما لي من أميركا"، فإن هذا العقل مصرعلى جعل تركيا غير مقيدة مهما كان الثمن".
هذا النوع من التحليل هو الذي يمنح سياسات اردوغان ضد الولايات المتحدة مشروعية وان تلك السياسات ما هي الا امتداد لسياسات قادة وزعماء اتراك سبقوه وبذلك يتبلور زخم في تعميق الفجوة بين البلدين.
العلاقات التركية - الأميركية في مرحلة مخاض عسير ومفترق طرق وليس من السهل تبسيط الامر الى مجرد فتور عابر في العلاقات بل وجود مشكلات معقدة ويكاد يكون صراع المصالح هو الأخطر في الخلاف بين الطرفين.