المجتمع التركي الحر يدخل تابوتاً سيختفي فيه

يؤكد تاريخ تركيا الحديث أنها كثيراً ما كانت ساحة للمعارك السياسية. ولأكثر من قرن من الزمان، اتبعت السياسة التركية نمط صراع السلطة الذي تُحاول فيه جماعة سياسية ما قمع الآخرين، وقد يكون ذلك حتى للقضاء عليهم سياسياً.
كانت هذه هي الطريقة التي يُفهم بها "التقدم السياسي"، حيث كانت كوادر أي حزب ناجح تعزز التحالفات في داخل الطبقة البيروقراطية، دون أن تترك مجالاً للمنافسة الديمقراطية. وكانت الجماعات غير الناجحة في المجتمع مضطرة للمعاناة من الحكم المستبد. وقد ظلت متاعب الحشود المعارضة وزعمائها مكوناً ثابتاً من مكونات الحياة السياسية في تركيا.
وكانت السنوات الخمس الأخيرة، أو ما إلى ذلك، تتويجاً لاختطاف السلطة على نطاق واسع، حيث استُخدمت آليات مثل قوى إنفاذ القانون والقضاء لقمع بعض الجماعات التي اعتُبرت عدواً في الداخل.
والجماعتان اللتان تتعرضان لهجوم وحشي من قبل النظام هما الأكراد وحركة غولن. ويشكل الأكراد نحو 18 بالمئة من سكان تركيا، ويؤيدون إلى حد كبير حزب الشعوب الديمقراطي. أما أنصار غولن، فهم أتباع فصيل ديني يُعتقد أنه يضم نحو ثلاثة ملايين فرد.
والاختيار الرسمي لعدو "مزدوج" ناجع جداً؛ فكل جماعة من الجماعتين لا تتعاطف على الإطلاق مع قضايا الأخرى.
أما بالنسبة للقطاعات الأخرى من المجتمع - وهي المجموعات الكبيرة، مثل السنة المتدينين والكماليين العلمانيين والقوميين، فضلا عن الجماعات العلوية الصغيرة - فقد قبلت بهذه الرواية وتلقتها بحماس. ومن ثم، فإلى حد كبير يمكن أن تتقبل هذه القطاعات الكبرى بسهولة فكرة سحق تلك الجماعات التي تُعتَبَر معادية في داخل المجتمع، إذا ما أراد النظام أن يفعل ذلك.
هذه هي الطريقة التي كانت تُمارس بها سياسات السلطة طوال المئة عام الماضية؛ والأحداث الجارية هي مجرد تكرار لهذا النمط.
ويطمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وهو الشخصية الأكثر نفوذاً في تركيا، في كسب السلطة المطلقة. ولتحقيق هذا، سرّع أردوغان وتيرة استهداف الجماعات الأصغر والأضعف - مثل الإصلاحيين والليبراليين، الذين كانوا يدعون لمعايير ديمقراطية خلال حكم حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان.
وسمح الكثير من هؤلاء المفكرين وأعضاء آخرون من النخبة بالإفصاح علناً عن ارتباطاتهم بمشروعات المجتمع المدني المدعومة من قبل الاتحاد الأوروبي؛ وشجعتهم على ذلك الجهودُ المبكرة التي اضطلع بها حزب العدالة والتنمية لضمان عضوية الاتحاد.
وتشير البيانات التي حصل عليها موقع أحوال تركية من أوزغي زيني أوغلو، وهو باحث سياسي لدى جامعة بهجيشهر، إلى أن الاتحاد الأوروبي منح 105.3 مليون دولار لمشروعات مجتمع مدني بلغ عددها ألفا و18 مشروعاً منذ عام 2002.
بيد أن الآمال في الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي تبددت في منتصف عام 2013؛ ففي ظل القمع الوحشي لاحتجاجات حديقة غيزي، فشل أردوغان وحزبه في اختبار الديمقراطية. ومنذ تلك اللحظة، ظلت تركيا تتهاوى فيما يتعلق بالمعايير الديمقراطية.
وقالت محكمة المدققين الأوروبية إن عضوية المنظمات التركية التي تدافع عن الحقوق تقلصت من 200 ألفاً و96 في عام 2015، إلى 50 ألفاً و598 في عام 2016.
كان واضحاً من البداية أن الإصلاحيين عُرضة لخطر الاستهداف؛ فقد كانت اسماؤهم وانتماءاتهم مسجلة لدى الدولة، وكان بالاستطاعة استخدامها في شن حملات ضدهم مع تغير طابع النظام. وقد ساعد الإعلام الموالي للحكومة في نشر الرواية الرسمية التي شيطنت المستهدفين، وحقق في ذلك نجاحاً كبيراً.
ومع استمرار حملات قمع الصحفيين والأكراد والأكاديميين، ظلت القاعدة الجماهيرية العريضة من أنصار غولن والإصلاحيين المستقلي الفكر مستسلمة لموافقة الحشود الصامتة، بل - في بعض الأحيان - لدموع التماسيح التي تذرف على من يتعرضون للاستهداف.
وكان إلقاء القبض على رجل الأعمال الخيرية عثمان كافالا، وتراجُع مؤسسة أوبن سوسايتي المدعومة من جورج سوروس، مؤشرين مبكرين على خطط أردوغان الرامية إلى استنساخ نموذج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فيما يتعلق بمنظمات المجتمع المدني الممولة من الغرب. وتستهدف تقارير في الإعلام الموالي للحكومة بشكل علني مؤسسات ألمانية مثل مؤسسة فريدريش ناومان الليبرالية.
ومن بين مؤسسات المجتمع المدني القليلة المتبقية في تركيا التي ما زالت في مرمى النيران، مؤسسة هرانت دينك ومنصة الصحافة المستقلة (بي.24).
وصُورّت احتجاجات غيزي على أنها انتفاضة ضد الحكومة. وتُشير تقارير إلى أن لائحة الاتهام التي أعدها المدعون تتألف من أكثر من ألف صفحة وتضم 120 متهماً فعلياً من الشخصيات العاملة في المجتمع المدني. ومن المنتظر اعتبار ستمئة آخرين على الأقل مشتبهاً بهم. ومن المحتمل أن يكون النظام يخطط لمزيد من الإجراءات ضد أهداف أخرى في المجتمع المدني. إن المجتمع التركي الحر يدخل تابوتاً سيختفي فيه.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-freedoms/turkeys-free-society-disappearing-sarcophagus
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.