المحسوبية والفساد يحولان دون القضاء على البطالة في البلديات

في تركيا هناك الملايين من خريجي الجامعات الذين بذلوا جهودا شاقة في المذاكرة والدراسة، والامتحانات المختلفة بعد تخرجهم من الجامعة حتى يتسنى لهم الحصول على وظيفة في الدولة. فعلى سبيل المثال دخل مليون و175 ألف شخص "امتحان اختيار الموظفين العموميين"(KPSS)، للفوز بوظيفة، كل حسب تخصصه. ووفق معطيات معهد الإحصاء التركي، فإن أكبر نسبة بطالة، منتشرة بين خريجي التعليم العالي، وذلك بمعدل بلغ 13.3 في المئة.
كما أن التقارير الرقابية لديوان المحاسبة التركي، ترصد وتوضح لنا أنه رغم هذا، فإن هناك العديد من الأشخاص يستطيعون الفوز بوظائف الدولة دون اجتياز أية امتحانات، كأن يكون لهذا الشخص قريب أو معرفة بالجهة التي يريد أن يتعين بها. فالتقارير الرقابية الصادرة عن الديوان المذكور عام 2017 بخصوص البلديات التركية، ذكرت أن إلادارات الخاصة بالبلديات يحصلون على وظائفهم دون دخول أي امتحانات.
التقارير الرقابية المذكورة، أوضحت أن تعيينات إلادارات الخاصة بالبلديات تتم بطريقة تعرف باسم "املأ وفرّغ" بمعنى أن من يتولى وظيفة في إدارة ما للقلم الخاص بعد فترة قصيرة للغاية يتم تعيينه من خلال نقله لمؤسسة عامة أخرى، ثم يحل شخص آخر مكانه، وهكذا دواليك. أي أنه يستطيع الانتقال بكل سهولة إلى مؤسسة أخرى أفضل له من حيث الحقوق الشخصية. 
ونظرًا لأن إدارات الأقلام الخاصة، تعتبر كادرًا استثنائيًا، فإنه لا يشترط فيها أي نوع من التدريب أو التأهيل أو الامتحانات. فموظف بدرجة عالية في البلدية يمكنه تعيين الشخص الذي يريد في هذه الإدارة.
في السياق ذاته ذكر ديوان المحاسبة في تقاريره أن التعيينات التي تتم في إدارات الأقلام الخاصة، تجري بشكل يتنافى مع الغرض من اللوائح المعمول بها، إذ تتم بدون خوض أي امتحانات، وأحيانًا دون الحصول على مصادقة الوزارة المعنية بالأمر.
وفيما يلي يمكننا عرض الاستنتاجات والمخالفات الصادمة الخاصة بالتعيينات الاستثنائية، بحسب ما ذكرته التقارير الرقابية لعام 2017:
"السنوات الأخيرة شهدت استخدام تعيينات إدارات الأقلام الخاصة خارج الأهداف الموضوعة. فهذه المناصب التي عادة ما تكون شاغرة، باتت وسيلة سهلة لمسؤول ما لكي يقوم بتعيين بعض الأشخاص، أو نقلهم بعد تعيينهم بفترة وجيزة في ذلك المنصب، إلى مؤسسات أخرى".
فيما يلي يمكننا عرض ما ذكرته تقارير ديوان المحاسبة من استنتاجات ومخالفات خاصة ببلدية "أرناؤوط كوي" بمدينة إسطنبول، التي تعتبر واحدة من عشرات البلديات التي تتم فيها تعيينات غير قانونية:
"بعد مراجعة حسابات بلدية أرناؤوط كوي لعام 2017، اتضح أن البلدية المذكورة تأسست في العام 2009، ومنذ ذلك الحين شهدت البلاد انتخابات محلية لفترتين، وفي الفترتين انتخب نفس الشخص رئيسًا للبلدية. ورغم هذا تم تعيين 10 أشخاص مختلفين في إدارة الأقلام الخاصة على 12 مرة. اثنان فقط من هؤلاء المعينين تم اختيارهم من موظفي الدولة، بينما كان الباقون من الخارج. أربعة من هؤلاء المعينين من الخارج لم تنتظر عملية تعيينهم مصادقة الوزير المختص.
وعند مراجعة هذه التعيينات اتضح أن المعينيين من الخارج تم تسكينهم في هذه الدرجات دون خوض امتحانات، وبعد فترة وجيزة تم نقلهم إلى كادر وظيفي آخر في نفس المكان، والبعض الآخر نقل إلى مؤسسة عامة أخرى كموظفي دولة. وبخصوص التعيينات التي تمت في إدارة الأقسام الخاصة من بين موظفي الدولة وهما اثنان فقط كما ذكرنا أعلاه، فقد اتضح أن الموظفين الاثنين بقيا في منصبيهما لمدة شهرين فقط، ليتم بعد ذلك تعيين أحدهما في كادر مهندس، والآخر  في كادر قيادي".
التقارير الرقابية الصادرة عن ديوان المحاسبة ذكرت كذلك أن هناك بعض الأشخاص يتم تعيينهم في وظائف استثنائية دون خوض أي امتحانات، في الوقت الذي ينتظر فيه آلاف الأشخاص الحصول على أي وظيفة بعد نجاحهم في "امتحان اختيار الموظفين العموميين" (KPSS) الذي خاضوه مع آخرين.
إدارات الأقلام الخاصة، يتم استخدامها كوسيلة لتخطي أو تجاوز نظام الامتحان الذي يعتبر أساسًا للحصول على وظيفة في الدولة. وهذا الوضع إلى جانب كونه مناقضًا لدستور البلاد، فهو في ذات الوقت يلحق ضررًا كبيرًا بخزينة الدولة التركية.
وهناك بلدية أخرى خضعت للمراجعة والمراقبة من قبل ديوان المحاسبة التركي، وهي بلدية بشيكطاش بمدينة إسطنبول أيضًا. فمراجعو ديوان المحاسبة وجدوا أنه تم تعيين 7 أشخاص في إدارات الأقلام الخاصة، وبعد فترة من تعيينهم تم نقلهم إلى وظائف أخرى.
وفيما يلي نستعرض ما توصلت إليه التقارير الرقابية بشأن بلدية "فاتح" في إسطنبول:
"بعد مراجعة حسابات وإجراءات بلدية فاتح في إسطنبول، اتضح أن إدارة القلم الخاص بها تدار فعليًا من قبل شخص واحد منذ العام 2007. ورغم هذا فإن تم تعيين 8 أشخاص في هذه الإدارة منذ العام 2010 من الخارج. وبعد فترة من بقائهم في هذه الإدارة تم نقل جزء منهم لوظائف أخرى داخل البلدية، والجزء الآخر نقل لإدارات عامة أخرى".
وعلى نفس الشاكلة أعد ديوان المحاسبة تقاريرًا رقابية عن بلدة "غونغوران" بإسطنبول، وهذه هي النتائج التي تم التوصل إليها بخصوصها:
"عملية تعيين الموظفين في إدارة القلم الخاص ببلدية غونغوران، كانت بمثابة عملية توظيف استثنائية تتم دون خوض المعينين لأية امتحانات. وفي هذا الإطار تم في 24 أغسطس 2018 تعيين شخص من خارج الجهاز الحكومي للدولة، في إدارة القلم الخاص بالبلدية، المعين هذا كان يعمل في القطاع الخاص. وبعد 19 يومًا فقط من تعيينه تم نقل هذا الشخص من إدارة القلم الخاص، وعين في كادر مستشار بذات البلدية، وبعد 30 يومًا نقل إلى بلدية "بك أوغلو" بإسطنبول، وأصبح موظفًا بها".
تقرير آخر لديوان المحاسبة رصد تجاوزات مماثلة حدثت في بلدية "قارطال" بمدينة إسطنبول. وبحسب ما ورد في التقرير الرقابي الخاص بهذه البلدية فإن "5 أشخاص ممن تم تعيينهم كمدراء قلم خاص لا توجد موافقات من وزارة الداخلية. ويعتبر هذا الإجراء منافيًا لاحكام التشريع المنصوص عليها بهذا الخصوص. وبالتالي فإنه يتعين إلغاء هذه التعيينات".
الأوضاع في بلدية "سنجان" بالعاصمة أنقرة، لا تختلف كثيرًا عن نظيرتها في البلديات المذكورة أعلاه. إذ ثبت لديوان المحاسبة التركي أن 6 أشخاص تم تعيينهم في كادر إدارة القلم الخاص بالبلدية المذكورة، وبعد فترة وجيزة من تعيينهم تم نقلهم للعمل كموظفي دولة في مؤسسات وهيئات حكومية أخرى، كوزارة البيئة، والشؤون الدينية، والإذاعة والتلفزيون.
في سياق متصل أجرى ديوان المحاسبة التركي مراجعاته بخصوص بلدية ولاية "أفيونحصار"، ووجد أن 7 أشخاص تم تعيينهم في كادر إدارة القلم الخاص. وبعد فترة وجيزة تم نقلهم وتعيينهم في مؤسسات أخرى. وتراوحت المدد التي بقاها هؤلاء المعينون في هذه الوظيفة بين 4 أيام كأقل مدة، و3 أشهر كأقصى مدة، نقلوا بعدها إلى وزرات ومؤسسات مختلفة.
وعلى نفس الشاكلة كانت إدارة القلم الخاص ببلدية "جيهان" بولاية آضنة، وسيلة لتعيين البعض بشكل خارج القوانين. وبحسب تقارير ديوان المحاسبة تم تعيين 3 أشخاص بالإدارة المذكورة وبعد مدد قصيرة تم نقلهم إلى وظائف مختلفة أو مؤسسات أخرى.
وفي بلدية "بهجلي أفلر" أجريت عمليات رقابية أثبت كذلك أن إدارة القلم الخاص بها كانت هي الأخرى وسيلة لتعيين أناس في وظائف أخرى بالعديد من المؤسسات والهيئات بشكل يتنافى مع التشريعات والقوانين المعمول بها.
نفس الشيء رصدته التقارير الرقابية لديوان المحاسبة في بلدية ولاية أرضروم. إذ ثبت أنه بعد قيام شخص بتولي منصب مدير قلم خاص لفترة 16 يومًا تم تعيينه في وظيفة بإدارة أمنية دون أن يكون مستوفيًا للشروط المطلوبة كدرجة التعليم، ومدى تمتعه بالخصائص البدنية، وشرط السن. التقرير ذكر أنه تم تعيين شخص يدعى محمود بكتاش البالغ من العمر 45 عامًا في هذه الوظيفة التي من الممكن أن يعين فيها من سن الخامسة وعشرين.
وخلاصة ما ذكرناه أعلاه، فإن تقارير ديوان المحاسبة رصد مخالفات كثيرة على هذا النسق في العديد من البلديات. وجميع المخالفات توضح بشكل جلي أنه بات من قبيل العرف السائد أن يتم استخدام إدارات الأقلام الخاصة بتلك البلديات كوسيلة سهلة لتعيين أناس لها معارف في مكان ما، دون خوض أي امتحانات أو تقيد بأي شروط لازمة لتلك الوظائف. أي أن ما يسري على الأشخاص العاديين لا يسري على هؤلاء.
والقضايا والمخالفات الواردة بتقارير ديوان المحاسبة، ترتكب منذ سنوات طوال. وهناك إلى جانب إدارة الأقلام الخاصة، كوادر استثنائية، يتم من خلالها تعيين أهل الحظوة والمحسوبية دو أي امتحانات.
وهناك الكثير من النماذج التي لا يتسع المقام لذكرها هنا، تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن هناك حالة كبيرة من الفساد داخل البلديات التركية لا تعترف بأية قوانين أو ما شابه. العملية في الأساس تقوم على المحسوبية والمعرفة. تعيينات غير قانونية وغير أخلاقية تضيّع حقوق الآخرين ممن سلكوا الطرق الشرعية كي يفوزون بوظيفة يحلمون بها في هذه الدولة التي يردد مسؤولوها بين الحين والآخر أنها دولة قانون وهي أبعد ما يكون عن ذلك.
لقراءة المقال باللغة التركية على هذا الرابط

https://ahvalnews.com/tr/kamu-atamalari/dayisi-olan-once-ozel-kalem-muduru-ardindan-da-istedigi-yere-memur-oluyor
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.