مايكل ماكنزي
مارس 29 2018

"القلة" لهاكان غونداي: رواية تعرّي المتطرفين في الشرق والغرب

"لقد وُلدت، وقبل بلوغك الـ15عاما أدركت أي نوع من الأماكن ذاك الذي يمثله العالم، وأنت تعلم بأنك عالق في مكان ما بين الميلاد والموت. إنه شعور أكثر منه معرفة فعلية. ثم بعد ذلك يكون التمرد الأول."

إنّ التمرد الذي وصفه الروائي التركي هاكان غونداي في هذه السطور من رواية "القلة" وهي أحدث رواية له، يُعدّ من السمات المشتركة في الأعمال الأدبية والشعرية للكتّاب من تشارلز بوكوفسكي إلى التركي ميتين كاجان، ممن تم جمع أدبهم معا بشكل خاص في تركيا، وتصنيفه على أنه "أدب سري".

ويشير مصطلح "أدب سري" إلى نوع أدبي من أنواع الرواية، وتعريف هذا النوع فضفاض، وبدلا من الأدب الذي تم إنتاجه أو توزيعه بصورة سرية أو غير قانونية، فإن هذا النوع من الأدب يمثل شخصيات رئيسة تفتقر إلى صفات البطولة التقليدية، تشترك معا في أفعال مصورة صريحة، وعدوانية، من الجنس، والمخدرات، والعنف، وتفكر مليا في أسئلة وجودية، بأسلوب يتم تجريده حتى الوصول إلى الضروريات، أو بأسلوب سردي يقترب من العامي.
وكانت هذه هي السمات الرئيسة بالنسبة لأعمال غونداي منذ نشره أول أعماله في عام 2000 والتي كانت بعنوان "اعترافات ميت 'كيناص وقايرا'"، وأخذ غونداي رواياته بعيدا عن السري إلى التيار الرئيسي، لتتصدر مبيعات أكثر الكتب مبيعا في تركيا، ويفوز بجوائز في تركيا وفرنسا. ولتفكر في تشاك بولانيك أو إيرفين ويلش على البسفور.
وخاضت "أركيد بابلشينغ" مخاطرة بنشرها رواية "القلة" لغونداي، مع الأخذ بعين الاعتبار الموضوع الفظ للكتاب، وأن الكاتب غير معروف إلى حد ما في العالم الناطق باللغة الإنكليزية.

و"الأكثر من ذلك" أن أولى رواياته، والتي كانت قد ترجمت إلى اللغة الإنكليزية، ونشرها نفس الناشر في عام 2016 حصلت على إشادة كبيرة من النقاد، لكن يبدو أنها لم تحقق نجاحا تجاريا كبيرا.

وفي نفس الوقت الذي نُشر فيه الكتاب الذي يروي قصة تزامن عمل مهربي بشر يعملون في بحر إيجة مع زيادة الاهتمام الدولي بحركة اللاجئين عبر تركيا، فإن مثل هذا الربط الموضوعي الذي يجذب الانتباه غير موجود في "القلة".
ولسوء الحظ، فإن هذا العمل يفتقر إلى الصوت السردي الجذاب الذي يستحوذ على القارئ، من خلال مشاهد التدهور القاسية التي تخللت الرواية السابقة. وبدون الطابع الفوري لشخصية الراوي الذي يروي الرواية المرسومة بعناية، وتصوير سلسلة من الانتهاكات التي تعاني منها الشخصيات الرئيسة في هذا العالم، فإن الرواية تمضي بعيدا، بدون سبب وجيه، وبدون مبرر، لتصبح سطحية تقريبا.
ويسرد النصف الأول من الرواية قصة فتاة تدعى ديردا تبلغ من العمر أحد عشر عاما، تُخرجها أمها من مدرستها الداخلية التي تقع في شرق تركيا، لتقوم بتزويجها في هذه السن من أحد أعضاء جماعة دينية، والذي يأخذ عروسته الطفلة إلى لندن مرتدية الشادور.

وفي لندن، عاشت ديردا سجينة في شقة زوجها حيث عانت من العنف الجسدي والاعتداء الجنسي، اللذين يحفزان النزعة السادية في شخصيتها. ويصبح هذا مفيدا كمهارة يمكن تسويقها، تستخدمها ديردا للتعامل مع العالم الخارجي الغريب في لندن من خلال جارها، وهو شخص مدمن ومنحرف جنسيا، ومصور إباحي، وفي النهاية تهرب ديردا من زوجها.
وفي حين أن الرواية تمتلئ بأشخاص من الجماعات أو الطرق الدينية، وبرجال العصابات الأتراك الذين يتاجرون في المخدرات، وعملاء جهاز الاستخبارات الداخلية البريطانية (إم.آي 5) (وفي بعض الأحيان يكون كل هذا في نفس الشخصية)، لا يتم سوى بذل جهد ضئيل جدا لتجسيد الشخصيات ودوافعها، أو لاستكشاف ثقافة هذه الجماعات الدينية أو أهميتها في المجتمع التركي.

كما لا يوجد أي عمق في كيفية تعامل الرواية مع جاليات المهاجرين في لندن، والذين يتم تصويرهم جميعا في الرواية على أنهم رجال عصابات، أو نساء تتم تغطيتهن في هذه المجتمعات.
والأكثر من ذلك، أنك تشعر بأن الشخصيات المختلفة أنماطا أكثر من كونها شخصيات حقيقية، بداية من أم ديردا القاسية، مروراً بزوجها الغول، وصولاً إلى آن، وهي حورية عرابة تدخل الرواية في الصفحة رقم 144 في أول ظهور لها كشخصية مخلّصة إلى جانب البطلة.

هذا التشخيص الضحل، وسلسلة المصادفات غير المحتملة التي يستخدمها غونداي لتوجيه مسار الحبكة، يضفي على الرواية في بعض الأماكن نغمة القصص الخرافية، والتي غالبا ما تتعارض بشدة مع مشاهد الرواية، من السادية الممزوجة بتعذيب الذات، والولع الجنسي بالأطفال، إلى إدمان المخدرات والاغتصاب الجماعي.
وتتراجع حدة هذا نوعاً ما في النصف الثاني من الرواية، والتي تعود بالقصة مرة أخرى إلى تركيا، وإلى شاب يعمل في المقابر، يدعى هو الآخر ديردا.

والقول بأن حياة ديردا هذا أقل ألما من حياة نظيرته في لندن يعطي فكرة عن الحدود القصوى للمعاناة التي تتحملها الفتاة ديردا: حيث تبدأ روايته، بأن ديردا هذا مجبر على تقطيع جثمان أمه والتخلص منه، وفي ظل وجود أبيه في السجن، فإنه يذهب ليكافح من أجل العيش وحيدا في المقبرة.
تتطور أحداث القصة لتتبع طريق ديردا التالي في حياة الجريمة ثم السجن، لكن مع مشاهد وحشية إيمائية أقل وأخرى أقل صراحة، فإنّه مسموح لحس الفكاهة البارع والذكي لدى غونداي أن يتقدم إلى موقع الصدارة.

ففي حين كانت هناك لحظات من البهجة بين القتامة في أعمال التمرد القليلة للفتاة ديردا في لندن، فعند العودة مرة أخرى إلى تركيا، فإن الدعابة بين الولد ديردا وأصدقائه - وبعض أصدقائه هؤلاء تمت كتابة شخصياتهم لكي تكون متعاطفة ومؤلفة بعناية ومتوازنة - توضح ماهية القراءة الممتعة التي يستطيع غونداي إنتاجها عندما ينتهج أسلوبا أخف.
كما يصبح النثر أكثر تفاؤلا في النصف الثاني من الكتاب، حيث يُجري غونداي تجارب مع الشكل متضمنا نوعا من الحلم الرمزي الذي يدعمه انبهار الشخصية الرئيسية – والمؤلف – بالمؤلف التركي الرائد أوغوز أتاي.
ومن خلال النهاية العاطفية غير المتوقعة للرواية، نكتشف تحركات القدر التي تربط بين الفتاة والصبي ديردا كل منهما بالآخر وأتاي. وكما يوحي اسمهما، فإن البطل والبطلة يعيشان حياتين متوازيتين: فكلاهما يتيم، وكل منهما أُجبر على أن يناضل ويعلم نفسه بنفسه.

وكلاهما أُجبر على تعليم نفسه كيف يستخدم اللغة، وفي النهاية يجدان في الأدب طوق النجاة. وهذه الثيمات من الطفولة المعذبة، والخلاص من خلال الفن، جعلت القصة تذكرنا في بعض الأحيان بكتاب البؤس للحياة الحقيقية، وخاصة من خلال الواقعية المؤلمة للمشاهد الصريحة للرواية. 
وحتى مع الافتقار إلى العمق في الإعداد، فإن المزيج المتفاوت في الرواية من الخيال والوحشية، يحرم الكتاب في النهاية من أي رسالة واضحة. وكان من الصعب استشفاف مغزى كل ذلك العنف، الذي تم التلويح به على نتيجة الصدف الخيالية العديدة للكتاب، بدلا من أن تحدث من خلال ضغط يتطور بشكل تدريجي من خلال السرد.
وفي مكان آخر، فإنه يمكن أن تصبح محاولات العمق سطحية. ومع تناولها بذهن حاد، فإن استكشاف ما يسمى بالانفصام بين الشرق والغرب، من خلال العلاقة السادية المعذبة للذات، ربما يصبح لمسة ابتكارية. وهنا، فإن الفكرة هي دفع القارئ فجأة إلى تشبيه ينافي العقل: "أُعيد تسمية العبد بعد ذلك. وكان السيد هو من أسماه. مثلما يسمي الطفل حيوانه الأليف، أو مثلما يأتي الأميركيون أو الأوروبيون ويصنفون اعتباطيا جغرافية شاسعة بأنها 'الشرق' – فقط لأن الأرض تقع شرق حدودهم – ومن يجبر الناس الذين يعيشون في هذه المنطقة الجغرافية على قبول الاسم." مستشرقون، دوّن ملاحظة.
ويوجد ما يكفي في رواية "القلة" لجعلك تواصل القراءة حتى النهاية، وتنقل ترجمة الكسندر دوس بصورة جميلة أسلوب غونداي الذكي والسلس. ولسوء الحظ، فعلى الرغم من الامتدادات التي اتُخذت لتضمن مكانها في الأدب "السري"، فإن الرواية في النهاية تفتقر بوضوح إلى العمق.

"القلة" للأديب التركي هاكان غونداي، 335 صفحة، أركيد بابلشينغ، 2018. 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/few/book-review-few