الكاتبة التركية تِزر أوزلو ورحلتها إلى حافة العمر

تأخذني الكتابة عن الكاتبة التركية تِزَر أوزلو إلى عالم آخر بعيد عن حدود الزمان والمكان.

كنت أحاول، وأنا أقرأ لها أو أكتب عنها، الإصغاء إليها بوقفتها المائلة التي تحاكي نساء موديلياني (الرسام والنحَّات الإيطالي الذي اشتهر بطريقة رسمه للوجوه والأجسام الطويلة للنساء(، وسيجارتها التي تمسك بها بين إصبعيها النحيلين، وقد ارتسم على وجهها ابتسامة لم تخلو من الحزن والكآبة. بدا صوتها، وكأنه يخرج مختنقاً من بين دخان التبغ الذي تنفثه من بين شفتيها بغزارة. لم أكن قد قرأتُ بعد سطراً واحدًا من كتابها "ليالي الطفولة الباردة"، وأنا أتطلع إلى صورتها، وأحاول أن أتفحص خطوط الحزن التي انتشرت بين قسمات وجهها. 

انتابتني رعشة بعد ذلك بسنوات، وأنا أنظر إلى صورتها لدى أحد بائعي الكتب؛ رعشة لطالما شعرتُ بها، وأنا أقرأ أي عمل من أعمالها، ليس كتاباً بعينه، وإنما كافة الأعمال الأخرى، بل وفي المقالات التي كُتبت عنها، والتي تسبح بذكرياتكم في عالم آخر بعيداً عن حدود الزمان.

لقد قاموا بطباعة نسخة خاصة من كتابها "رحلة إلى حافة العمر". تسمرَّت أمام وجه السيدة الموضوع على الكتاب؛ إذ شعرتُ، وكأنني أنظر إليه للمرة الأولى. نعم رأيتُ في وجهها ابتسامةً، ولكنها كانت تحمل ألماً وحزنًا تحدت بهما مصاعب الحياة. 

وعندما عدتُ إلى المنزل، وجدتُ النسخة القديمة من الكتاب التي نُشِرت في تركيا عام 1984.  كانت أوزلو قد كتبت هذا الكتاب في بادئ الأمر باللغة الألمانية، ثم نشرته في ألمانيا، وحصلت عنه على جائزة ماربورغ للأدب عام 1983. ذكرتني البقايا الذابلة من حياتها كيف تتحول المشاعر والأفكار والخبرات الخالدة إلى كلمات.

تستشف في أعمال أوزلو آثاراً لشخصيتها المحطمة؛ فتبحث عن مشاعر مثيرة في أعماقها، بينما تظل الحقيقة لا تتعدى ما نراه مرتسمًا على وجهها. كانت تناجي نفسها بعبارات يظن القارئ أنها موجهة إليه هو مباشرة. توغلت أوزلو في أعمالها إلى آفاقٍ أرحب دون الحاجة إلى نسج عالم خاص من التخيل أو التعبير عما عايشته من معاناة وخوف ويأس، حتى أنها كانت ترتب أفكارها في بنية السرد في أعمالها، بحيث تبدو وكأنها امتداد لروحها.

كتبت أوزلو في دفتر ملحوظاتها، الذي رافقها طوال مراحل حياتها، عبارة "لا يقتصر دورك، وأنت تكتب، على مجرد قص الحكايات على مسامع القارئ؛ لأن الدنيا من حولك مليئة بالقصص والحكايات. حياة الإنسان نفسها مليئة بالحكايات". وتقول أيضاً إنها تكتب "لأن الحياة مليئة بالآلام والمعاناة". وفي رأيها، إن أية كلمة يتلفظ بها الإنسان هي - في حقيقة الأمر - وسيلته للتعبير عن نفسه، والتأكيد على مكنون شخصيته.

كانت وحدتها الفريدة، التي لم تشكو منها في سنوات طفولتها وسنوات شبابها التعيسة، هي أنيسها، وهي تجول المدن الأوروبية ركضاً خلف الكتاب والأدباء مثل الشاعر والروائي الإيطالي بافيزي، والكاتب التشيكي فرانس كافكا، والكاتب الإيطالي سفيفو؛ فنجد أنها بعد أن قالت "الحقيقة المطلقة الأكثر أهمية في الحياة هي أن تشعر بالحنين إلى حبيب لك، طالباً رؤياه". لقد عادت لتقول "بيد أن سنة الحياة هي أن يعيش الإنسان وحيداً".

هل كانت تعلم أوزلو أنها سترحل عن هذا العالم بعد عامين من الانتهاء من كتابة مذكراتها في برلين؟! لستُ متأكدة من ذلك، ولكني أكاد أجزم أن معرفتها بذلك لم تكن لتغير علاقتها بالكتابة.

كانت تشعر بقرب النهاية منذ سنوات طويلة. لقد كانت تترقب تلك النهاية مع كل نفس، وكل كلمة، وكل عناق، ومع هذا، كانت تبتعد - من ناحية أخرى - عن مصيرها المحتوم، كلما تنقلت بين الكُتَّاب والمدن؛ حيث تكشف رحلتها في التنقل بين الكتَّاب عن حياة أخرى لا نهاية لها. ولعل هذا هو السبب في أن أولئك الذين تشبثوا بأجواء أوزلو في الكتابة لم يتركوها مرة أخرى.

وعلى الرغم من أن أوزلو كانت تنتقد "النظام الاجتماعي" إلا أنها تزوجت ثلاث مرات، ولكن هذا لم يمنعها في كتابها "رحلة إلى حافة الحياة" من التأكيد على أنها لا تعتبر العلاقات الإنسانية الثنائية نقطة الانطلاق في الحياة. ليس هذا فقط، بل إنها أخذت تحذر القارئ من ذلك بقولها "دائماً ما أصف قرار الزواج بأنه قرار خاطئ. الزواج مثل المؤسسات الفاشلة في النظام الاجتماعي. لقد قاومتُ هذا في السابق، وسأظل أقاوم".

من ناحية أخرى، يتلقى القارئ اعتراضاتها الحادة بخصوص النظام الاجتماعي والزواج، باعتبارها نتاجاً لامتداد أو تأثر بموقف أو تجربة حياتية شكَّلت بنية الكتابة عندها. وهي في ذلك تأخذ بيد القارئ، الذي يصاحبها في رحلتها، لتُرِيه عدم كفاية حدود العقل، وتدعوه إلى عالم آخر من الجنون: "أقول: إنني أعرف البعد الحقيقي للجنون؛ فهو يشبه الخط الفاصل بين العقل والجنون. إنه خط الأفق الذي تلتقي عنده مياه البحر الأبيض المتوسط بالسماء".

من الواضح أن شغفها بالركض خلف من تحبهم من الكتَّاب لم يكن لمجرد رغبة في الكتابة أو ميل لها، وإنما لإدراكها أن لدى هؤلاء لحظات سحرية تحولت فيها معاناتهم في الحياة إلى شكل نص مكتوب.

كتبت أوزلو عن زيارتها لمنزل الروائي الإيطالي سفيفو في تريستا ما يلي:
" المكان تفوح منه روائح نباتات الجُزر. تغرب الشمس بين أشجار الصنوبر الضخمة القوية الخضراء. كنا فوق إحدى الهضاب، وكنت أقوم بتدوين الملحوظات في دفتر ملحوظاتي. وجدتُ في دفتري عبارة "قدري ألا أكون مستقراً أبدًا"، وهي واحدة من مقولات سفيفو التي كنت أحملها معي منذ أن كنت في إسطنبول. 

كانت تِزَر أوزلو كاتبة من طراز خاص، لا تعترف بحدود الزمان. كان لها أسلوبها المتفرد في الكتابة، الذي ربما لم تقلد فيه حتى نفسها، وذلك في رحلتها للوصول إلى الذين لا يعرفون كثيرًا عن شخصيتها وطفولتها وسنوات شبابها وشيخوختها، التي لم تعشها، وجنونها ولهوها وما أحبته، وما لم تحبه في الحياة. كانت تؤمن بأن انخراطها في الكتابة هو السبيل الوحيد لمجابهة آلام الحياة، تماماً مثل قول الشاعر والروائي الإيطالي بافيزي " أحب أن أظل وحيداً على هذه الأرض الملعونة".  

ونحن إذ نتذكر الكاتبة تِزَر أوزلو بالاحتفاء بمرور 35 عامًا على كتابها، الذي تخطت به حدود الزمان، "رحلة إلى حافة الحياة" أود أن أختم مقالي، الذي تحدثتُ فيه عن حياتها، بآخر ما كتبته أوزلو قبل أن تفارق الحياة:
"أنا الآن في مدينة تورينو بإيطاليا، في حدائق فالنتينا، أتذكر كم كنت أشعر بالملل عندما كنت طفلة. كانت حدود الطفولة مروعة بالنسبة لي. إنها مثل ليالي الطفولة الباردة".

وهي تعتقد أنه من السخف ألا يُسمح للإنسان في سن الطفولة بتجاوز الحدود التي وضعها الناس. وترى أن الإنسان يصبح أكثر سعادةً مع مرور السنوات عندما ينطلق من قفص الطفولة بما يكتسبه من حدس وعواطف وأفكار وخبرات، لذلك كانت تِزَر ترى أن سعادتها الوحيدة تكمن في الهروب:
"تهرب من كل شيء؛ من الطفولة، من المعاناة، من الحب، من كل هجاء، من الأيام، من الليالي، من المنازل، من الزواج، من كل بلد، من كل الحدود، من كل أنواع القيود، من العادات، من العالم، من العالم الآخر كذلك، تهرب من الحياة بكل ما فيها".

أعتقد أن تِزَر كانت تريد بهروبها من كل شيء أن تلتقي بنفسها من جديد. هربت من الحدود والقوالب إلى الرتابة؛ حتى تدرك تلك الحياة التي استمدت منها القوة لتدرك الحياة الخالدة.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/guncel/tezer-ozlunun-gunlugu-35-yasinda-yasamin-ucuna-yolculuk
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.