علي يورتاغول
يوليو 06 2018

"القمامة"، والاتحاد الأوروبي، وحزب الشعب الجمهوري!

انظروا ماذا يقول النائب عن حزب الشعب الجمهوري، ونائب رئيس الحزب أوزتورك يلماز:
"لقد حوَّلوا تركيا إلى مقلب قمامة كبير للاجئين. غداً سيؤسس السوريون أحزاباً جديدة خاصة بهم في تركيا، وربما كوَّنوا لهم تحالفات داخل البرلمان".

والحقيقة أن ما دفع يلماز إلى الإدلاء بتصريح كهذا هو اللقاء الذي جرى بين زعماء الاتحاد الأوروبي بشأن مشكلة اللاجئين، وقد خرجت هذه القمة بقرار يقضي بضرورة تقديم الدفعة الثانية من دعم مالي قدره ثلاثة مليارات، يوجه إلى تركيا في هذا الاتجاه. 

ستتحول تركيا والمغرب وعدد آخر من الدول الأفريقية مع هذا الدعم المالي إلى "مقلب قمامة كبير يحتوي اللاجئين"، من أجل هدف واحد هو بث الطمأنينة في دول الاتحاد الأوروبي.

لم يقل هذا صراحة، ولكن الأمر لا يحتاج إلى تفكير كي ندرك أن جملته "غداً، سيؤسس السوريون أحزاباً جديدة في سوريا" هي تلميح إلى الكيان السياسي المشابه لدى حزب الشعوب الديمقراطي.

إذن فإن يلماز لا يشعر بعدم الارتياح من وجود السوريين لأنهم عرب.

فلو كانوا أتراكاً، لما وصفهم ﺒ "القمامة" حينئذٍ، وبالتالي لن تكون هناك مشكلة "غداً".

لا يمكن لحزب الشعب الجمهوري أن يفلح، أو يتقدم إلى الأمام طالما أنه لم يغير مفهومه السياسي، أو نظرته العرقية التي تفتقد إلى معايير الإنسانية؛ لدرجة أنه لم يتردد عن إطلاق كلمة "قمامة" على اللاجئين.

الغريب في الأمر أن هذه الكلمات قد صدرت عن أوزتورك يلماز الدبلوماسي المحنك، الذي احتجز من قبل كرهينة من قبل القوات المسلحة العراقية أثناء عمله في وظيفة قنصل في الموصل. أي أنها صدرت عن سياسي يعرف جيداً ما يتعرَّض له أطفالنا الذين احتجزوا أيضاً. والأدهى من ذلك أنه يعرف ماذا يعني تعرض هؤلاء للذبح أمام الكاميرات.

وزير الخارجية التركي السابق أحمد داود أوغلو.
وزير الخارجية التركي السابق أحمد داود أوغلو.

والواقع أن مثل هذه الجمل، التي سمعناها من سياسيين من المفترض أنهم يحتلون الصف الأول بين سياسيي حزب الشعب الجمهوري، إنما تنم عن إفلاس هذا الحزب فيما يخص قضايا شائكة مثل المشكلة السورية، ومشكلة اللاجئين، بل فيما يخص الاتحاد الأوروبي أيضاً.

دعونا، إذا أردتم، أن نلقي نظرة سريعة على موضوع الاتحاد الأوروبي واللاجئين، وما انتهت إليه قمة الاتحاد الأوروبي الأخيرة بدلاً من الخوض في جدل خاص بالأقوال التي تدعو إلى الغثيان. 

الحقيقة أننا إذا نظرنا إلى الموضوع من ناحية الأرقام، فسندرك على الفور أن أوروبا لا تعاني من مشكلة اسمها "اللاجئين"؛ حيث شهدت الفترات الأخيرة تراجعاً كبيراً في أعداد المهاجرين واللاجئين، الذين يتسللون إلى أوروبا بقوارب عن طريق البحر، أو بأية طريقة أخرى، وأن نسب النزوح قد ثبتت عند هذه النسبة المتدنية.

من ناحية أخرى، يتعين علينا الانتباه إلى تزايد أعداد الأحزاب اليمينية المتشددة، التي فازت في الانتخابات في أوروبا خلال الفترة الماضية. وقد رأينا هذا في الفترة الماضية في إيطاليا، عندما فاز في الانتخابات يميني متشدد معروف بإظهار عدائه للمسلمين. وكان لهذا الانتصار أثر في انزلاق الأحزاب المحافظة على وجه الخصوص.

لم يؤثر اليمين المتشدد في أوروبا على صناديق الاقتراع فحسب، بل ترك تأثيره العميق كذلك على تحَوُّل الروح السائدة بين المواطنين في أوروبا. ويكفي أن نشير إلى أن ربط ألمانيا، التي خرجت من الدور الأول من بطولة كأس العالم، بين صور اللاعبين الألمان من أصول تركية أوزيل، وغوندوغان مع صورة أردوغان كان أبلغ دليل على تفشي هذه الروح بين الأوروبيين. لقد أصبح أوزيل، الذي كان - حتى الأمس - رمزاً للمعايشة بين الأتراك والألمان، سبب المشكلة في ألمانيا كلها.

اللاعب الألماني من أصل تركي مسعود أوزيل مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
اللاعب الألماني من أصل تركي مسعود أوزيل مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

يشير هذا الجو إلى وجود انقسامات داخل الحزب الحكومي المحافظ (حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي) في ألمانيا. وصار الانقسام عميقاً بين تيارين؛ أحدهما يُطَمئِن مؤيديه بخطب تحمل طابعاً يمينياً متشدداً، والآخر يدافع عن ثقافة التضامن والتكاتف الليبرالي. وبالتالي يمكن القول إن أزمة الحكومة الألمانية لا تبتعد كثيراً عن هذا الانقسام.

ولا نعلم أين يقف حزب الشعب الجمهوري في مسيرة الانقسام هذه. فإذا كانت لغة يلماز ورؤيته هذه تمثل الخط السياسي للحزب، فلا شك أن الوضع أصبح سيئاً للغاية. والأدهى من ذلك أن يلماز، ذلك الدبلوماسي الذي عمل لفترة في بروكسل، لم يتبين حقيقة الأمر في مشكلة اللاجئين التي تهم الشأن التركي بالدرجة الأولى.

تعرفون جيداً أن السيدة ميركل لم تكتفِ بفتح حدودها في عام 2015 أمام ما يزيد عن مليون لاجىء؛ تدافعوا صوب أوروبا عن طريق تركيا فحسب، بل ودعت كافة الدول الأوروبية إلى الجلوس مع تركيا على مائدة المفاوضات. لهذا السبب يعتبر الجناح اليميني في الحزب الذي ترأسه أنغيلا ميركل المسؤول الأول في موضوع اللاجئين.

وفي ختام الجولة الثالثة من المفاوضات بين تركيا، أثناء فترة داود أوغلو، وقادة الاتحاد الأوروبي صدر القرار بمنح تركيا دعماً مالياً قيمته ستة مليارات دولار، ووعد برفع التأشيرة بين تركيا ودول الاتحاد؛ لوضع حد لتدفق اللاجئين إلى أوروبا. وبعد هذه القمة، بدأ اللاجئون يعيشون دراما مأسوية في إيجه، وتواردت أخبار عن جثث أطفال ألقت بها الأمواج إلى الساحل، وعلق آخرون على الحدود بين إيطاليا وإسبانيا.

من هنا يتضح أن أوروبا استطاعت بهذا الاتفاق أن تهرب من مسؤولية اللاجئين، وتلقي بها على كاهل دولٍ أخرى من بينها تركيا بالطبع. وفي مقابل هذا كله، لم يتردد يلماز أن يطلق كلمة "قمامة" على اللاجئين، ويلمح إلى أن الاتحاد الأوروبي هو من ألقى بهذه القمامة من عنده، ويتجاهل تماماً نقطة الانقسام الواضحة في علاقة تركيا بالاتحاد الأوروبي.

لقد غاب عن ناظر يلماز أمران مهمان للغاية بشأن القرارات التي خَلُصَت إليها قمة الاتحاد الأوربي، ربما كانت زلته تلك وراء خسارة حزبه للانتخابات:

يتعلق الأمر الأول بالاتحاد الأوروبي؛ إذ أصبح اتفاق دبلن، الذي يمكن أن نعتبره حجر الزاوية في سياسة القمة الاستثنائية حيال اللاجئين، ضرباً من الماضي، ولم يعد مبدأ "الدولة المسؤولة" عن قضية اللاجئين يطبق بشكل جيد، بالإضافة إلى أنه لن يطبق على المستوى الرسمي. 

وهذا يعني أنه لم تعد هناك سياسة واحدة مشتركة يتبناها الاتحاد الأوروبي حيال قضية اللاجئين. أما القرارات الأخرى، فعبارة عن مشروعات يجري الحديث عنها منذ ثلاثين عاماً، وأخرى يستحيل تطبيقها على أرض الواقع، مثل إقامة مخيمات للاجئين على الأراضي الليبية..

والغريب في هذا الموضوع أن يلماز كان يغض الطرف في حديثه عن النقطة الرئيسة التي تمثل مشكلة عميقة داخل حزب العدالة والتنمية.

الجدير بالذكر كذلك أن الاتحاد الأوروبي لم يلتزم بالاتفاقية التي وقعها مع تركيا؛ فالاتحاد الأوروبي لا يزال يطبق العمل بتأشيرة الدخول داخل منطقة شنغن 2016 بالنسبة لمواطني الجمهورية التركية. والسبب وراء ذلك أن حكومة أردوغان-داود أوغلو لم تُرد الوفاء بالعهود التي قطعتها على نفسها؛ من أجل تطبيق نظام تأشيرة الدخول الجديد.

ولكن ماهي الوعود التي قطعها أردوغان على نفسه؟

تنحصر هذه العهود في رفع كافة الإجراءات، التي تحد من الحقوق الأساسية للمواطنين من قانون العقوبات، وإزالة كافة العقبات التي تقيد حرية الصحافة في تركيا.

ويمكن القول إن هذه الاتفاقية كانت نقطة الانفصال الرئيسة بين تركيا والاتحاد الأوروبي.

وتعرف إدارة حزب الشعب الجمهوري حقيقة استبداد أردوغان أفضل منا، لذا لم يكن من المصادفة أن يخفق حزب الشعب الجمهوري في الانتخابات، وهو الذي فضّل أن يعادي أوروبا بديلاً عن إدراج موضوع الخلاف مع الاتحاد الأوروبي على برنامج أعماله.   

الأمر الآخر أن لدى تركيا مشكلة أخرى تهمها كثيراً في موضوع اللاجئين، وتمثل عاملاً مهماً أيضاً في موضوع تأشيرة الدخول. هذا الشيء هو تزايد أعداد الأتراك، الذين تقدموا بطلبات لجوء إلى دول أوروبا منذ العامين الماضيين، وأن هذه الطلبات آخذة في التزايد إلى وقتنا الحاضر؛ فإلى جانب الصحفيين والكُتَّاب والأكاديميين، الذين تعرضوا للتنكيل من جانب نظام أردوغان، نجد أن الآلاف قد فروا إلى أوروبا من تركيا؛ هرباً من الأوضاع المعيشية الصعبة فيها، ولا تزال تركيا تنزف الكثير من دمائها بسبب تسلط أردوغان. وفي الوقت الذي يعلن فيه أردوغان أنه سيقدم تذكرة الطائرة لكل من يريد مغادرة تركيا، نجد أن حزب الشعب الجمهوري لا يزال يغط في نومه، غير مبال بما يحدث.

أضف إلى هذا أن حزب الشعب الجمهوري لم يدرك أنه، بتصريح سياسيين ينتمون إليه مثل يلماز، قد أمسى يسير على نفس درب اليمين المتطرف في أوروبا، الذي يستخدم -هو الآخر - مسمى "قمامة" على أقران هؤلاء السياسيين، الذين فروا إلى أوروبا هرباً من الظروف القاسية في تركيا.

والحق أقول إنه لو قُدِّر لي أن أختار بين أردوغان وأوزتورك يلماز إزاء موضوع اللاجئين السوريين فإنني سأختار أردوغان، على الرغم من كل ما اقترف من جرائم.
على الأقل لأنه وفَّر المعاملة الإنسانية للاجئين السوريين..
 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: