باسكين اوران
ديسمبر 18 2017

القدس طوق نجاة السمسار ترامب، أما لوزان فهي طوق نجاة السياسي الحقوقي أردوغان

 

أراد الرجلان أن يستريحا فأعلن ترامب القدس عاصمة أبدية لإسرائيل فسكب البنزين على العلاقات الإسرائيلية العربية بالشرق الأوسط. 
أما أردوغان فنكأ جرح لوزان الملتهب فسكب هو الآخر البنزين ولكن على العلاقات التركية اليونانية بالشرق الأدنى. ربما فشل الأول في إيجاد مكان للاستراحة لكن الثاني قد يجد مكانا للاستراحة في المستقبل إن شاء الله. 
لماذا اختار الاثنان هذا التوقيت بالذات؟ ببساطة شديدة لأن هدفهما واحد وهو التغطية على الانتقادات الداخلية، والهروب منها بجذب الانتباه إلى مشكلات الخارج.
 ستقولون إنهما مُختلفان تماما عن بعضهما. فكما أوضح أردوغان لرئيس الجمهورية اليوناني- أستاذ القانون- قائلًا "أنا لست أستاذا في القانون، ولكني أعرف قانون السياسة جيدًا." لذا نستطيع القول إنّ أهداف أردوغان "أكبر طموحا" من ترامب؛ فهو يهدف إلى:
  1) توجيه ضربة لحزب الشعب الجمهوري- الذي عقد معاهدة لوزان عام ١٩٢٣ مرة أخرى- عن طريق مهاجمة هذه المعاهدة كما يفعل منذ فترة. 
2)  التغطية على جو التوترات الداخلية التي يخلقها ناخبو حزب العدالة والتنمية.
3) جعل الشعب ينسى قضية ضراب، وجزيرة مان.
4) استغلال قضية القدس، ولعب دور القائد الإسلامي إذا نجحت اللعبة.

 # # # #

 

وإذا قلتم لي "أنت سيء النية، فذهاب رئيس الحزب ورئيس الجمهورية أردوغان إلى اليونان جارتنا، والتحدث بشأن لوزان ما هو إلا مبادرة دبلوماسية."
حسنا، لما لا؟ فلنفكر من هذه الناحية، ولنر لماذا ذهب إلى هناك:

 1) ذهب لاستلام الهاربين من تابعي جماعة غولن الإرهابية؟ لا ليس هذا. لأن اليونانيين حسموا الأمر- من قبل- بإحالته إلى القضاء اليوناني. في الدبلوماسية لا يمكن الإصرار على أمر مستحيل. ولكن إذا كان هناك احتمال بتسليم اليونان لهؤلاء الهاربين إلا أنّ أردوغان قال شيئا سيجعلهم يمتنعون عن ذلك قال: "أخرِجوا القضاء من هذه الجولة"، ربما يذكركم هذا بالتعبير الشهير: "قالوا كيف ستعرف الشخص، فأخبرهم سأعرفه كمعرفتي لنفسي".

 # # # #

 

 2) ذهب ليقل: فلنتحدث عن لوزان ونتفق؟.

 ليس هذا على الإطلاق فلم يذهب أردوغان إلى التفاوض؛ بل لعدم الاتفاق. وأقول ذلك لسببين أولهما: لم يذهب أردوغان إلى اليونان بل ذهب إلى تراقيا الغربية التي يعيش فيها الأقلية التركية. حسنا، بماذا يذكركم هذا؟ عندما يأت وفد حقوق الإنسان من الغرب إلى أنقرة، ويريد زيارة دياربكر، تستشيط أنقرة غضبا. وثانيهما: على الرغم من تصريح المسؤولين بعدم رؤيتهم لشيء يلزم التغيير في معاهدة لوزان إلا أنه ذهب. علاوة على ذلك لأنّ هناك ثماني دول موقعة على معاهدة لوزان. فهل سيذهب إليهم جميعا؟! وفوق هذا فمن المستحيل إقناع هذه الدول بتعديل بنود المعاهدة لأنها موضوعية.

وموضوعيتها هذه تعني: تساوي الدول الموقعة على قرارات المعاهدة من حيث الحقوق والالتزامات.
علاوة على هذا فإن معاهدة لوزان تلزم السماح بمرور جميع السفن التجارية بحرية وسلام في الممرات وبحر إيجه.
إلى جانب ذلك، فليكن الله في عونه حقا. لقد قال رئيسنا ـ هنا عطشت بشدةـ : "من الممكن تعديل معاهدة لوزان، ولكننا لا نستطيع تعديل دستورنا."
# # # #

 

3) بما أننا ذكرنا تراقيا الغربية، فلنكمل من عندها
"ذهب للدفاع عن حقوق أهالي تراقيا الغربية"
 أقول سريعًا: إن اليونان ليست دولة تافهة أبدًا في موضوع حقوق الأقليات
فهناك العديد من القضايا مثل قضية مفتي الأقلية في تراقيا الغربية، ومسألة فتح الجمعيات، وإطلاق صفة "التركية" على أسمائها، ومشاكل التراخيص، ومسألة المادة ١٩ التي ربما لم تسمعوا بها، وقضية ديكاتشا.
وأضيف على ذلك -وأرجوا المعذرة- لأنّ الأثر العلمي الوحيد في تركيا والذي يركز على تراقيا الغربية منذ عام ١٩٧٦ ملكي، لذلك فأنا واحد من الذين لديهم الحق في الحديث في هذا الموضوع.
ولكن سبب ما يُعانيه هؤلاء الناس في الأساس هو اعتبارهم من الأقلية الرومية في تركيا.
"البغال تسير، والأعشاب تُسحق."

 

قامت اليونان بالكثير من التعدّيات على حقوق الأهالي  في تراقيا الغربية، ولكنها لم تُجبر الناس على التحدث باللغة اليونانية كما نفعل نحن. ولم تطبق عليهم الخدمة العسكرية الإجبارية حتى سن العشرين، ولم تأت بضريبة رأس المال وترهقهم بها، ولم تقم بتهريبات بقيمة مليار بحسابات عام ١٩٥٥ في مذبحة ٦-٧ سبتمبر.
لنكن صريحين، فقد قمنا بما لايمكن حصره من أمثال هذه الإجرات منذ عام 1923م.
ربما لو أحصينا هذا فسيكون أسهل: كان تعداد المسلمين الأتراك في اليونان ١٢٠ ألفًا في عام ١٩٢٣، والآن هذا العدد هو نفسه بالرغم من الهجرات الكبيرة لألمانيا وتركيا.
أما في تركيا فقد كان هناك روم بنفس التعداد، ولكن عددهم الآن أقل من ألفين، وغالبيتهم مشارف على الوفاة.
لنكمل: مسألة الأقليات هي المسألة الأكثر حساسية في أي دولة، ولذلك فهي تحل عن طريق المباحثات خلف الأبواب المغلقة.
أما إذا قلت سأذهب لأول مرة منذ ٦٥ عام، وأتألق في التمثيل هناك فلن تحلها.
وتخيلوا للحظة: لو أن ما فعله أردوغان في جومولجينه فعله الرئيس اليوناني في ميدان تقسيم في الوقت الذي يعيش في إسطنبول ١٢٠ ألف رومي.
الخلاصة، لا بد أنكم رأيتم اللافتات المكتوبة باللغة التركية الملقاة في كل مكان، والتي تقول "أردوغان سيذهب وأنتم ستبقون."
بأي حق نجعل أهالي تراقيا الغربية يعيشون هذا؛ في سبيل الوصول لأصوات الناخبين في تركيا؟ بأي حق نظلمهم بهذا الشكل؛ لإغراء تحالف حزب العدالة والتنمية، وحزب الحركة القومية، والقوميين، ومنظمة إرغينكون الذين يقاسمونا العداوة مع الغرب والأكراد؟ .
# # # #

 

دعونا لا ندخل في الأخطاء المادية لأننا لن نخرج منها: لا وجود لمسألة دار الإفتاء في لوزان! فهي موجودة في إتفاقية أثينا في البروتوكول الثالث!.
ثم ما معنى قوله "على اليونان ألا تطلب من أبناء بلدتي الاندماج"؟.
متى حدث في الشرق الأوسط، والبلقان أن قامت الأغلبية الدينية بدمج الأقلية المختلفة عنها في الدين بداخلها؟.
نحن -الأتراك- قمنا بدمج البوشناق، والبوماق، وأغلب الأكراد بداخلنا بفضل الإسلام، أما غير المسلمين، فلا؟.
لقد قمنا بالتطهير الإثني- الديني لأننا لن نتمكن من دمجهم، وقامت اليونان بفعل الشيء نفسه في تراقيا الغربية.
أليس هناك ولو واحد من الستة وثلاثين مستشارا- والذين يتحصلون على رواتب مرتفعة- يهمس في أذن الرئيس ليعرفه معنى الدمج.
بل ويخبره بلغة مناسبة، سيدي: نحن لم نترك روميًا لم نقم بدمجه؟
ثم ألم  نغلق مدرسة الرهبان منذ عام ١٩٧١، وقلنا أننا لن نفتحها قبل إنشاء جامع في أثينا. على الرغم من نص المادة ٤٠ من معاهدة لوزان على الحق في  فتح "كل أنواع المدارس"، وليس فتح جامع في أثينا؟.
حتى الآن لا يستطيع الأرمن اختيار بطريرك إلا بإذن الدولة وهذا أبسط شيء في العالم، ونحن "كدولة علمانية" نتدخل في اختيارات الروم الدينية.
نعم، الحقيقة أن حزب العدالة والتنمية لم يمارس القهر الديني الذي قامت به الدولة العلمانية الدولتية وخاصة منذ ١٩٢٥ تجاه غير المسلمين. ولكن هل يسمح ديننا أن تذهب إلى تراقيا الغربية بعد ٦٥ سنة وتتحدث عن لوزان بينما يحيا ترامب على حساب الفلسطينيين ويتحدث عن القدس؟.
# # # #

 

4) لنفرض أنه ذهب لحل مشاكل إيجه؟
ليكن الأمر كذلك ولكن ألم يكن من الأولى تناول أهم الموضوعات والتي لنا فيها حق واضح وهي:
زيادة اليونان لحدود مياهها الإقليمية إلى 6 أميال، وزيادة مجالها الجوي إلى 10 أميال. لم تفعل دولة أخرى هكذا. فهذه هي النقطة الهامة والسبب الرئيس في  المخاصمة.
وكذلك  أمر جزرنا التي احتلتها اليونان، هذا هو ضررنا الأكبر.
فهي أماكن لم تُحدد أوضاع ملكيتها في أي معاهدة.
تطلق عليهم تركيا رسميا "المنطقة الرمادية". حتى وزارة الخارجية -في بعض الأحيان- تعض أناملها ندما على ذلك. حيث صرحت هيئة الأركان العامة في اجتماع الناتو في مايو 1996م أن جزيرة غافيوس هي منطقة الرمادية!.
هل تعلمون أين تقع جزيرة غافيوس؟ جنوب غرب جزيرة كريت.
لا أستطيع أن أعيب على حزب العدالة والتنمية في ذلك. لأن حزب الشعب الجمهوري هو أكثر من يعاني من احتلال اليونان لـ 18 جزيرة من جزرنا.

 

النهاية:
1) لمعرفة الإجابة على سؤال: لماذا ذهب رئيس جمهوريتنا إلى اليونان؟ 
عودوا إلى العناصر الأربعة المذكورة آنفا.
2) أما سياسة تركيا الخارجية: فتصرف أردوغان على أنّه نابليون تركيا يلحق أضرارا فادحة بسياسته الخارجية خصوصا والسياسة تركيا الخارجية عموما.

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: