الليرة التركية تدخل وضع الجمود إلى ما بعد الانتخابات

في أعقاب الأزمة الاقتصادية الناتجة عن التراجع الذي شهدته الليرة التركية الشهر الماضي، فإن الموقف في تركيا يبدو أنه قد استقر بفضل رفع البنك المركزي أسعار الفائدة 300 نقطة أساس، وقرار البنك توظيف نسخة أكثر "تبسيطا" من سياسته النقدية غير التقليدية.

وبالعودة إلى دليل عملياته السابقة، فإن البنك أعلن أن سعر إعادة شراء الأوراق المالية (الريبو) لأسبوع واحد سيصبح هو سعر الفائدة المحدد بموجب سياسته، الثابت عند 16.5 بالمئة، حيث تتراوح أسعار الإقراض والاقتراض لليلة واحدة ما بين +/- 150 نقطة أساس من هذا المستوى، لتُحدد ما يطلق عليه نطاق سعر الفائدة.

ومثل هذه المجموعة من السياسات النقدية ستسمح بالطبع للبنك برفع أسعار الفائدة بدون الحاجة إلى عقد اجتماع أو تصريح، بالإضافة إلى رفع سعر الفائدة المحدد بموجب سياسته إلى 18 بالمئة إذا ما اقتضت الحاجة.

رسم توضيحي

فقد هدفت زيارة نائب رئيس الوزراء التركي محمد شيمشك ومحافظ البنك المركزي مراد جتين قايا إلى العاصمة البريطانية لندن، الأسبوع الماضي، إلى استمالة قلوب المستثمرين مرة أخرى. وأدت المقابلة الصادمة التي أجرتها وكالة بلومبيرغ للأنباء مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أوائل شهر مايو الماضي، إلى سقوط الليرة سقوطًا حرًا، ما دفع البنك المركزي إلى التدخل. ويبدو أن الزيارة قد ساعدت على استقرار الليرة.

ومع التدابير التي اتخذها البنك المركزي بالفعل، فإن هذا الثنائي كان له قصة ملموسة يرويها على المستثمرين الذين يشعرون بعدم ارتياح مع سعيهما لإثبات استقلالية البنك المركزي وترشيد السياسة النقدية المستقبلية. 

ويمكن اتخاذ خطوة البنك المركزي على أنها انتصار للتقليدي على غير التقليدي، والسياسات الاقتصادية المغامرة لمستشاري أردوغان في قصر الرئاسة. ومع مرور الوقت سنعرف ما إذا كان هذا الترشيد يمكن أن يستمر أم لا.

رسم توضيحي

ومن ثم، وفي أسبوع واحد فقط، تعززت الليرة لتصعد إلى 4.48 ليرة مقابل الدولار من أدنى مستوى سجلته أمام الدولار والذي بلغ 4.92 ليرة للدولار. وغذى هذا المكسب كل من التيسير في عائدات السندات الأميركية لأجل عشر سنوات إلى 2.80 بالمئة من فوق مستويات 3.0 بالمئة، وضعف الدولار أمام سلة العملات الكبرى الأخرى وسط إشارات مختلطة عن الاقتصاد الأميركي.

وحتى الآن، فمن المقرر أن تصل عائدات السندات الأميركية لأجل عشر سنوات إلى 3.5 بالمئة بنهاية العام الجاري، وبنفس الطريقة، سيحقق مؤشر الدولار مكاسب مرة أخرى مع اهتزاز الاتحاد الأوروبي بسبب تعثر البنوك في إيطاليا، ومعاناة اليابان بسبب انخفاض التضخم، ولأن الأسواق الناشئة ستسلط عليها الأضواء بسبب مواطن الضعف التي تعاني منها بسبب الديون الخارجية. ومن ثم، فإن التذبذب وزيادة الخسائر سيعودان لمطاردة عملات الأسواق الناشئة في الأشهر القادمة. 

وما يمكن أن نستنتجه من الرحلة التي قام بها شيمشك وجتين قايا إلى لندن أن تركيا تعد بالإحجام عن أي اشتباك جديد مع الأسواق المالية. وقد تعهد واضعو السياسة التركية بصورة أساسية بالمزيد من رفع أسعار الفائدة عند رفع بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي سعر الفائدة المحدد بموجب سياسته نقطة أخرى، أو ارتفاع التوتر في الأسواق الناشئة مرة أخرى. ومن ثم، يمكن أن نكون متأكدين من أن معدل التمويل سيرتفع إلى 18 بالمئة في الأسابيع المقبلة، وهو الشيء الذي سيُرضي المستثمرين الذين يطالبون بعوائد أعلى من أجل المخاطر الأكبر في تركيا.

وعلى الرغم من ذلك، فقد وعد شيمشك أيضًا بالمزيد من إعادة التوازن للاقتصاد في تركيا، بداية من التضخم وعجز الحساب الجاري. وبالطبع فإن هذه التعهدات تتطلب موافقة أردوغان وأن يتراجع عن إصراره على معدلات النمو المرتفعة. ولم نسمع حتى الآن من أردوغان أي شيء في هذا الصدد.

رسم توضيحي

وكان من المقرر أن تختم أرقام تضخم أسعار السلع الاستهلاكية المعلن والأساسي في خانة العشرات قبيل تسجيل الليرة تراجعًا في شهر مايو الماضي. والآن، ومع توقع أن تستقر الليرة عند حوالي 4.5 ليرة للدولار، فمن المقرر أن يُنهي التضخم العام عند ما بين 13 إلى 15 بالمئة، على أن يصل التضخم إلى ذروته في أشهر فصل الصيف.

ومن ثم، فإن معدل التمويل الرئيسي للبنك المركزي، الثابت حاليًا عند 16.5 بالمئة مقابل تضخم أسعار السلع الاستهلاكية ما بين 14 و15 بالمئة، لن يعمل بفاعلية في عكس اتجاه الخسائر الفادحة التي تعاني منها الليرة التركية ما بعد المستويات الحالية البالغة ما بين 4.4 إلى 4.6 ليرة مقابل الدولار.

كما أن سياسة البنك المركزي لا تعني القتال الكامل ضد معدل التضخم المرتفع جدًا الذي تعاني منه تركيا. ومع تحول مستوى التضخم الأساسي ببطء بين حوالي 12 إلى 13 بالمئة، فإن السوق سيطلب قريبًا من البنك المركزي أن يأخذ التضخم منحى "جاد جدًا"، كما تم وعدنا في لندن في وقت سابق من الأسبوع الماضي. ودفع معدل الفائدة المحدد بموجب السياسة إلى نطاق أعلى من نطاق الفائدة ربما يكون رد الفعل الأولي للبنك المركزي للحفاظ على المستثمرين في المواجهة، وحتى الآن، سيتطلب ذلك المزيد على الصعيد المالي بعد الانتخابات ليعود التضخم إلى خانة الآحاد، ناهيك عن النطاق المستهدف عند نسبة 5 بالمئة.

ويلخص ارتفاع سعر الفائدة 300 نقطة أساس، وتبسيط البنك المركزي سياسته النقدية، وتراجع الرئيس أردوغان عندما يتعلق الأمر بالسياسة النقدية نهج الحكومة مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة في 24 يونيو الجاري. وهذا سيعني إمكانية التنبؤ بالنسبة للمستثمرين وسيساعد في منع المزيد من التذبذب السلبي في قيمة الليرة. 

والأزمة الإشكالية للمضي قدما هي بالطبع إصرار أردوغان على ضمان أن الاقتصاد ينمو فوق 5 بالمئة هذا العام وسياساته المالية المصاحبة لدعم مثل هذا الهدف. ومع اعتقاد الرئيس بأن ضعف الليرة ما هو إلا ضعف مؤقت بسبب تذبذب السوق العالمية، فيبدو أنه يفضل البقاء صامتا في الوقت الراهن.

وحتى الآن، فإن السياسة النقدية التقليدية، التي يمثلها شيمشك ورئيس الوزراء بن علي يلدريم، ومجموعة مستشاري أردوغان الاقتصاديين غير التقليديين في القصر مازالوا بعيدين جدًا عن الاتفاق على أرضية مشتركة لمستقبل إدارة الاقتصاد في تركيا. وفي الأيام العادية، فإن مستشاري القصر يجذبون اهتمام أردوغان، ومن ثم فإن الإمكانية هي المزيد من تذبذب الليرة. وفي الوقت الراهن، يبدو أنّ شيمشك ونظراءه مجرد رجال إطفاء يتدخلون عندما يخرج الموقف عن السيطرة، كما فعلوا سابقا.
ومن ثم فإن الموقف يظل متقلبًا ومحفوفًا بالمخاطر، مع وجود عدم استقرار محتمل في أعقاب الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المزمع إجراؤها يوم 24 من الشهر الجاري.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: