ديميتار بيشيف
نوفمبر 21 2017

العلاقات الروسية التركية .. هل عادت المياه لمجاريها؟

يحاول الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان إظهار مدى العلاقة الطيبة التي تربطهما وكيف أن المشاكل بينهما قد انتهت في كل لقاء يجمعهما، اجتماع الاسبوع الماضي لم يكن استثناءاً. استهل بوتين القمة الروسية التركية التي عقدت بمدينة سوتشى جنوبي روسيا يوم الاثنين بهذه العبارة "أريد في بداية الاجتماع أن أؤكد على أن العلاقات بيننا قد تعافت الآن بشكل كامل".

ولكن ثمة تصدعات بدأت تظهر من جديد في العلاقات الروسية التركية. لكنها وعلى الرغم من ذلك لن تتسبب في تعميق توتر العلاقات كما حدث سلفاً بين موسكو وأنقرة بعد أن أسقطت تركيا طائرة حربية روسية على الحدود السورية في نوفمبر 2015.

ثم استُؤنفت العلاقات الاقتصادية ومشاريع الطاقة الكبرى بين الدولتين من جديد. وانشغل الرئيسان أيضاً بالقضية السورية. لكن حقيقة الأمر تقول بأن هذا كله مجرد قشور تخفي عدداً من الخلافات والنزاعات الصريحة.

وإذا بدأنا بسوريا، التي هي ظاهرياً محور النقاش في القمة السابقة، نجد أن الرئيسين قد اتفقا على ضرورة وجود حل سياسي لإنهاء هذا الصراع، وأن روسيا وتركيا تنسقان جهودهما لوقف العنف. لكن لم يكن هناك شيئاً واقعياً ملموساً يمكن استخلاصه من تعليقات كليهما.
هذا ليس بالضرورة أن يشير إلى تضارب الأهداف الروسية التركية في القضية. ففي النهاية، يرى أردوغان أن التعاون مع الروس يضمن له أن يكون له رأي في مستقبل الدولة المجاورة التي أصبحت تشكل تهديداً بالنسبة لأمن دولته.  
تم إطلاق "عملية درع الفرات"، التدخل العسكري التركي في سوريا، في أغسطس 2016 بتأييد ضمني من روسيا. كما ساعدت الضربات الجوية الروسية القوات التركية وحلفائها من الجيش السوري الحر على طرد عناصر تنظيم داعش من مدينة الباب في يناير من هذا العام.
من جانبها، سهلت أنقرة تسليم الجانب الشرقي المحاصر من مدينة حلب المحاصرة إلى القوات الحكومية السورية. وبعد أن شاركت في رعاية محادثات السلام في أستانا، تتعاون روسيا وتركيا الآن لإنشاء منطقة لتخفيف حدة التصعيد في مدينة إدلب الشمالية الغربية وحولها، والتي يسيطر عليها فرع تنظيم القاعدة السوري.

وحتى هنا وصلت كل من روسيا وتركيا إلى مفترق طرق. فمن جانبها تعتبر أنقرة عملية إدلب بمثابة نقطة انطلاق للسيطرة على منطقة عفرين المجاورة، وهي منطقة محصنة تسيطر عليها وحدات حماية الشعب، وهي ميليشيا كردية سورية تابعة لحزب العمال الكردستاني الكردي التركي.
ولكن على النقيض من ذلك، تتردد روسيا في إعطاء الأتراك الضوء الأخضر للانطلاق. ففي النهاية، تنظر موسكو لوحدات حماية الشعب وجناحها السياسي، وحزب الاتحاد الديمقراطي على أنهم شركاء وليسوا أعداء. ليس عجباً أن منطقة "روج آفا"، أو منطقة الإدارة الذاتية في شمال سوريا، ذات الحكم الذاتى تملك مكتباً لممثليها فى موسكو. كما أن السلطات الروسية لم تدرج حزب العمال الكردستانى فى القائمة السوداء للجماعات الإرهابية، على عكس الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وفي يناير الماضي، كانت المفاجأة بالنسبة لتركيا عندما قدم الروس مشروعاً دستورياً إلى محادثات السلام السورية في أستانا تضمنت الاعتراف بالحكم الذاتي للأكراد. فضلاً عن أن الحكومة الروسية نشرت قواتها العسكرية في منطقة عفرين في أواخر أغسطس الماضي.

ووضعت روسيا في اعتبارها أيضاً دعوة حزب الاتحاد الديمقراطي لحضور اجتماع أحزاب المعارضة السورية، مرة أخرى في سوتشي، في 18 نوفمبر. وعلى الرغم من تأجيل انعقاد الاجتماع إلا أن الخلاف بين روسيا وتركيا بشأن الأكراد السوريين لم يختف تماماً.

لهذا السبب أصيب أردوغان بالإحباط. فمن ناحية، لم تنجح محاولة مقايضة إدلب بعفرين بشكل جيد. ومن ناحية أخرى، لم تستجب روسيا لتهديدات تركيا بشأن اتخاذ إجراءات أحادية الجانب ضد المقاطعة التي يسطير عليها وحدات حماية الشعب. هناك شعور بأن تركيا تتعرض للتقويض بسبب تصريحات موسكو لواشنطن، التي تعتبر حليفاً رئيسياً للأكراد السوريين.

وقد أسفر اجتماع القمة القصير الذي عُقد في فيتنام بين بوتين والرئيس الأميركي دونالد ترامب عن عقد صفقات محلية لوقف إطلاق النار فى جنوب غربي سوريا. وعلى الرغم من أن المنطقة بعيدة كل البعد عن الحدود التركية، إلا أن تضامن كل من روسيا والولايات المتحدة من أجل التسوية السياسية في سوريا قد يكون له عواقب بعيدة المدى، على سبيل المثال التعزيز من سيطرة وحدات حماية الشعب على مساحات كبيرة من الحدود التي تمتد على طول 900 كيلومتر مع الحدود التركية وأيضاً على المناطق الغنية بالنفط الواقعة في شرقي سوريا.
ولهذا السبب، وفي فترة التجهيزات التي سبقت اجتماع سوتشي، تحدث أردوغان بلهجة صارمة ليس فقط ضد الولايات المتحدة، ولاسيما بسبب العلاقات المتوترة بين الدولتين، ولكن أيضا ضد روسيا. وقال أردوغان "اذا لم يتم الموافقة على التدخل العسكري، فإن من يُقرّون ذلك ينبغي عليهم سحب قواتهم من المنطقة"، في إشارة منه إلى التواجد الروسي والأميركي فى سوريا. ومع ذلك يبقى التدخل العسكري هو خيار أردوغان الوحيد. ومن المقرر ان تُعقد قمة جديدة في غدا (22 نوفمبر) في سوتشي في حضور الرئيس الإيراني حسن روحاني.

وفيما يخص التعاون بين الدولتين، فقد تجاهل كل من بوتين وأردوغان الحديث عن صفقة صواريخ "إس 400" التي ترغب تركيا في شرائها من روسيا. هذه الصفقة التي أثارت التكهنات بأن أنقرة على وشك الانشقاق عن حلف الأطلسي ومواءمة سياستها الدفاعية مع موسكو.
غير أن نور الدين جانيكلي، وزير الدفاع التركي، أكد هذا الاسبوع الماضي أن محادثات موازية تجري بين كونسورتيوم "يوروسام" الفرنسي-الإيطالي والشركات التركية بشأن تعزيز التعاون في مشروعات الدفاع المشترك، بما في ذلك أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي مؤكداً أيضاً على أن تركيا تعتزم إتمام صفقة شراء نظام "إس 400" الصاروخي من روسيا.
ولكن ما إذا كانت صفقة الصواريخ الروسية ستتحقق على أرض الواقع، فهذا سيعتمد في نهاية الأمر على مدى استعداد أنقرة لتخفيض مطالبها بشأن مشكلة نقل الإنتاج المشترك للأنظمة الإلكترونية العسكرية والبرمجيات وأنظمة المحاكاة. فعلى ما يبدو أن ما يحدث يعطي للروس سبباً لعدم شعورهم بالارتياح لعقد هذه الصفقة.

وتقف العقبات أيضاً في طريق إعادة إحياء الروابط الاقتصادية بين الدولتين. فقد تباطئت السلطات الروسية في رفع العقوبات المفروضة على الواردات الزراعية التركية. والأسباب هنا كثيرة، منها أن موسكو تستخدم عادة التجارة لفرض نفوذها السياسي، ومن جهة أخرى ظهرت هناك مصالح خاصة في الاتحاد الروسي تسعى إلى إغلاق الأبواب أمام المنافسة الأجنبية، كما أن ألكسندر تكاتشوف، وزير الزراعة الروسي، وعائلته يقومون بعمل مشاريع تجارية متوسعة في هذا القطاع على وجه التحديد.

وصرح أركادي دفوركوفيتش، نائب رئيس الوزراء الروسي، مؤخراً أن القيود الروسية على واردات الطماطم التركية من الممكن رفعها نحو نهاية هذا العام، ولكنها ستظل خاضعة لحصص بعينها وأن الواردات ستغطي الفترة من ديسمبر إلى أبريل من العام المقبل. وقد فشلت المحاولات التركية للرد على القيود المفروضة على الواردات من القمح والذرة الروسية في إحداث أي تأثير.
كما أن موسكو لا ترغب في إعادة السماح للمواطنين الأتراك بالسفر إليها دون الحصول على تأشيرة منذ أزمة إسقاط الطائرة الروسية في 2015. هذا الحظر هو الذي سبب ألماً لشركات البناء في تركيا التي كانت تربح مليارات الدولارات في السوق الروسية، مما يساعد على تخفيف العجز الهيكلي الذي أفسد العلاقات التجارية الثنائية منذ التسعينيات.

أما الطاقة فهي المجال الوحيد الذي أحرز فيه التعاون بين الدولتين تقدماً كبيراً. ففي سوتشي، دعا أردوغان بوتين لحضور الافتتاح الرسمي لبناء محطة أكويو للطاقة النووية. لكن متى سيتم الافتتاح، لا أحد يعرف! دعونا لا ننسى أن أحد نتائج انهيار العلاقات هو تنازل تركيا بعض الشئ في المساومة أمام روسيا.

وحرصا على استعادة العلاقات، وافقت الحكومة في أنقرة على مطالب بإعطاء شركة "روساتوم" الروسية، المسؤولة عن بناء هذا المشروع الضخم، إعفاءات ضريبية تصل قيمتها إلى 3 مليارات دولار. وكنتيجة لذلك تم إصدار رخصة "أكويو"، فضلاً عن أن تركيا وافقت على تحمل جزء من التكلفة المالية. وفي يونيو الماضي، باعت شركة "روساتوم" حصة قدرها 49 بالمئة من مشروعها النووي بتركيا إلى تحالف “سينجيز كولين – كاليون” التركي، بعد أن وقع الجانبان اتفاقاً أولياً في يونيو مقابل مبلغ مالي لم يتم الكشف عنه.
وبالنسبة للروس، يمثل مشروع "أكويو" أولوية عظمى. فمن خلاله ستستطيع روسيا استعراض قدراتها التكنولوجية لعملائها في الشرق الأوسط وخارجه.
ليس من قبيل المبالغة القول بأن العلاقات الروسية التركية قد عادت إلى طبيعتها بالفعل. ولكن ما يعتبر "طبيعي" هنا هو نفس المزيج القديم من التعاون والتنافس الذي عرفناه منذ وقت سابق حتى قبل مجئ أردوغان وبوتين إلى الرئاسة. لم يصبح الاثنان أعداءاً كما كان متوقعاً، لكنهما لم يصبحا أصدقاءاً أيضاً. 

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية ايضا: