أكرم أوناران
فبراير 03 2019

العمال يوفّرون رسوم وجبات غدائهم لإعالة أُسرهم 


لقد وصلت الأزمة الاقتصادية في تركيا إلى مستويات خطيرة بحيث بدأت توجع معظم المواطنين، خاصة ذوي الدخل المحدود منهم.  

لا تجدي الحملة الشاملة التي أطلقتها الحكومة لمكافحة التضخم وتدخلاتها في السوق نفعًا في الحدّ من ارتفاع الأسعار. ورغم أن وزارة التجارة أرسلت مؤخرًا خطابًا إلى 81 محافظة وطالبت بإجراء تدقيق وفرض رقابة على المتاجر، غير أنه من الواضح أن السعي لخفض الأسعار بممارسة القمع لا يمكن أن يكون حلاً دائمًا.  

وقد شهدت الأسعار ارتفاعًا لم يسبق له مثيل، في ظل انضمام الظروف الموسمية إلى الأزمة الاقتصادية، بحيث بلغت نسبة الارتفاع 100% مقارنة بالعام الماضي في بعض القطاعات، وعلى وجه الخصوص قطاع الخضار. فعلى سبيل المثال، سعر السبانخ بلغ 7 ليرات في السوق، وبلغ 9 ليرات في محلات الخضار، وسعر البصل وصل إلى 5 ليرات في السوق، ووصل إلى 7 ليرات في المحلات، فيما أوشك أن يصل سعر البطاطس إلى 5 ليرات (دولار واحد يساوي 5.20 ليرة).

ووفقا لمسحٍ أجراه اتحاد نقابات العمال التركية في يناير الماضي، فإن متوسط سعر الخضراوات قفز إلى 7 ليرات، ونرى وضعًا مماثلاً في أسعار المواد الغذائية الأخرى أيضًا، ليتصاعد حدّ الجوع لعائلة مكونة من أربعة أفراد إلى ألفين و9 ليرات وسط هذه الظروف. 

وإذا أردنا أن نلقي نظرة على دخل العاملين بالأجرة، فإن بيانات مؤسسة الضمان الاجتماعي تكشف أن 7.5 ملايين من إجمالي العمال المسجلين البالغ عددهم 14.6 ملايين شخص يعملون بالحد الأدنى للأجور. أما 9 ملايين من العمال غير المسجلين فدخْلهم أقلّ من الحد الأدنى للأجور، مما يعني أن دخل الملايين من الأسر يقترب من حد الجوع. باختصار، يتقاضى معظم العاملين أجوراً متدنية، ويعانون ضيقًا كبيرًا في معيشتهم.

مع ذلك، فإن ذوي الدخل المحدود طوّروا طرقًا وحلولاً مختلفة لتأمين معيشتهم. أحد هذه الحلول استخدام رسوم بطاقات الطعام في التسوّق. هذا التطبيق بدأ يشيع بشكل متزايد. حيث يقدر عدد بطاقات الطعام في تركيا حوالي 3.5 ملايين. فمئات الآلاف من العمال يفضّلون أن يخفّفوا جوعهم بتناول الطعام الذي أحضروه من منازلهم أو السميط، ويحتفظون برسوم الوجبات التي تقدمها الشركة من أجل التسوّق. ويختار أرباب العمل غالبًا دفْع رسوم الوجبات بدلاً من إعداد الطعام في الشركة/المحل نظرًا لأنه أقلّ تكلفة. 

ويجري تحميل رسوم الوجبات في بطاقات الطعام شهريًّا، لكن تقدير مقدار رسوم الطعام متروك لأصحاب العمل، فلا يوجد حد أدنى أو أعلى، إلا أنها تتراوح عادة ما بين 200 ليرة و400 ليرة في الشهر. 

تعقد الشركات العاملة في هذا المجال اتفاقيات مع المتاجر، إلى جانب المطاعم، من أجل استخدام بطاقات الطعام في التسوق أيضًا. فكما أن بطاقات الطعام هذه يمكن استخدامها في سلسلة متاجر محلية، كذلك هي صالحة للاستخدام في عديد من سلسلة المتاجر على مستوى تركيا أيضًا. بل هناك محطات محروقات تبيع البنزين بهذه البطاقات. 

وتبادر بعض المتاجر إلى زيادة معينة في الأسعار خلال الأسبوع الأول، آخذة في الحسبان أن رسوم الوجبات يجري تحميلها في بطاقات الطعام في هذه الفترة.

يقول حسن أوجال الذي يقيم في منزل مستأجر ويعمل في قطاع التسويق إنه يستخدم بطاقة طعامه في التسوق منذ 13 عامًا ويضيف: "لا يوجد لديّ خيار آخر لكسب معيشتي. رغم أن أكلات بسيطة كالسميط أو الفطيرة أثناء وجبة الغداء تنعكس سلبيًّا على صحتي، لكن ليس بيدي من حيلة أخرى؛ إذ أشتري بعضًا من المواد الغذائية بمبلغ 320 ليرة يقدمه صاحب العمل كرسوم للوجبة. لو كانت ظروفي الاقتصادية جيدة لكنت فضّلت إنفاق تلك الرسوم في وجبة الغداء."

يرجع سبب ترجيح أصحاب العمل تحميل رسوم الوجبات في بطاقات الطعام، بدلاً من الدفع المقدم نقدًا، إلى تطبيق خفض في الضرائب والعلاوات. إذ تعفي السلطات من الضريبة حوالي 19 ليرة من رسوم الطعام اليومية المدفوعة للعمال. ويصل مبلغ الإعفاء الضريبي الشهري إلى نحو 494 ليرة. وبعبارة أخرى، لا يدفع أصحاب العمل ضريبة الدخل على الطعام الذي يقدمه لعماله، بشرط ألا يتجاوز الرقم المذكور. وكذلك لا تقتطع مؤسسة الضمان الاجتماعي علاوات من رسوم الوجبات. أما إذا اختار صاحب العمل الدفع النقدي فإنه يُفرض عليه ضريبة وعلاوة تصل نسبتهما إلى حوالي 50%. لذلك فإن دفع رسوم وجبات العمال عن طريق بطاقات الطعام أفضل بكثير من الدفع النقدي لصاحب العمل.

إلا أن استخدام بطاقات الطعام في التسوق يفتح المجال أمام التهرب من الضرائب؛ لأن ضريبة القيمة المضافة المدفوعة مقابل الوجبات، ومعدلات ضريبة القيمة المضافة التي يجب دفعها للتسوق، مختلفة. لذلك أطلقت وزارة التجارة في العام الماضي مبادرة لحظر استخدام بطاقات الطعام في التسوق، غير أن ذوي الدخل المحدود من المواطنين أطلقوا حملة توقيع للمطالبة باستمرار هذا التطبيق الذي يساهم في تدارك معيشتهم، ما دفع الوزارة إلى التراجع عن هذه الخطوة.

خلاصة القول: أصبح استخدام بطاقات الطعام في التسوق تطبيقًا رائجًا في تركيا، بل انقلب قطاعًا مستقلاً بحد ذاته، ويمثل توفيرًا مهمًّا في تكاليف ذوي الدخل المنخفض. ورغم أن هذا التطبيق غير قانوني؛ نظراً لأنه يفتح الطريق أمام التهرب من الضريبة، إلا أن السلطات تضطر إلى التغاضي عن ذلك في ظل هذه الظروف الاقتصادية.  

لا شكّ أن تخصيص العمال رسوم وجبة الغداء لتأمين احتياجاتهم الأساسية يعطي فكرة واضحة للغاية عن ظروفهم المعيشية. فهم يكابدون من أجل توفير رسوم وجبات غدائهم لإعالة أسرتهم وسدّ احتياجاتها الشهرية.

 
يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا:

https://ahvalnews.com/tr/ekonomik-kriz/iscinin-gecim-formulu-yemek-kartiyla-market-alisverisi
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.