رنا خالد
ديسمبر 07 2017

القدس.. وتهديدات اردوغان الصوتية

هدد الرئيس التركي رجب طيب اردوغان الرئيس الامريكي دونالد ترامب بانه سيقطع العلاقات الدبلوماسية مع اسرائيل في حال اعترفت الولايات المتحدة بالقدس عاصمة للدولة العبرية.  وارتفعت حدة التهديد الى درجة وصف فيها القدس بالخط الاحمر للمسلمين الذي يجب ان لا يتم المساس به - على حد تعبيره -.  نبرة حادة ووعود قوية بتحريك منظمة التعاون الاسلامي واتخاذ اقصى المواقف احتجاجا على القرار الامريكي.  وهو بذلك يكرر نفس اللهجة التي يستخدمها في مناسبات متعددة للتعبير عن محاولات تصوير زعامته على العالم الاسلامي.

تهديدات الرئيس التركي جاءت قبل يوم واحد من خطاب الرئيس الامريكي الذي اعلن فيه الاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل.  خطاب ترامب شدد فيه على ان الولايات المتحدة تبحث عن مقاربات جديدة لحل الصراع في الشرق الاوسط لان السياسات السابقة لم تحقق اي تقدم في عملية السلام منذ انطلاقها - حسب زعمه -،  داعياً في خطابه الزعماء في الشرق الاوسط الى الهدوء والاتزان.

مسؤولون اسرائيليون من جهتهم قللوا من اهمية هذه التهديدات التي يستخدم فيها الرئيس اردوغان لغة التهديد باستمرار مع اسرائيل لكن دون جدوى.  ورد وزير التعليم الإسرائيلي نفتالي بينت في بيان له: "للأسف،  لا يفوت أردوغان فرصة لمهاجمة إسرائيل،  وينبغي على إسرائيل تحقيق أهدافها،  بما فيها الاعتراف بالقدس الموحدة عاصمة لها...  وثمة دائما من ينتقد،  لكن في نهاية المطاف القدس عاصمة لاسرائيل أفضل من تعاطف أردوغان".

ترامب يهدف بهذه الخطوة تحقيق اهداف شخصية.  خاصة انه قال في خطاب اعلان القدس عاصمة اسرائيل: "ان الرؤساء السابقين وعدوا في حملاتهم الانتخابية باعلان القدس عاصمة لاسرائيل لكنهم لم يفوا بما وعدوا لكني وفيت بوعدي".  وهو بذلك يحاول اعادة كسب ثقة الراي العام والخروج من الازمات والتهم التي تطال ادارته والتي كان من اهمها ملف التدخلات الروسية في الانتخابات الامريكية. 

تهديدات اردوغان شديدة اللهجة جاءت في الوقت الذي ترتفع فيه الاصوات داخل تركيا حول قضايا الفساد الخطيرة التي تطال مسؤولين داخل حزب العدالة والتنمية،  بل وتطال رجب اردوغان شخصيا على اثر تداعيات محاكمة تاجر الذهب الايراني رضا ضراب.

اذ تم اتهام اردوغان وافراد من عائلته في التورط في قضايا غسيل اموال وخرق الحظر الاقتصادي المفروض على ايران.

وهذا ما يبدوا واضحاً من خطاب اردوغان نفسه،  حيث تطرق اردوغان الى قضية القدس خلال خطابه امام الكتلة النيابية لحزب العدالة والتنمية في نفس الوقت الذي تطرق الى محاكمة رضا ضراب والتي وصفها بانها "مسرحية هزلية لتشويه سمعة بلدنا".

تهديدات اردوغان لا تتعدى في الغالب كونها ظاهرة صوتية.  هدد اردوغان بقطع العلاقات مع اسرائيل في مناسبات عديدة،  كان آخرها في عام 2010 عندما هاجمت قوات البحرية الاسرائيلية سفينة الاغاثة التركية (ماڤي مرمرة) قبالة شواطئ غزة.  لكن الحقيقة التي لا لبس فيها ان العلاقات مع اسرائيل واحدة من اهم ركائز السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية على الصعيد السياسي والامني والاقتصادي،  وهو ما لم يخفه قادة الحزب وفي مقدمتهم اردوغان الذي صرح في عام 2016  بان "تركيا تحتاج الى بلد مثل اسرائيل كما تحتاج اسرائيل الى بلد مثل تركيا".

ادارة اردوغان لم تخفف من العلاقات مع اسرائيل الا في الخطاب العام الموجه الى العالم العربي.  وكل ردات الفعل التي توصف بالمسرحية التي قام بها اردوغان حيال اسرائيل لم تؤثر على قوة التطبيع بين البلدين ولا على حجم التبادل التجاري بينهما والذي بلغ ذروته في فترة حكم حزب العدالة والتنمية.

من جهة اخرى اردوغان يهدد الولايات المتحدة بمنظمة المؤتمر الاسلامي التي عفا عنها الزمن وعجزت عن حل اي من القضايا التي عصفت بالعالم الاسلامي.  ثم يعود ليهدد بانه سيحرك العالم الاسلامي بفعاليات مهمة -حسب وصفه-،  لم يحددها لكنه لم يجرؤ ان يقول بانه سيحرك الشارع التركي لانه يعرف بان الوضع الامني في تركيا لا يسمح بتظاهرات قد تكون عواقبها وخيمة على حكومته التي صارت منذ انقلاب يوليو 2016،  اكثر تحسساً من اي حراك شعبي مهما كانت نواياه.

اخيرا فان الرئيس اردوغان يحاول استخدام تهديداته الصوتية في قضية القدس،  ليغير مسار الريح العاتية التي تعصف بحكومته.  كذلك الضغط على الولايات المتحدة لكي تخفف من الضغط على حكومته،  وذلك عبر التلويح بقطع العلاقات مع اسرائيل.  ولا بأس في اثناء ذلك ان يتلبس نفسه دور السلطان العثماني المدافع عن مقدسات المسلمين.  ويقدم نفسه كزعيم للعالم الاسلامي القادر على التاثير في تطورات الوضع الخطر الذي سينجم مع قرار ترامب.