ذو الفقار دوغان
يوليو 16 2018

الفساد يكتسح السياسة التركية منذ عقود

لا شك في أن تركيا بلد غني. والدولة التركية أيضا غنية. ونرى كيف أن البلد لا يزال يملك القدرة على الوقوف على قدميه رغم القضايا العديدة من فساد إلى مخالفات وتربح من عطاءات واختلاسات من بنوك كنت أنا نفسي شاهدا عليها منذ بداية مشواري المهني كصحفي عام 1976.
لقد وصلنا مرحلة يكاد فيها الفساد يتمتع بحصانة. والمجتمع يقر بذلك، ويقول "هم يسرقون لكنهم يكدون في عملهم"، لذا فإن الفرصة للقضاء على الفساد على المدى القصير والمتوسط هي فرصة محدودة.
وبالنسبة لصغار السن، الذين فتحوا أعينهم على العالم وفي رئاسة تركيا رجب طيب أردوغان، من الصعب معرفة ما حدث في الماضي. لذا ربما يكون من المفيد إلقاء الضوء على عدد من أبرز قضايا الفساد على مدى السنوات الثلاثين الماضية لكي نفهم شيئا مما يجري اليوم.
في الثمانينات من القرن العشرين، حين كان حزب الوطن الأم برئاسة تورغوت أوزال يهيمن على الحكومة، تم اعتماد مخصصات مالية إضافية في الموازنة وتحويلها إلى أدوات للتربح.
كان أكبر تلك الصناديق مخصصا للإسكان الجماعي وإدارة المشاركة الشعبية.
وبتأسيسه من أجل منح المواطنين مساكن جيدة رخيصة الثمن حول الصندوق بتحويل موارد وقروض إلى تعاونيات سكنية.
لكن سرعان ما تبين أن الآلاف من الموتى قد وردت أسماؤهم في هذه التعاونيات وأن أموالا طائلة تم تحويلها من خلال بنك أملاك المملوك للدولة والذي تولى مهمة تقديم القروض.
وأفلس بنك أملاك وتم إغلاقه.
وبعد تفجر فضيحة الفساد تلك، أصبح سليمان ديميريل، زعيم حزب الطريق القويم المنافس، رئيسا للحكومة عام 1991 حيث وعد بأن يدفع المسؤولون عما جرى الثمن.
ولأول مرة في تركيا، أسست الحكومة وزارة مهمتها التحقيق في قضايا الفساد، لكن لم يتم الكشف عن أي قضية ولم توجه أي تهم لأي سياسي.
وحين مات أوزال عام 1993، حل محله ديميريل كرئيس للجمهورية وانتقلت رئاسة الحكومة إلى تانسو تشيلر، التي كانت أستاذة اقتصاد لتصبح أول امرأة تتولى منصب رئيس الوزراء في تركيا.
وحينها أطلقت صحيفة جمهورييت على تشيلر لقب "الشقراء الجميلة."
ينظر إلى تشيلر الآن باعتبارها أستاذة الاقتصاد التي أدت سياساتها إلى تدمير الاقتصاد التركي. فخلال سنوات حكمها، تولى زوجها أوزير تشيلر توجيه المعاملات الخاصة بالدولة وأدار العطاءات من وراء ستار.
كان من المستحيل أن تحصل على قرض كبير من بنك مملوك للدولة أو أن تفوز بعطاء دون موافقة أوزير تشيلر، الذي كان قبل ذلك مديرا عاما لبنك إسطنبول حين خسر البنك أمواله عام 1983.
خسرت تانسو تشيلر الانتخابات التالية عام 1996 بعد تفجر أنباء عن أنها وزوجها استغلا أموال الدولة التركية في الاستثمار في قطاع العقارات بالولايات المتحدة.
خلفها في السلطة مسعود يلماظ الزعيم الجديد لحزب الوطن الأم. لكنه سرعان ما خرج من الباب الخلفي بدوره بسبب فضائح مرتبطة بخصخصة بنك ترك، وهي صفقة ارتبطت بشخصية بارزة في مجال المقاولات ذات صلة بالمافيا التركية.
ورغم أن ديميريل لم يكن قد أنجب أبناء، فإن أبناء إخوته تورطوا في سلسلة من فضائح الفساد.
وبدورهم تربح أبناء أوزال في سن صغيرة حين كان أبوهم في المنصب. والشيء نفسه حدث مع أبناء تشيلر.
لكن أيا منهم لم ينجح في حماية ثروته بعد خسارة الآباء للسلطة.
وحين صعد حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان إلى السلطة عام 2002، تعهد بالقضاء على فضائح الفساد التي لوثت سمعة حكام تركيا خلال العقود السابقة وذلك من خلال مجموعة سياسات مصدرها القيم الإسلامية.
ووفقا لـ "التصريح الإلزامي للثروة " الذي قدمه أردوغان، الذي نشأ في حي قاسم باشا الفقير بإسطنبول، فإن ثروته 1.2 مليون دولار بالإضافة إلى فيلا سكنية في إسطنبول تبلغ قيمتها 820 ألف دولار. وقال أيضا إنه مدين بمبلغ 410 آلاف دولار لرجل أعمال صديق.
لكننا نجد أن أبناء أردوغان وأصهاره وأقاربه باتوا اليوم من أغنى أغنياء تركيا.
حكومة أردوغان الجديدة التي شكلها بعد انتخابات الرابع والعشرين من يونيو الماضي تضم رجال أعمال ورجال دولة وأصدقاء مقربين من أبنائه وبناته. فكيف لهؤلاء الوزراء، الذين يملكون شركات تعمل في قطاعات السياحة والثروة والتجارة وغيرها أن يكونوا محايدين في مواجهة منافسين مباشرين لهم وكيف لهم ألا يسعوا لإبعاد منافسيهم مستغلين سلطاتهم الجديدة؟
الأخطر من كل هذا أن المالية العامة للدولة، متمثلة في وزارة الخزانة، والملايين الموضوعة في بنوك تابعة للدولة قد عهد بها أردوغان لصهره بيرات البيرق.
إن نظام الحكم الجديد، الرئاسة التنفيذية، لا يسمح لمحاكم المحاسبة بالتفتيش على الممارسات المالية والإدارية والقضائية للرئيس وأعضاء حكومته.
وحين يتعلق الأمر ببقية أدوات الرقابة، فإن أكثرها يتطلب أغلبية كاسحة في البرلمان، وهو أمر لا يرجح توفره.
يتولى كبير المستشارين الاقتصاديين للرئيس أيضا إدارة صندوق الثروة السيادية التركي، والذي يتحكم في محافظ مالية تضم ملايين الدولارات مصدرها الأصول العامة والأسهم المملوكة للدولة وفي شركات الطيران والاتصالات والطاقة.
لم يتغير الكثير منذ صعود حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، فمن في السلطة تشبثوا بها على مدى 16 عاما، ونجحوا بالتالي في حماية ثرواتهم.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: