أرطغرل غوناي
يناير 26 2019

الفكاهة أداة نظام أردوغان لتضليل الشعب وخداعه

عندما لاحظت السلطة الحاكمة في تركيا أنّ الصّحة العقلية والروحية للمجتمع في تدهور مستمر وجدت حلاً سهلاً يتمثل في الدفع بالمواطنين إلى الضحك عن طريق اللجوء إلى الفكاهة أو الاستهزاء والاستخفاف حتى بأكثر القضايا خطورة، في حين أن الفكاهة الحقيقية ليست تلك التي تحمل الناس على الضّحك وحسب، وإنما تقودهم في الوقت ذاته إلى التفكير. 

يزخر تاريخنا القريب والبعيد بكثير من مشاهير الفكاهة وروّادها، تناقلت أسماؤهم الألسنة على مرّ العصور؛ فهم رسموا بأدبهم الفكاهي على وجوه الناس وشفاههم بسمات عريضة من جانب، وضمّنوا فيه من جانب آخر انتقادات سياسية عميقة وقاسية. 

وكما لم تنجُ السلطةُ "الاستبدادية" للسلطان عبد الحميد الثاني من تلك الانتقادات، كذلك أخذت سلطةُ "الاتحاد والترقي"نصيبها منها، والتي وصلت إلى الحكم رافعةً شعار "الحرية"، لكنها تحوّلت خلال مدة قصيرة إلى الاستبداد كذلك. 

يخرج هذا النوع من الفكاهة أحيانًا من النطاق الشخصيّ الضيق لينقلبَ حِكماً ونكاتٍ وأقاويلَ مشتهرة على ألسنة الناس ويُنسى قائلها بمرور الوقت. وهناك كثير من الأمثلة على ذلك خلال فترة الانقلاب العسكري في 12 سبتمبر 1980 بقيادة الجنرال "كنعان أفرين". فعلى سبيل المثال، يُروى أن الجنرال أفرين كان كلما ذهب لقصّ شعره  يقول له حلاّقه في كل مرة "يا سيادة الباشا، متى ستنتقل إلى الديمقراطية؟"، فينتصب شعر رأسه من الغضب، ليقصّه الحلاق بعد ذلك بكل سهولة.

لا شكّ أن وجود هذا النوع من الفكاهة وشيوعه علامةُ صحةٍ للمجتمع، ومؤشرٌ يبعث على الأمل في المستقبل.. مؤشرٌ يدلّ على أن ثقافة النقد والاعتراض لم يصبها الضمور، وأن الأمل في الانتقال إلى حقبة جديدةٍ أفضلَ لم ينطفئ بعدُ، على الرغم من كل المشاكل والعوائق.

لكن من الصعوبة بمكان أن يتطور هذا اللون من الفكاهة في البيئات التي تخطّت حدود السلطوية وبدأت تقطع طريقها نحو الاستبداد، بل يستحيل أن يوجد أي شكل من أشكال الفكاهة في الأنظمة التي لا تسمح للتعبير عن أي فكر، وتعاقب كل صور الكاريكاتير السياسي، وتستهزئ أو تستخفّ بأي أغنية أو عمل مسرحي يحتوي على أدنى نقد ولو على سبيل المزاح والسخرية. وعندما يفقد المجتمع الأمل في المستقبل، في مثل هذه البيئة، يزداد تشاؤمه، وتتدهور صحته العقلية والروحية.

ويبدو أن بعض دوائر السلطة في تركيا قد أدركت هذا المسار السلبي والتوجّه الخطير في السنوات الأخيرة. فقد أشار أمين المظالم "شرف مالكوج" مؤخرًا بعبارات مثيرة للدشهة إلى خطورة الوضع، حيث قال: "عندما أقرأ الصحف يقشعرّ بدني، كيف أصبحنا مجتمعًا جنونيًّا إلى هذا الحد؟ حيث إن نسبة الجرائم في زيادة مستمرة".

دولت بهجلي، زعيم حزب الحركة القومية، حليف أردوغان، هو أيضاً أدرك أبعاد ذلك الخطر، حيث تذمّر من تدهور صحة المجتمع أيضًا، غير أنه يقدّم حلاً مثيرًا لهذه المشكلة. فهو بدلاً من أن يقترح اتخاذ تدابير فعالة، من قَبيل توسيع نطاق الحريات، وإقامة دولة القانون، وتوزيع الثروات على أساس العدل، ومكافحة البطالة والإسراف، يطالب بتشريع قانون: قانون الصحة العقلية.

الواقع أن هذا الاقتراح الألمعي يتناسب مع تقليد السياسة التركية، في ظل أفراد مجتمع ينتظرون كل شيء من الأعلى. إلا أنه إن كان المجتمع قادراً على استعادة صحته العقلية عن طريق القانون فلا داعي للانتظار، إذ يمكن للحكومة أن تحلّ المشكلة من خلال أحد قرارات حالة الطوارئ.  

المسألة لا تتحمل الفكاهة والدعابة.

إن الذين أحسّوا بخطورة الأمر لا ينحصرون في أمين المظالم وزعيم الحركة القومية؛ إذ يبدو أن الجالس على قمة السلطة هو الآخر قد وعى خطورة الوضع كذلك، لدرجة أن السيد الرئيس قال قبل عدة أيام: "ما أسوأ هذه الرأسمالية التي تجعل الناس يُقْبلون على مثل هذه الأعمال والمشاريع دون مبالاة بالبيئة والطبيعة وتدمير الغابات وقطع الأشجار"، التصريحات التي أضحكت جميع المستمعين من جهة، ومن جهة أخرى دلّت على أنه يتقمص دور المعارضة أيضًا وسط غياب الأحزاب المعارضة.

أما رئيس الوزراء السابق، رئيس البرلمان الحالي بن علي يلدريم، فلا يتأخر في الفكاهة عن سيادة الرئيس، ففي سابقة هي الأولى من نوعها، قبل بالنزول إلى درجة أدنى بالترشح لرئاسة بلدية إسطنبول، لكنه أصرّ على شغل منصبي رئاسة البرلمان والبلدية معًا، ضاربًا المادةَ الدستورية التي تمنع ذلك عرض الحائط. 

غير أن طريقة رفضه الانتقاداتِ الموجهةَ إليه في هذا الصدد تعتبر من النوادر السياسية فعلاً، حيث قال: "فليعلنْ جميع المرشحين لرئاسة البلديات استقالتهم لكي أستقيل أنا أيضًا". ومن ثم أضاف: "الانتخابات البلدية ليست سياسة".

هل هناك تصريح أفضلُ يمكنه أن يرطِّب أجواء الانتخابات المتوترة بهذا القدر؟ هل على الشعب، أمام هذا التوضيح الرائع، سوى أن يتنفس الصعداء ويفرحَ ويرقصَ طربًا؟ من يمكنه أن يعلم السياسة إن لم يعلمْها سيادة رئيس البرلمان.

لا تقتصر جهود السلطة الرامية إلى إضحاك المجتمع على ما ذكرناه فقط، فها هو أحد نواب الرئيس قد قال مؤخرًا: "الزعْم بوجود انتهاكات حقوق الإنسان في تركيا عبارة عن عبث".

لقد علمنا بفضل هذه التصريحات "الوجيزة" بأن هناك مَنْ يسعون إلى تشويه عقل شعبنا النبيل بمثل هذه التراهات، وإلا لَاعْتبرنا اعتقال النشطاء الحقوقيين بدون مذكرة اتهّام، ورفضَ السلطة القرارات القضائيةَ، واعتراضَ المحاكم الدنيا على قرارات المحاكم العليا، وحبسَ الكُتّاب والمفكرين والأكاديميين لمجرد تعبيرهم عن أفكارهم وآرائهم، وفصْلَ عشرات الآلاف من المواطنين المدنيين من وظائفهم والزجَّ بهم في السجون، انتهاكًا لحقوق الناس، لا سمح الله.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/akp/iktidar-isi-mizaha-vurdu
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.