ديسمبر 24 2017

المرأة التركية بين هامش الحريات والقمع السلطوي

لا شك ان المرأة التركية كانت في الطليعة في مجتمعات المنطقة التي حصلت على حقوق المشاركة السياسية والاجتماعية الفعالة وحيث سبقت تركيا العديد من الدول الأخرى في إعطاء المرأة هذا الحق لكن السؤال هو الى أي مدى تم التعبير الحقيقي عن هذا الحق؟
تفيد المصادر التاريخية بأن حق المرأة التركية في الترشح لرئاسة البلديات  ظهر عام 1930 وأصبح لديها الحق في الترشح لمنصب مختار قرية أو حي عام 1933 وفي ديسمبر 1934 تم إضافة بند جديد لمادة الانتخابات الدستورية ينص على حماية حق المرأة بالتصويت والترشح الانتخابي دون أي قيد أو شرط.
هذا الواقع وهذه الخلفية قدمت صورة مشرقة ومتطورة للمرأة التركية العصرية تناقض كليا مع ما هو قائم على ارض الواقع حيث تقول الباحثة التركية هزال اتاي انه" على الرغم من نجاح نسويّة الدولة لفترة معيّنة، إلا أن محاولات الدولة نفسها أخذت تدريجياً في السيطرة على زمام الأمور حتى أطبقت على قاعدة الحركة النسويّة. 
وتذكر الباحثة على سبيل المثال، تقول الرواية الرسميّة، منذ زمن طويل، إنّ حقوق المرأة في تركيا قد مُنحت بفضل الآباء المؤسسين، لا سيما بفضل أتاتورك ورؤيته التقدميّة، من دون الإتيان على ذكر مطالبات النساء في الميدان، غير أنّ التأريخ النسوي الأحدث يدحض هذه الفرضيّة العمياء بكشفه الغطاء عن عمل المطالبات التركيات بحق المرأة في الاقتراع، منذ الأيام الأولى للجمهورية، وحتى قبل ذلك، في الأيّام الأخيرة للسلطنة.

بعد 83 عاماً، وعلى الرغم من حصولهنّ على الحقوق السياسيّة، مازالت النساء التركيات يعانين مصادرة الحقوق والحريات
بعد 83 عاماً، وعلى الرغم من حصولهنّ على الحقوق السياسيّة، مازالت النساء التركيات يعانين مصادرة الحقوق والحريات

بعد 83 عاماً، وعلى الرغم من حصولهنّ على الحقوق السياسيّة، قبل عدّة بلدان أوروبيّة، لا تزال التركيات يعانين نقصاً في التمثيل في بلدهن. فكما هو الحال في كلّ مكان، لا تُترجَم الحقوق مباشرة إلى أفعال، كما أنّ السيطرة الذكوريّة متجذّرة وراسخة في المجال السياسي. وعلى الرغم من أنّ النساء أصبحن مقبولاتٍ بوصفهن مواطنات، فإنّهن لا يصلن بصفة متساوية (مع الرجال) إلى المسؤوليات السياسيّة.
وفي مقال في موقع نون بوست وبحسب مؤسسة "بحوث بنية الأسرة التركية"، فإن المرأة التركية تشكل 49.8% والرجل 50.2% من مجمل التعداد السكاني، وفي آخر إحصائيات عام 2016 تشير البيانات إلى أن الرجال وصل عددهم إلى 40 مليون و43 ألف و650 شخص، وعدد النساء وصل إلى 39 مليون و771 ألف و221 امرأة.
هذا ويذكر مركز "الإحصائيات بحسب الوحدات السكنية" أن 84.9% من المجتمع التركي يرى أن عمل المرأة التركية ضرورة لابد منه وكانت نسبة الرجال من هذا التقدير 78.1% والنساء 91.5% وبالنسبة إلى التوزيع الجغرافي لهذه الآراء فإن أعلى النسب كانت من المدن التالية: ازمير وايدن ودنيزلي وموغلا ومانيسا وعشاق، وكانت نسبة التأييد على أهمية مشاركة المرأة بالحياة العملية 90.6% وأقل النسب كانت من المناطق التي تقع في منطقة الأناضول مثل غازي عنتاب واضيامان وكيليس وباتمان ودياربكر وسيرت وماردين واورفا والتي كانت نسبتهم 78.1%.وتقول الباحثة نور علوان بهذا الصدد نقلا عن  بحث أجراه البروفيسور التركي شيمسا أوزار، في جامعة البوازيتشي، عن المرأة التركية العاملة بعد عام 1980 قال" لا تملك الحكومة التركية أو القطاع الخاص أي برنامج أو خطة للتعامل مع المشاكل التي تواجه المرأة في حياتها العملية، فليس هناك ميزانية أو نظام لفهم وضع المرأة ولهذا لا تزال المرأة التركية أكثر حرمانًا من الرجل في العمل وأجرها أقل بالوضع الطبيعي".
 ويضيف "يوجد هذا التفاوت الكبير بين الجنسين لأن الخيار الأول في رعاية الأطفال وكبار السن يقع على المرأة وليس الرجل. ولا ننسى أن المجتمعات لا تزال تنظر إلى عمل المرأة على أنه رفاهية وليس ضرورة".

احتجاجات لم تنقطع عن الاحتجاج ضد ظاهرة العنف ضد المرأة
احتجاجات لم تنقطع عن الاحتجاج ضد ظاهرة العنف ضد المرأة

يفيد الصحفي “باسم دباغ” في تقريرٍ له بصحيفة “العربي الجديد” بأن الرجال في تركيا يتوارثون ثقافة ضرب النساء وانتهاك حقوقهن. لكنّ النساء لا يتوانين عن الردّ أحياناً، خصوصاً مع امتناعهن عن الحديث عن تلك الانتهاكات بدافع من الخجل. لتأتي الردود عنيفة وقاتلة.
وكانت صحيفة العرب اللندنية نشرت مقالا مطولا ناقشت فيه أوضاع المرأة التركية بقلم الكاتب سماح بن عبادة  ان المرأة التركية تعاني الاضطهاد والتعنيف الذي يصل إلى حد القتل، و تلحظ في مقابل موتها سعي الوزارة المكلفة بحمايتها وبالدفاع عن حقوقها للاعتماد على رجال الدين كحل للقضية، لا يسعها إلا أن تخرج في المظاهرات احتجاجا على ما آلت إليه وضعيتها لدى السلطات المعنية وفي المجتمع مترجمة معاناتها وتوجسها خيفة من تيار ديني ومجتمعي يزحف في اتجاه تهديد مكاسبها بالدفاع عن حقوقها عبر التظاهر والاحتجاج.
وفي شهر مايو الماضي صدرت عن وزارة الأسرة والسياسات الاجتماعية إحصائيات صادمة حول العنف الموجه ضد المرأة، لكن هذه النتائج لم تستأثر بالتغطية الإعلامية اللازمة كإحدى خطوات التنديد بها، ومن الواضح أنه أريد أن تمر هذه الأرقام مرور الكرام، وقد ورد في إعلان وزيرة الأسرة فاطمة شاهين وفاة 666 امرأة بين عامي 2009 و2012 نتيجة للعنف داخل العائلة، وأكدت أن المعلومات الواردة من وزارة الداخلية تشير إلى وفاة 171 امرأة خلال عام 2009، و177 خلال عام 2010، و163 خلال عام 2011، و155 خلال العام الماضي 2012. وأوضحت الوزيرة أن حالات الوفاة ليست ناجمة عن عنف الزوج فحسب وإنما أيضا من أفراد الأسرة جميعا سواء كان أخ، أو أب، أو عم، أو خال، وأشارت شاهين إلى أن الأسباب الرئيسية لزيادة نسبة الطلاق متعلقة بالدرجة الأولى بالعلاقات الزوجية والهيكل الاقتصادي للأسرة والثقافة الاستهلاكية ومتغيرات أخرى.
وفي اطار الدفاع عن الحقوق والحريات لم ينقطع خروج النساْء التركيات الى الشوارع مطالبات بحقوقهن في الحرية الشخصية والعمل والعدالة والمساواة بعدما يئسن من تدخل الدولة لصالحهن وخاصة في ظل حكومة العدالة والتنمية الحالية.
لكن في المقابل فأن احكام الطوارئ ومصادرة الحريات طالت المرأة التركية كما طالت كفة فئات الشعب التركي وخاصة ما  تلا انقلاب يوليو 2016 حيث تم الزج بعشرات الناشطات والصحافيات والسياسيات المعارضات في السجون والاعداد في تزايد حتى الساعة.