جنكيز أكتار
فبراير 05 2018

القانون.. المطية التي يركبها أردوغان للوصول إلى نظامه المنشود

دعونا نتذكر هذا المشهد الذي حدث مؤخرا...الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في زيارته لليونان في ديسمبر الماضي يعقد أول لقاء له مع مضيفه الرئيس بروكوبيس بافلوبولوس، فماذا يفعل؟ يحتل هو معظم مساحة الأريكة ويترك بافلوبولوس منزويا في مساحة ضيقة في الزاوية.
الأمر وصل إلى أنه في مرحلة ما بدأ بافلوبولوس في الشعور بأنه مضطر للقول بأكثر الطرق دبلوماسية إنه كأستاذ سابق للقانون يرى أنه من المستحيل تعديل معاهدة لوزان التي وُقعت عام 1923 ورسمت حدود تركيا الحديثة مع جيرانها، ومن بينها اليونان.
تعليقات بافلوبولوس تسببت في إثارة غضب أردوغان الذي لم يدع الأمر يمر بهدوء ودون رد، فقال "أنا لست أستاذ قانون، ولكنني أعرف القانون السياسي جيدا. وفي القانون السياسي، وعلى وجه التحديد بالنسبة للمعاهدات التي تحتاج إلى تحديث، وسنقوم بفعل هذا في مرحلة ما... لقد عانينا الكثير، وهذا هو السبب في أننا نقوم بتغيير نظامنا (السياسي). ومع انطلاق الانتخابات الرئاسية لعام 2019، سنغير نظامنا."
للوهلة الأولى، يظهر مصطلح "القانون السياسي" الذي استخدمه أردوغان منطويا على الكثير من التناقضات. ومع ذلك، فإن تصريحات أردوغان المندفعة كشفت الكثير عن طريقة تفكيره، فهو لا يتفوه عادة بكلام أجوف وإنما في الواقع هو يقصد بالضبط ما يعنيه، ولذلك هناك أربع نقاط تستوجب النظر فيها.
أولا، في ذهن أردوغان، ليس هناك ما هو أكثر شرعية من سياسي فاز بالأغلبية في الانتخابات. ففي نهاية المطاف، ما يهم حقا هو حكم الأغلبية، وليس القانون.
ثانيا، في منظوره السياسي الضيق، فإن الركن الأساسي لنجاحه هو رفض مبدأ الفصل بين السلطات. وبناء عليه، لا يمكن فصل الإدارة السياسية، أو السلطة التنفيذية، عن السلطة القضائية. وفيما يسمى "بالقانون السياسي" من وجهة نظره، السياسة تحكم القانون وليس العكس.
ثالثا، بما أنه يرى السياسة فوق كل الاعتبارات الأخرى، وأن القانون ينبغي تطويعه وفقا لاحتياجات السياسة، فهو مستعد لإلقاء النظام القانوني بأكمله مرارا وتكرارا في "سلة المهملات السياسية". وهو يفعل ذلك بالفعل كل يوم مثلما يتسبب في معاناة العديد من الأشخاص كل يوم.
وحتى المثال الذي يستخدمه لإثبات وجهة نظره بشأن "القانون السياسي" له دلالاته، حتى ولو كان ذلك يعني فرض نظام رئاسي مصمم خصيصا حسب طلبه على النظام الدستوري القائم، وهو ما تمر به تركيا الآن كل يوم أيضا!
رابعا، يشكل العمل خارج نطاق القانون أساس ما يسمى "بالقانون السياسي" لديه. ودعونا ننظر مليا في هذا الأمر.
فتركيا الحديثة، منذ تأسيسها عام 1923، وتحديدا منذ عام 1945، تحاول أن تصبح أمة يسودها القانون. ولكن اعتبارا من عام 2013، بدأت تركيا تفقد خصائص وسمات البلد الذي يحكمه القانون. وفي 16 أبريل 2017، تخلت تركيا تماما عن هذا الحلم عندما صوتت الأغلبية في استفتاء لصالح الانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي دون ضوابط أو ضمانات، ما يحوّل تركيا فعليا إلى ديكتاتورية بالانتخاب.
هذا التغيير لا يتعلق فقط بعدم احترام الحكام لسيادة القانون، وإنما أيضا بإنشاء نظام جديد في تركيا. وللتوصل إلى فهم أفضل لهذه الفروق الدقيقة، أود الإشارة مجددا إلى مقال كتبه استاذ القانون الدستوري كمال غوزلر.
المقال الذي حمل عنوان "هل يمكن للبرلمان إصدار دستور جديد؟" كان له وقع كبير أثناء المحاولة الفاشلة لصياغة دستور جديد بعد الانتخابات البرلمانية لعام 2011. وناقش فيه غوزلر الظروف التي يمكن فيها للبرلمان صياغة دستور جديد، مشيرا إلى وجود فرق كبير بين السلطة التأسيسية الأساسية والسلطة التأسيسية المشتقة. ودعونا نبدأ قراءة المقال:
"بعبارة عامة جدا، السلطة التأسيسية الأساسية هي سلطة مخول لها وضع دستور جديد بينما السلطة التأسيسية المشتقة هي سلطة قادرة على إجراء تغييرات في الدستور القائم، لذلك، فإن السلطة التأسيسية الأساسية تعمل فعليا خارج إطار القانون.
"وتبزغ هذه السلطة التأسيسية الأساسية في حالة وجود فراغ قانوني. وهذا الفراغ إما أن يكون موجودا من البداية أو ينشأ بعد ذلك (فراغ لاحق).
"إذا كان الفراغ موجودا من البداية، فإن السلطة التأسيسية الأساسية بإمكانها كتابة دستور جديد تماما، إذ أنه في هذه الحالة لا يوجد دستور سابق. وبالتالي، فإن السلطة التأسيسية الأساسية لم تلغ أي وثيقة حاكمة قديمة، وإنما عملت ببساطة على إنهاء الفراغ القانوني القائم. وفي هذه الحالة، سيصبح الدستور الذي ستضعه السلطة التأسيسية الأساسية هو أول دستور للبلاد. على سبيل المثال، ظهر هذا الفراغ القانوني في المستعمرات التي حصلت على استقلالها من الاستعمار والدول المستقلة بعد اندماجها وكذلك الدول المنفصلة عن دول أكبر.
"أما فيما يتعلق بالفراغ القانوني اللاحق، فإن السلطة التأسيسية الأساسية عليها أولا إلغاء الدستور القائم، مما يخلق فراغا قانونيا، ثم تعمل على ملء هذا الفراغ بدستور جديد.
"وفي هذه الحالة، ليس هناك دولة جديدة سيتم إنشاؤها وإنما هي عملية تجديد لدولة موجودة. وبالمثل، فإن الدستور الجديد لن يكون أول دستور لهذه الدولة. وينشأ هذا الفراغ القانوني نتيجة اندلاع ثورات أو انقلابات أو حروب أهلية. لذلك، فإن السلطة التأسيسية الأساسية التي تخرج من رحم هذه الأحداث تلغي النظام القائم ودستوره وتخلق فراغا قانونيا. ثم بعد ذلك، ينبغي على هذه السلطة ملء هذا الفراغ بدستور جديد. وبالتالي، فإن السلطة التأسيسية الأساسية لا تخلق دولة جديدة، ولكنها تجري عملية تجديد للدولة ونظامها السياسي.
"والسلطة التأسيسية الأساسية لها سمتان: إنها تعمل خارج نطاق القانون ولا تقيدها حدود.
"أولا، فيما يتعلق بعملها خارج نطاق القانون، فهذا لأنها تعمل في ظل فراغ قانوني تخلقه هي بنفسها بإلغاء الدستور الحالي قبل كتابة دستور جديد (من أساسه) دون الالتزام بأي قاعدة قانونية سابقة.
"وثانيا، فإن السلطة التأسيسية الرئيسية لا تقيدها حدود، حيث تنشأ هذه السلطة في أعقاب حالات استثنائية، مثل الثورات والانقلابات. لذلك، فإنها تبطل عمل النظام الحالي وتلغي الدستور. ومع ذلك، لا يوجد أي حكم قانوني أو سلطة يمكنها تقييد هذه السلطة الناشئة. بل على العكس، إذا كان هناك حكم قانوني أو سلطة يمكنها تقييد السلطة التأسيسية الرئيسية، لن يكون في الإمكان اعتبارها سلطة تأسيسية أساسية، لأن السلطة التأسيسية الأساسية هي سلطة عليا تعمل دون حدود أو قيود قانونية."
ويبدو هذا جليا من خلال جهود أردوغان لإرساء سلطته باعتبارها سلطة تأسيسية أساسية، وذلك بفضل الفراغ القانوني الذي سعى هو نفسه إلى خلقه منذ عام 2013. وتستند حجته في ذلك الآن إلى محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في 15 يوليو 2016.
وبالفعل، منحت محاولة الانقلاب الفاشلة الكثير من الزخم لسلطة أردوغان التأسيسية الأساسية التي كانت قد انبثقت من العدم عام 2013 لتتمكن على مدار السنوات الماضية من إلغاء النظام السياسي السابق وإلغاء دستور عام 1982 وخلق فراغ قانوني.
والآن يعمل أردوغان على ملء الفراغ القانوني بدستوره، حتى على الرغم من تعهدات النظام المتكررة بأنه لا يسعى إلى بناء دولة جديدة، وإنما إلى تجديد دماء الأمة (تركيا الجديدة) عن طريق تغيير النظام.
وكما رأينا في السنوات الخمس الماضية، فإن سلطته التأسيسية الأساسية تتسم بالصفتين اللتين سبق الإشارة إليهما، وهما العمل خارج نطاق القانون وعدم وجود حدود تقيد عملها.
ولكي تتمكن من العمل خارج نطاق القانون، لا بد أولا أن يكون هناك فراغ قانوني. ولإيجاد دستور جديد، يتعين عليه أن يلغي دستور عام 1982 وأن يخلق فراغا قانونيا أعمق.
وبما أنه لم يعد ملزما بأي دستور أو قانون أو ضوابط، يمكنه الآن أن يفرض دستوره الجديد كليا دون قيد أو شرط. 
وبفضل "الانقلاب المدني" الذي يقوده ردا على محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في 15 يوليو 2016، لم يعد هناك أي قاعدة قانونية يمكنها أن تحد من سلطته التأسيسية الأساسية. واليوم تقف سلطته التأسيسية الأساسية باعتبارها السلطة العليا الوحيدة التي لا حدود لها في تركيا.
وهذا هو التحدي الكبير الذي ينتظرنا في ظل ما يسمى "بقانون أردوغان السياسي".
ومرة أخرى، فإنه من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، أن نقاوم نظاما أنشأه مثل هذا "القانون السياسي"، حتى ولو من الناحية القانونية.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/judiciary/political-law-erdogans-turkey