اللعبة الخطيرة لتركيا مع النمو الاقتصادي

تثير تداعيات الإعلان غير المتوقع للرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنه يخطط لفرض تعريفات جمركية نسبتها 25 بالمئة على واردات الصلب جدالا عالميا. 
وحالات عدم التوازن الاقتصادية العالمية الناجمة عن حرب العملة الشهيرة حاليا خلال العقدين الماضيين معرضة لخطر الزيادة مرة أخرى حيث إن ترامب حاليا على وشك اتخاذ قرار من شأنه أن يؤدي إلى نشوب حروب تجارية عالمية.
وتحتل كندا المرتبة الأولى كأكبر مورد أجنبي للصلب للولايات المتحدة، تليها البرازيل، ثم كوريا الجنوبية، ثم المكسيك، ثم تركيا، ثم الاتحاد الأوروبي، فاليابان وروسيا. والولايات المتحدة أكبر سوق لصادرات الصلب التركية، حيث مثلت نسبة 12 بالمئة في الربع الأول من العام الماضي. ومن ثم، ربما تتأثر تركيا سلبا من قرار ترامب بما يصل إلى 1.1 مليار دولار أميركي.
وتثير خطوات انتقامية محتملة من جانب الاتحاد الأوروبي والصين قلق أسواق المال في جميع أنحاء العالم، خصوصا مع هيمنة الصين على سعر سندات الخزانة الأميركية بسبب استثماراتها الضخمة بها. وبالإضافة إلى حماس رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) جيروم باول للقضاء على القوى التضخمية داخل البلاد – يحتمل رفع أسعار الفائدة أربع مرات هذا العام- فإن التوقعات بالنسبة للأسواق الناشئة يبدو أنها آخذة في التدهور.

رسم بياني

وفي تركيا، فإن نشر تضخم أسعار المستهلكين لشهر فبراير هذا الأسبوع ومعدل التضخم الأساسي للبلاد، الذي يقف حاليا عند 11.9 بالمئة، ذكر المستثمرين بأن التضخم أحادي الرقم أصبح شيئا من الماضي. وهذه نظرة تشاؤمية متزايدة في أسواق المال، وخاصة عندما يُبقي البنك المركزي على أسعار الفائدة، ويرفض الاعتراف بالحقيقة البسيطة القائلة إن القوى الناجمة عن التضخم الأعلى تستمر في دفع الأتراك بعيدا عن الليرة وباتجاه العملة الصعبة مما يغذي الحلقة المفرغة. 
ويضاف إلى هذه الصورة القاتمة زخم ضغط التكاليف لتضخم أسعار السلع الوسيطة، الذي يبلغ حاليا 17 بالمئة على أساس سنوي. ومن ثم، فإن الإبقاء على أسعار الفائدة، كما قرر البنك المركزي التركي هذا الأسبوع، يعني أن ما يُطلق عليه مكافحة التضخم في تركيا أصبح قضية خاسرة.

رسم بياني
رسم بياني

ومع ذلك، فإن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حريص على خفض أسعار الفائدة حيث يسير نحو انتخابات رئاسية، وبرلمانية، ومحلية العام المقبل.
ولدى عودته إلى تركيا قادما من أفريقيا الأسبوع الماضي، أثار الرئيس مجددا قضية "ارتفاع" أسعار الفائدة في تركيا.
وطبقا لخطط غير منشورة، فإن البنوك العامة ستضخ أموالا لخفض أسعار الفائدة في سوق الإقراض. ويرى أردوغان أن البنوك في تركيا تحقق أرباحا ضخمة عن طريق فرض أسعار فائدة مرتفعة غير معقولة على القروض. كما يرى أيضا أن ارتفاع أسعار الفائدة هو السبب الرئيسي في أن يكون التضخم في خانة العشرات في تركيا، وليس العكس. ومن ثم، وطبقا لمنطق أردوغان، فإن خفض أسعار الفائدة على الإقراض من المستويات الحالية التي تتراوح ما بين 18 إلى 20 بالمئة من شأنه أن يحقق هدفين: الأول هو دعم النمو الاقتصادي والثاني خفض معدل التضخم. وبالطبع، فإن معضلة التضخم مقابل أسعار الفائدة ليست بسيطة، وفقا للنظريات الاقتصادية الأساسية، المعروفة باسم قواعد الاقتصاد الكلي البالغ عددها 101 قاعدة.
والتفاصيل الدقيقة لخطط أردوغان لخفض أسعار الفائدة غير واضحة بعد. وحتى مع ذكر الرئيس نفسه البنوك العامة عدة مرات، فمن الواضح أن هذه البنوك ستلعب الدور الأكبر في جهوده لخفض أسعار الفائدة على القروض.
ولا يوجد شك في أن مثل هذه الخطة التي تقضي بمنح الاقتصاد التركي دفعة مصطنعة سيكون لها آثار جانبية خطيرة. وستتدهور ميزانيات البنوك، مما يضيف عبئا جديدا على الخزانة. 
ومع إصدار الرئيس أوامر للبنوك بخفض أسعار الفائدة على الإقراض، فإن هذا سيتطلب أيضا تعاون البنك المركزي، باسم  الاتساق. وإذا كانت مثل هذه الخطط تشمل أيضا أن يوفر البنك المركزي سيولة إضافية لدعم النمو، فإن الجهود المبذولة لخفض التضخم ستكون معرضة للخطر بصورة أكبر.
وإلى جانب هذه التدابير النقدية، فإن الحكومة تتأهب لمصادقة على عفو ضريبي ضخم لتعزيز الاقتصاد من الجانب المالي. وتتوقع الخطة أن يضخ عشرة ملايين من دافعي الضرائب المدينين قرابة 100 مليار ليرة تركية (26 مليار دولار أميركي) في خزائن الدولة خلال الثمانية عشر شهرا المقبلة. كما سيتم محو غرامات الفائدة. وسيشمل العفو غرامات المرور، والتزامات الضرائب الجمركية، والسيارات، وديون رسوم الطوابع، والتزامات الضرائب العقارية، وديون القرض الطلابي، وديون قرض المساهمة وديون ضريبة الدخل.
والأسبوع الماضي، أصلحت الحكومة نظام ضريبة القيمة المضافة في تركيا الصادر منذ 33 عاما. وطبقا لوزير المالية التركي ناجي أغبال، فإن مشروع القانون الجديد ينص على أن الحكومة ستوزع عوائد ضريبة القيمة المضافة على دافعي الضرائب بدون أي تأخير كبير. وبلغت مستحقات عائد ضريبة القيمة المضافة للشركات من الدولة 140 مليار ليرة في نهاية النصف الأول من العام الماضي. وتقول الصحف القريبة من الحكومة أن ما يقرب من نصف المبلغ المستحق سيتم تسليمه للشركات لكي تفي باحتياجاتها التمويلية قصيرة المدى. ومثل هذه المبالغ المالية الكبيرة لم يتم رصدها في ميزانية العام الجاري، حيث يُتوقع أن يصل العجز إلى 67 مليار ليرة، أو 1.9 من الناتج المحلي الإجمالي.

رسم بياني

ومثل هذه الخطوات على الجانبين المالي والنقدي تضيف إلى ما يمكن أن تكون الخطوة الأكثر خطورة من الناحيتين الشعبوية والاقتصادية لحزب العدالة والتنمية الحاكم، وذلك طيلة فترة حكمه الممتدة إلى 15 عاما.
ويتسارع التغير في البيئة النقدية العالمية حيث تُضخم تركيا اقتصادها على حساب الانضباط المالي والتضخم المرتفع. ويسعى أردوغان إلى إغراق الاقتصاد بأموال "رخيصة" (أموال ذات تكلفة اقتراض منخفضة) بطرق لا تناسب الحقائق الاقتصادية. ومن الواضح أن هذا يعني أنه يعلب لعبة خطرة مع استقرار الاقتصاد التركي.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: