القَسَم الطلابي، هل هو إنكار لهوية الأقليات في تركيا؟

كنت قد نشرت مقالا، ونشرته في شهر أكتوبر من العام 2013، حول موضوع "القسم الطلابي" الذي تجدد الجدل حوله هذه الأيام بعد قرار المحكمة الإدارية بإعادة العمل به في المدارس، وإلغاء قرار حكومي سابق نص على تعطيله. وخلال قراءتي للنقاشات الدائرة حول نفس الموضوع، شعرت بحاجة إلى نقل خبرتي وتجربتي في هذا الصدد.
والقسم المذكور  يحتوي في عباراته على تعظيم القومية التركية، مثل: "أنا تركي.. أنا على الحق.. وأنا المجد ..أنا على درب أتاتورك.. ووجودي هو فداء للترك..وطوبى لمن يقول أنا تركي....إلخ". وفي وقت سابق الحكومة قد ألغت هذا القسم بسبب أنه يحتوى على ما اعتبرته "أفكارًا أيدلوجية متشددة".
باختصار أريد أن أقول إن الاقتراب من بعض الأوضاع والأمور بحساسية مفرطة، والاهتمام بها أكثر من اللازم، قد يكون سببًا بشكل أو بآخر في حدوث تطورات غير مرغوب فيها. 
فلا شك أنه يتعين أن نمر مرور الكرام على الأحداث التي لا تحمل قدرًا من الأهمية. وفيما يلي مقالي السابق الذي سبق وأن نشرته بعد حظر ترديد "القسم الطلابي" في المدارس بموجب قرار حكومي آنذاك:
ها قد ألغي القسم الطلابي ولم يعد من حق الطلاب ترديده في المدارس. وهذا القرار كما تعلمون اتخذته الحكومة في إطار حزمة الإصلاحات الديمقراطية (كانت في العام 2013). وهناك من يدعمون هذا القرار، وآخرون ينظرون إليه بعين الانتقاد.
من يرون أن منع ترديد القسم في المدارس أمرًا صائبًا، يقولون إن "قسمًا كهذا خاطئ، وينطوي على ضرر، وذلك لسببين اثنين. أول هذين السببين، أن عبارة (أنا تركي) الموجودة بالقسم، كيف كان يجبر على قولها هؤلاء الأطفال الذين لا يعتبرون أنفسهم أتراكًا، كالأكراد، والأرمن، والروم ؟
كما أن جملة (وجودي هو فداء للترك) الواردة بالقسم، تعارض حقوق الإنسان، وتغزي مشاعر القومية التي تجعل من الحياة أمرًا بلا قيمة. أي أن القسم ينطوي على أضرار تربوية".
أما المؤيدون لترديد القسم بالمدارس، فيقولون إن "قسمًا كهذا من شأنه أن يعزز الوحدة القومية، كما أن كافة الناس المقيمين في تركيا أتراكًا من حيث المواطنة، ولا يوجد أي أجبار لهم ليكونوا أتراكًا. فلا شك أن التفاني الوطني شعور إيجابي. أي أن ترديد القسم بالمدارس، لا يعني إجبارًا لأحد أو فرض إملاءات عليهم".
وأنا في هذا الصدد أريد أن أدلي بدلوي، وأقول رأيي بما أنني أخذت أردد هذا القسم لسنوات في مدرسة الروم الابتدائية. وبالطبع رأيي هذا غير ملزم لأحدٍ غيري.
ورأيي في هذا الصدد قد يكون خاصًا للغاية، وفريدًا من نوعه. وكما رأيتم فإنني قمت أعلاه بعرض وجهتي النظر حول الموضوع سواء للمؤيدين أو المعارضين. وأنا أفهم وأقدر منطق الرأيين. وأرى نفسي قريبًا من الرأي الأول، ومن ثم أعتقد أنه من الصائب منع ترديد هذا القسم في المدارس. لكن مع هذا فإن تقييمي لهذا القسم مختلف بعض الشيء. 
لقد سبق لي أن رددت هذا القسم على مدار ست سنوات في مدرسة الروم الابتدائية. أي ما يقرب من ألف مرة رددته مع الطلاب طيلة هذه السنوات. ولا أتذكر أنني سبق وأن عشت أزمة أو مشكلة ما أثناء ترديدي هذا القسم. كان الأمر أشبه ما يكون بالشيء الروتيني، إذ كنا نردده بصوت رتيب، وكنا لا ندرك معنى الكلمات التي نقولها.
كانوا في المدرسة يطلبون منا ترديده، فكنا نقوله. أي كان شيئًا لا يختلف عن تلك الأشياء التي كانت تفرض علينا في المدرسة أو بمعنى أدق الأشياء التي كانت تحّفظ لنا دون أن نفهمها.
وفي هذه السنوات – كانت بين عامي 1947-1954 – كنا نتاول الرؤية التركية فقط دون غيرها حيال العديد من القضايا. ومن ضمن ما كنا نقوله، أن الترك هم من بدؤوا الحضارات، وأن جميع قدامى البشر كانوا أتراكًا. وكنا فيما بيننا لا نقول إن هذه الكلمات غير صائبة، لأنه لم تكن لدينا أية ثقة فيما هو صائب. كانت كل هذه الأمور دروس علينا أن نقوم بها كي نجتاز الصف الدراسي. فهذا ملخص ما كنا نتعلمه.
كنا نقول كل صباح "أنا تركي"، ومع هذا كنا على يقين بأننا نخلتف عن الأتراك الموجودين من حولنا، بل كنا نشعر بذلك جيدًا للغاية. ولعل أكثر شيء جعلنا أكثر شعورًا بهذه الأمور، أن تلك الفترة شهدت ما يسمي بـ"ضريبة الثروة أو رأس المال" التي فرضت على الأثرياء، لا سيما من المسيحيين واليهود.
هكذا وبعد مرور سنوات على هذه الأحداث، تذكرت هذا الموضوع ذات مرة، وعندما أخذت أكرر ما أحفظه (كيف لي أن أنساه فقد رددته ألف مرة) من القسم الطلابي، أخذت مني الحيرة مأخذها، وبدأت أضحك. لأنه اتضح لي أني كنت أقرأ هذا القسم بشكل خاطيء لم أراعِ فيه الفرق بين الأحرف الصوتية الثقيلة والخفيفة في بعض الكلمات. وكان ذلك يرجع إلى ضعفي في اللغة التركية حينها.
  هذا فضلا عن قراءتي الخاطئة للكلمات واستبدالها بكلمات أخرى حروفها شبيهة من حيث النطق بحروف الكلمات الأصلية. فكنت مثلا أقول "دستوري: عدم الخوف الصغار، وعدم احترام الكبار" في حين أن النص الأصلي من القسم في نسخته التي كانت تردد في أربعينيات القرن الماضي، كان يقول " دستوري: حماية الصغار، واحترام الكبار" !
وبالتأكيد كان السبب في ذلك كما قلت هو تشابه الحروف الذي جعلني أختلق قافية حسب ما فهمت. ولا أعتقد أن الأطفال الروم كانوا يدركون آنذاك في تلك الأعمار معنى كلمة "دستوري" التي كانوا يرددونها كل يوم في ذلك القسم الذي يدور حوله الخلاف.
وخلاصة القول، هذا القسم لم يكن نافعًا ولا ضارًا، هو فقط كان بلا معنى، وكوميديًا. والأطفال كانوا يحفظونه من خلال التكرار دون إدراك منهم لمعناه. فالقسم كان مضيعة للوقت، وبلا أدنى فائدة تذكر.
وحسب ما أعتقد أن هذه القسم كان من الممكن أن يبقى كما هو كوميديًا وبلا فائدة، لو أنه لم يلقن للأطفال في المنازل بشكل مختلف، أي لولا قيام الأسرة، والمحيط المقرب من الطفل بلفت انتباهه إلى الجانب "العرقي" من هذا القسم. لكن سرعان ما تحول هذا القسم إلى شيء مسيس بسبب ما قيل في حقه وضده بعد سنوات. وفي النهاية وتبعًا لذلك، بات القسم أشبه ما يكون بالرمز. وهو وفق البعض أصبح رمزًا للاستيعاب، بل ورمزًا للوحدة الوطنية كما يراه آخرون. ولا شك أن حرب الرموز هذه لها منطقها الخاص بها أو بمعنى أدق لها عدم منطقيتها.
قد تكون للأشياء، وللأقوال، والأفعال معانيها المختلفة. هذه المعاني قد تتغير مع الوقت، كما أن تحديد ماهية هذه المعاني أمر قد يختلف من إنسان لآخر. ومن ثم فإن القول بأن أبناء الأقليات في تركيا من خلال ترديدهم القسم، ولا سيما ما به من عبارات كعبارة "أنا تركي"، قد تعرضوا لـ"صدمة" أو "ضغوط"، أمر قد لا يكون صائبًا. (بالتأكيد كانت هناك صدمات، وقمع، لكن القسم ليس أحدها). 
لذلك أكرر وأقول إن هذا القسم بالنسبة لي على الأقل، لم يخرج عن كونه أمرًا روتينيًا، بلا معنى، لكنه كان كوميديًا في ذات الوقت.
كما أنني في ذات الوقت ضد من يضفي أبعادًا دراماتيكية على هذا القسم. وأنا على ثقة من أن هذه الحساسية المفرطة في تناول القضية بهذا الشكل، تخفي ورائها مخاوف قومية. لأن تناول الإنسان للهوية التي لا يؤمن بها في إطار يشبه إطار "الدروس الإجبارية" بالمدارس، أمر مؤلم جدًا وفيه إنكار لأصحاب الهويات الأخرى. وحقيقة أنا أنظر بعين الريبة والشك إلى أولئك الأشخاص الذين يتبنون حساسية مفرطة كتلك التي نحن بصددها.
وفي هذا المقام يمكنني أن أقول إن المسيحي المتزمت الذي لا يريد دخول المسجد، شأنه شأن المسلم الرجعي الذي لا يدخل الكنيسة.
ولا ننسى أن شيئًا ما يحدث بمجرد قول أشياء في القسم المذكور. لأن هذا القسم كان شيئًا يختلف كليًا عن اليمين الذي يقسم به المرء وهو مدرك وواعٍ بكل ما تعنيه كلماته. فكلمات القسم ليست ساحرة لهذه الدرجة. لكن من الأفضل عدم تفعيله بالمدارس.
ومع كل هذا علينا ألا نولي الموضوع مزيدًا من الأهمية. لأن هذا القسم ليس سبب كل الشرور كما تعلمون. وهو إن كان له جانب سيء، فهذا السوء محدود بشكل كبير. ولكم فيّ العبرة والمثل، فأنا كثيرًا ما رددته في صغري ولم يتغير في شيء على الإطلاق.

لقراءة المقال باللغة التركية على هذا الرابط

https://ahvalnews.com/tr/andimiz/turkumdogruyum
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.