المجتمع المدني يعيش "وضعا قاتما" في تركيا

يتعرض المجتمع المدني للاعتداء المستمر في تركيا، وأعلنت مؤسسة المجتمع المفتوح الأسبوع الماضي أنها ستنهي عملياتها في البلاد، بعد أسبوعين من احتجاز 14 ناشطا على صلة بمنظمة الأناضول الثقافية التي تهدف إلى ردم الفجوات الاجتماعية من خلال الفنون.

وجرى إطلاق سراح جميع النشطاء بعد استجوابهم، ما عدا يغيت أكساك أوغلو من جامعة بيلغي في إسطنبول، والذي احتجز بشكل رسمي.

وقال نيت شينكان مدير الأبحاث الخاصة في مؤسسة فريدم هاوس المعنية بمراقبة الديمقراطية: "إنه لوضع قاتم جدا للمجتمع المدني وللفضاء المدني بصفة عامة.

"في ضوء معايير التجريم بحكم التبعية المعمول بها في تركيا والطريقة التي يختلق بها ممثلو الادعاء المؤامرات من العدم، فإن أي أحد في البلاد يعمل في قضايا حقوق الإنسان أو القضايا العرقية يكون معرضا للخطر".

جاء إعلان مؤسسة المجتمع المفتوح عقب كلمة ألقاها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والتي هاجم فيها رئيس المؤسسة جورج سوروس، وربط بينه وبين عثمان كافالا مؤسس منظمة الأناضول الثقافية وإحدى أبرز الشخصيات في المجتمع المدني التركي. وقد سُجن كافالا لأكثر من عام بدون توجيه اتهام رسمي له.

وكان أردوغان اتهم كافالا بتمويل ما وصفهم بالإرهابيين الذين شاركوا في احتجاجات متنزه غيزي في العام 2013، وهي أكبر مظاهرات مناوئة للحكومة منذ تولي حزب الرئيس السلطة في العام 2002.

وتساءل أردوغان قائلا: "ومن الذي يقف وراءه؟... إنه المجري اليهودي الشهير سوروس. فهذا رجل يكلف أناسا بتقسيم الأمم وتمزيق أوصالها".

وتخضع مؤسسة المجتمع المفتوح أيضا للتحقيق على خلفية مزاعم بتمويل احتجاجات غيزي، وهو ما تنفيه المنظمة. وكان أحد أعضاء المنظمة، وهو حقان ألتيناي، من بين النشطاء الذين احتجزوا في السادس عشر من نوفمبر.

وقالت أوزغي ذهني أوغلو أستاذة العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة بهجه شهير التي تدرس المجتمع المدني في تركيا والاتحاد الأوروبي منذ العام 2005 "الناس يخافون" من فتح منظمات غير حكومية جديدة في تركيا.

وأضافت ذهني أوغلو أنه منذ احتجاجات غيزي، مالت جهود المجتمع المدني إلى تشكيل جماعات فضفاضة غير مسجلة كي تبقى بعيدة عن أعين الدولة. غير أن هذا يعني عدم قدرتها على الحصول على تمويل من الاتحاد الأوروبي أو أي تمويلات رسمية أخرى.

وتقول ذهني أوغلو: "كثير منها لا يستمر لفترة طويلة جدا".

ويقول المعارضون إن أردوغان لا يتسامح مع الانتقادات أو تدعيم أهداف سياسية لا تتماشى مع السياسات الرسمية، لكن ذهني أوغلو قالت إن الرئيس وحزبه العدالة والتنمية طالما عملا مع المجتمع المدني لدعم سياسات الرعاية الاجتماعية.

وقالت: "بالنسبة لأردوغان، لا يرى أن المجتمع المدني أمر سيئ، لكنها (منظمات المجتمع المدني) تعرّف في الغالب على أنها جهات خدمية وليست جماعات حقوقية".

لقد شهدت تركيا ترديا ديمقراطيا كبيرا وابتعدت عن شركائها الغربيين التقليديين منذ أن بدأت الحكومة حملتها القمعية في أعقاب احتجاجات غيزي. وأظهر تحليل من محكمة المدققين الأوروبية أنه في العامين 2015 و2016، انخفض عدد أعضاء الجمعيات التركية المعنية بالدفاع عن الحقوق بواقع ثلاثة أرباع، ليصل إلى 50 ألفا و598 عضوا من 200 ألف و96 عضوا.

واتخذ الاتحاد الأوروبي، الذي بدأ مفاوضات مع تركيا بخصوص عضوية التكتل في العام 2005، خطوة غير مسبوقة في سبتمبر بإلغاء تمويلات في مرحلة ما قبل الانضمام قيمتها 70 مليون يورو، وهو ما يمثل جزءا ضئيلا نسبيا من إجمالي تمويلات الاتحاد الأوروبي المخصصة لتركيا.

وقالت لاورا باتالا الأمينة العامة للمنتدى التركي في البرلمان الأوروبي "إنها لفتة رمزية لإرسال إشارة سياسية إلى تركيا وحكومتها بأنها تتراجع على مسار القضايا الديمقراطية وسيادة القانون"، مشيرة إلى أن العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي بلغت واحدا من أدنى المستويات في تاريخها.

وفي شهر نوفمبر من العام 2016، صوت البرلمان الأوروبي بأغلبية ساحقة لصالح تعليق محادثات عضوية الاتحاد الأوروبي مع تركيا، وهي توصية غير ملزمة لم تأخذ بها المفوضية الأوروبية أو المجلس الأوروبي. وفي الآونة الأخيرة، قال يوهانس هان المفوض الأوروبي لشؤون التوسعة إن إلغاء محادثات العضوية سيكون "أكثر صدقا".

وقالت عضوة البرلمان الأوروبي مارييت شاكه في رسالة بالبريد الإلكتروني إلى موقع "أحوال تركية": "السياسات الاستبدادية التي يتبعها أردوغان أغلقت الطريق إلى أوروبا أمام الشعب التركي. إذا سمحنا لتركيا بالاستمرار على طريق الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فسيقوض ذلك سياسة الانضمام التي يتبناها الاتحاد كلية".

ويقول الخبراء إنه لا توجد فرصة تذكر للانتهاء من عملية الانضمام في وقت قريب، لأنها ستتطلب موافقة جميع الدول الأعضاء الثماني والعشرين في الاتحاد. كما لا يوجد مجال يذكر للتقدم في المفاوضات، مما يترك الجانبين في حالة من عدم اليقين لأجل غير مسمى.

وقالت ذهني أوغلو: "أعتقد أنهم يحاولون إبقاء الوضع كما هو عليه فحسب، لأطول فترة ممكنة. لا أعرف كيف يمكن أن يتغير".

وفي إطار عملية الانضمام، جرى تخصيص حزمتين من حزم أداة المساعدة في مرحلة ما قبل الانضمام بقيمة نحو تسعة مليارات يورو لتركيا في الفترة بين العامين 2007 و2020. وتتباين أرقام التمويلات الموجهة للمجتمع المدني بحسب المدرج في هذه الفئة، لكن البيانات التي قدمتها ذهني أوغلو إلى "أحوال تركية" تشير إلى أنه في الفترة بين 2002 وسبتمبر 2018 قدم الاتحاد الأوروبي حوالي 92.5 مليون يورو إلى 1018 مشروعا نفذته منظمات المجتمع المدني المختلفة في تركيا.

وتوزع الحكومة التركية حوالي 85 بالمئة من تمويلات أداة المساعدة في مرحلة ما قبل الانضمام من خلال وحدة التمويل والعقود المركزية، ويتم ترسيتها من خلال منح يمكن للمنظمات التقدم بطلب الحصول عليها.

وأظهر تدقيق حسابي أجراه الاتحاد الأوروبي في أبريل أن التمويلات لم تحقق نجاحا كبيرا في تعزيز الديمقراطية والحكم الرشيد وسيادة القانون و"لم تكن كافية في تلبية بعض الاحتياجات الأساسية".

وقال مارك بيريني، سفير الاتحاد الأوروبي السابق لدى تركيا والباحث في معهد كارنيغي أوروبا، إن تمويلات الاتحاد لا يمكنها تحقيق الكثير بدون حكم ديمقراطي سليم.

وقال بيريني في رسالة بالبريد الإلكتروني إلى "أحوال تركية": "هذا النوع من المشاريع، بجانب دعم المجتمع المدني، لا يزال يحسن كثيرا من سيادة القانون والديمقراطية في تركيا، لكنه لن يكون ناجعا إلا إذا روعيت أساسيات المجتمع القائم على سيادة القانون. لا يوجد شيء اسمه مجتمع مدني يخضع لتحكم السلطة أو ديمقراطية بدون حق المعارضة أو الصحافة الحرة".

وذكرت ذهني أوغلو أن تمويلات أداة المساعدة في مرحلة ما قبل الانضمام ليست إلا وسيلة لتسهيل الأمور، ولن يجدي المال وحده ما لم تحدث تغييرات كبيرة في البيئة المحلية السياسية والمؤسساتية.

وأضافت: "الهدف منه هو أن يكون مكملا للتغييرات في البيئة القانونية وتغيير الإرادة السياسية، (لكن) الإرادة تغيب عن الجانبين".

وتتفق غول غونفر توران، أستاذة الاقتصاد المتقاعدة ورئيسة كل من الرابطة التركية  الأوروبية والفرع التركي للحركة الأوروبية الدولية، مع الرأي الذي ينحي باللائمة على كل من أنقرة وبروكسل.

وقالت لموقع "أحوال تركية": "كانت الازدواجية دوما عاملا مشتركا"، موضحة أن تعليقاتها لا تعبر إلا عن رأيها الشخصي ولا تمثل رأي الرابطة التركية الأوروبية.

وذكرت توران أن الاتحاد الأوروبي دائما ما كان يشدد على الاقتصاد أكثر من الديمقراطية، مشيرة إلى عرقلة قبرص للفصل 23 المتعلق بالقضاء والحقوق الأساسية والفصل 24 الخاص بالحريات والأمن.

وتابعت: "لقد تصرف الاتحاد الأوروبي كما لو كان مهتما بالديمقراطية في تركيا ونظامها القضائي وسيادة القانون بها، لكنه لم يفعل شيئا لفتح هذه الفصول الأساسية منذ سنوات".

وثمة الكثير من القضايا الأخرى التي تشغل الاتحاد الأوروبي في الوقت الراهن، ويواجه مشاكل في الداخل تقوض مصداقيته باعتباره نصيرا للديمقراطية.

وأضافت توران: "حقيقة أن بعض أعضاء الاتحاد الأوروبي ينتهكون حاليا القيم المتهمة تركيا بانتهاكها تقوض كثيرا من مصداقية الاتحاد وتضعف التأثير الذي يمكن أن يمارسه على تركيا".

علاوة على ذلك، فإن الكثير من النفوذ الذي ربما مارسه الاتحاد الأوروبي لإثناء تركيا عن التراجع الديمقراطي والاستبداد ضاع هباء بتوقيع اتفاق المهاجرين في شهر مارس من العام 2016، والذي اتفقت فيه تركيا على مساعدة الاتحاد في الحد من تدفق طالبي اللجوء مقابل تعهد بستة مليارات يورو.

وقالت باتالا "الاتحاد الأوروبي ككل، ودوله الأعضاء (بصفة خاصة)، ما زالوا يلتزمون الصمت حيال التراجع الديمقراطي (لتركيا) من أجل عدم تعريض اتفاق الهجرة للخطر.

"تلك هي الطريقة التي نفقد بها نفوذنا تدريجيا، والآن لم يعد بوسع الاتحاد الأوروبي أن يفعل شيئا يذكر".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/civil-society/grim-situation-civil-society-turkey
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.