مارك بنتلي
فبراير 16 2018

العلاقات التركية الأميركية تكشف نقطة ضعف أردوغان

تكشف الأزمة التي تمر بها العلاقات التركية الأميركية نقطة ضعف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان – وتتمثل نقطة الضعف هذه في العجز الضخم في الحساب الجاري لبلاده.
وأوضحت بيانات حساب المدفوعات تحوّل مجموعة من التدفقات الداخلة إلى البلاد والتي كانت قصيرة المدى، وتعتمد عليها تركيا لتمويل العجز، إلى خارج البلاد في آخر شهرين من العام الماضي، مما يعني أن البنك المركزي أُجبر على استخدام احتياطياته من النقد الأجنبي لسد الفجوة.
ووصلت التوترات السياسية بين أنقرة وواشنطن إلى آفاق مجهولة بسبب الخلاف على دعم الولايات المتحدة للمقاتلين الأكراد في سوريا، والذي أدى بدوره إلى غزو تركيا لجارتها الشهر الماضي، بالإضافة إلى قضية تنظر فيها محكمة في الولايات المتحدة كشفت عن مخطط مزعوم لمصرفيين أتراك ومسؤولين كبار في الحكومة للتحايل على العقوبات الأميركيه المفروضة على إيران.
وقال إينان دمير، المحلل الاقتصادي للأسواق الناشئة في نومورا بلندن إن نضوب تدفقات رأس المال الداخلة إلى البلاد "توضح حجم الخسائر التي يعاني منها ميزان المدفوعات بسبب التوترات السياسية... ونظرا لأن احتياطات البنك المركزي ليست قوية، فلن يكون من الممكن بالنسبة للبنك المركزي تمويل العجز الخارجي إذا شهدنا فترة متجددة وطويلة من التوترات الدولية."
وأوضحت البيانات التي نشرها البنك المركزي يوم الأربعاء أن عجز الحساب الجاري قفز بنسبة 42 بالمئة ليصل إلى 47.1 مليار دولار أميركي في عام 2017، أي ما يعادل 5.6 بالمئة من الناتج الاقتصادي، وهو الأعلى بين الأسواق الناشئة الكبرى. وكانت الفجوة في شهر ديسمبر فقط 7.7 مليار دولار، وهو أعلى رقم لشهر واحد منذ شهر ديسمبر عام 2013.
وفي نفس الوقت، خرجت مجموعة استثمارات بلغت قيمتها 341 مليون دولار من تركيا في شهري نوفمبر وديسمبر معا. وأوضحت أرقام البنك المركزي أنه بالمقارنة مع هذا النزوح فإن التدفقات الداخلة إلى البلاد بلغت قيمتها 5.2 مليار دولار في الشهرين السابقين.
ويعني توقف التمويلات القادمة من خارج البلاد، مع الزيادة التي تشهدها الواردات، أن البنك المركزي أُجبر على استخدام احتياطياته من النقد الأجنبي لتمويل عجز الحساب الجاري، ليصل إلى 4.1 مليار دولار في شهر نوفمبر الماضي و8.6 مليار دولار في شهر ديسمبر الذي يليه.
ومع عدم ظهور أي بوادر لانفراجة في الأزمة مع الولايات المتحدة، وصل وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون إلى العاصمة التركية في وقت متأخر يوم الخميس لإجراء محادثات مع مسؤولين حكوميين كبار. واجتمع تيلرسون مع أردوغان لأكثر من ثلاث ساعات في قصر الرئاسة بأنقرة، ولم يحضر الاجتماع سوى وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو  الذي عمل كمترجم. ولم تصدر أي بيانات للصحافة بعد الاجتماع.
وفي وقت سابق من الأسبوع الجاري، هدد أردوغان الولايات المتحدة بـ "صفعة عثمانية" إذا لم تقم بإخلاء منبج ذلك الجيب السوري الذي تُدرب فيه قوات خاصة أميركية وتُسلح مقاتلين من الأكراد في قتالهم ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون
وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون

وهدد أردوغان مرارا بحدوث مواجهة مسلحة مع الولايات المتحدة بسبب دعمها للأكراد. ووحدات حماية الشعب التي تدربها وتدعمها واشنطن كجزء من قوات سوريا الديمقراطية، مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، وهم مقاتلون يتخذون من تركيا مقرا، وتدرجه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على قائمة المنظمات الإرهابية. ودخلت تركيا في حرب استمرت ثلاثة عقود ضد حزب العمال الكردستاني الذي يسعى للحكم الذاتي، مما أودى بحياة قرابة 40 ألف شخص، معظمهم من الأكراد، وتقول تركيا إن وحدات حماية الشعب لا يمكن تمييزها عن الحزب.
وتأتي الأزمة مع الولايات المتحدة والتأثير الناتج عنها على تدفقات رأس المال في وقت يمضي فيه أردوغان، الذي يضع عينيه على إجراء انتخابات مبكرة، قدما بتدابير لتعزيز الاقتصاد، وتحفيز الطلب على الواردات وتوسيع عجز الحساب الجاري أكثر فأكثر.
وقال تيم آش، خبير الأسواق الناشئة في "بلوباي أسيت" لإدارة الأصول في لندن، إن العجز "يؤكد على المشاكل والمخاطر التي يواجهها الاقتصاد التركي...  ومن الواضح أن أسعار النفط المرتفعة لن تجدي نفعا. لكن في النهاية لا يمكن للمرء أن يهرب من الحقيقة الواضحة التي تقول إن الاقتصاد  يسير بسرعة كبيرة نحو الوصول إلى انتخابات (مبكرة)، ويعلم جميع الجماهير على الطريقة السينمائية (لفيلم ستار تريك) أن هذا يمكن أن يؤدي إلى خطر النفاد إذا ما استمر لفترة طويلة جدا."

رسم بياني
رسم بياني

وإذا لم يتراجع أردوغان عن الأزمة مع الولايات المتحدة، فربما يدفع بشكل غير متعمد استمرار الليرة على ما هي عليه لفترة طويلة أو قد يتسبب في  حدوث تباطؤ كبير في الطلب المحلي، مما يفسد الخطط الاقتصادية التي وضعها بعناية كبيرة.
وقال دمير إنه مع الأخذ في الاعتبار إحجام أردوغان عن إبطاء الاقتصاد، فإن التوترات السياسية المتزايدة مع الولايات المتحدة قد تعني أن عبء التسوية المطلوبة في الحساب الجاري سيؤدي إلى انخفاض الليرة أولا ثم انخفاض الطلب المحلي بعد ذلك.
وتبلغ احتياطيات النقد الأجنبي الموجودة في البنك المركزي التركي 32.9 مليار دولار فقط. ويبلغ إجمالي الاحتياطيات، بما في ذلك متطلبات احتياطي النقد الأجنبي في البنك أيضا، 116 مليار دولار. وهذه الاحتياطيات لا تكفي لتغطية ستة أشهر من الواردات – وهي مقياس رئيسي يستخدمه المحللون الاقتصاديون لقياس مدى قوة مركز النقد الأجنبي للدولة. وتقل هذه الاحتياطيات كثيرا عن حوالي 170 مليار دولار من الدين الخارجي الذي يحل أجل استحقاقه خلال الاثنى عشر شهرا القادمة.
وأدت الأزمة السياسية مع الولايات المتحدة إلى هبوط الليرة خلال شهري أكتوبر ونوفمبر الماضيين. وتراجعت العملة لتسجل أقل مستوى يتم تسجيله عند 3.96 مقابل الدولار في أواخر نوفمبر. ونتجت معظم هذه الخسائر عن تعليق الولايات المتحدة لخدمات منح التأشيرة للمواطنين الأتراك في الثامن من أكتوبر ردا على اعتقال الشرطة التركية لأحد موظفيها القنصليين بتهمة الإرهاب.
ويحتمل على نحو كبير فرض المزيد من العقوبات الأميركية ما لم يتم حل الأزمة. ويشير اشتراك مسؤول من وزارة الخزانة متخصص في العقوبات في اجتماع عقدته لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ حول تركيا الأسبوع الماضي، وهي خطوة غير معتادة، إلى وجود رغبة جديدة لدى الولايات المتحدة في اتخاذ إجراءات مالية واقتصادية محتملة.
وأوصى ايريك إيدلمان السفير الأميركي السابق لدى تركيا بين عامي 2003 و2005، وجاك سوليفان مستشار السياسة الخارجية السابق لهيلاري كلينتون في مقال افتتاحي نُشر في صحيفة بوليتيكو هذا الأسبوع أنه يجب أن يتم طرح أن تركيا خارج نطاق السيطرة والعقوبات التي تستهدف بنوكها، والمسؤولين الفاسدين أو الصناعة الدفاعية على الطاولة كوسيلة لكبح جماح أردوغان. واتفقت تركيا مع روسيا على شراء نظام إس-400 للدفاع الصاروخي من شركة روسية تدرجها الولايات المتحدة بالفعل على قائمة العقوبات، مما يعني أن تركيا قد تواجه عقوبات هي الأخرى إذا ما أتمت رسميا هذه الصفقة.
وقد تأتي المخاطر على سلامة الاقتصاد التركي من أسعار النفط المرتفعة. فقد وصل سعر برميل خام برنت إلى 63.3 دولار بالمقارنة بحوالي 45 دولارا في يونيو. وتستورد تركيا تقريبا كل احتياجاتها من النفط والغاز، مما يعني أن أي زيادة في تكلفة السلع الأساسية تنعكس بصورة تلقائية على الحساب الجاري. كما أن الكثير من العقود التركية لاستيراد الغاز الطبيعي أبرمت هي الأخرى استنادا إلى أسعار الخام.
وفي الأول من فبراير، رفع بنك الاستثمار الأميركي جولدمان ساكس توقعاته لأسعار النفط لفترة ثلاثة أشهر وستة أشهر إلى 75 دولارا و82.50 دولار على التوالي، مستشهدا بالنمو في الطلب العالمي على الذهب وخفض إمدادت منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك). وقال وزير الطاقة السعودي خالد الفالح يوم الأربعاء إن أوبك وحلفائها خططوا لتمديد خفض الإنتاج حتى إذا استمر الطلب العالمي في الزيادة. وقال إن التحالف قد "يلتزم بهذه السياسة خلال عام 2018".
وقال نائب رئيس الوزراء التركي محمد شيمشك، أرفع وزير اقتصاد بالنسبة لأردوغان، خلال مقابلة مع رويترز هذا الأسبوع إن الحكومة ستعطي الأولوية للحفاظ على عجز الحساب الجاري تحت السيطرة مع سعيها لتحفيز النمو الاقتصادي خلال العام الجاري.
وقد لا يمكن تحقيق هذا التعهد إذا لم يتم حل الأزمة القائمة مع الولايات المتحدة وإذا لم تتدفق الأموال الأجنبية على أسواق السندات والأسهم بأعداد كبيرة.  وفي حالة عدم تحقيق ذلك، يتبقى أمام الحكومة عدد قليل من الأدوات لتفادي تسوية مؤلمة في الاقتصاد.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/us-turkey/us-turkey-crisis-exposes-erdogans-achilles-heel