أبريل 20 2019

المرحلة الجديدة بعد خسارة أردوغان أنقرة وإسطنبول

استضافت إذاعة "أحوال بود" السيد يكتان تورك يلماز، الباحث التركي المنحدر من أصل كردي، من معهد "فريدريش مينيكي" الألماني، للاطلاع على آرائه حول رفض الحزب الحاكم في تركيا نتائج الانتخابات المحلية في إسطنبول، والمواقف التي يمكن أن يتخذها في هذا الصدد خلال الأيام القادمة، بالإضافة إلى موقع حزب الشعوب الديمقراطي الكردي في هذه المعادلة الجديدة. 
اضغط على الزر للاستماع إلى الحوار:
وفيما يلي الآراء التي قدمها يكتان تورك يلماز لإذاعة "أحوال بود":
لقد كتبتُ أن تركيا تتجه إلى انتخابات تاريخية بحيث ستسفر عن تغييرات جذرية من شأنها أن تفتح آفاقًا جديدة في المشهد السياسي. كانت نتائج الانتخابات التي أظهرت اختطاف المعارضة أهم المدن الكبيرة من قبضة حزب العدالة والتنمية متوقعةً قبل إجرائها أصلاً. وكانت السلطة أكدت لأول مرة أنها اتخذت جميع التدابير الكفيلة بأمن صناديق الاقتراع، وأن كل شيء تحت سيطرتها، خصوصًا المناطق الكردية الواقعة في شرق تركيا. نحن أمام مشهد سياسي بحيث لن نرى مثيلاً له إذا ألقينا نظرة على جميع الانتخابات السابقة منذ أواخر الدولة العثمانية. 
أعتقد أن أكبر عامل أثّر في نتائج الانتخابات هو أن حزب أردوغان استخدم خطابًا هدّد فيه المعارضة بعدم السماح لها بإدارة بلدية أنقرة الكبرى حتى لو فاز بها. ومع أنه كان عيّن فعلاً أوصياء قضائيين على كثير من البلديات الكردية في وقت سابق، إلا أن المناطق الكردية قد شهدت دائمًا أحداثًا استثنائية، لذا كانت هذه الخطوة مستساغة عند الشعب إلى حدّ معين. إلا أن القطرة التي أفاضت الكأس هي أن أردوغان أعلن أنه سيعيّن أوصياء قضائيين على البلديات الكبرى في غرب تركيا أيضًا، الأمر الذي رفضه الشعب من خلال دعم المعارضة.
مع أن سياسة التخويف ليست أمرًا جديدًا في تركيا، إلا أنها بدأت تستهدف عقب الانقلاب المزعوم في 2016 كل المجموعات السياسية وجميع شرائح المجتمع. قديمًا لم يكن يخاف أحدا إذا كان منتميًا إلى الحزب الحاكم، إلا أنه تشكل في البلاد مناخ بحيث يأخذ الجميع نصيبهم من الخوف، بما فيهم المؤيدون للحكومة. 
لقد نزلت مقصلة انقلاب 2016 على عدد هائل من موظفي القطاع العام بحيث انهارت المؤسسات والهيئات الرسمية. ومن ثم جاءت كوادر جديدة يقال إن معظمها ينتمي إلى حزب الحركة القومية وتنظيم "أرغنكون" المعروف إعلاميًّا بـ"الدولة العميقة"، وبعض الجماعات الإسلامية. 
وكما أن مناخ الخوف يسيطر على الحياة السياسية والاجتماعية، كذلك هناك مناخ مماثل له في أوساط الهيئات والمؤسسات الرسمية أيضًا، بالإضافة إلى أن جميع الموظفين قلقون من بعضهم البعض ويسود بينهم حالة من عدم الثقة بسبب الانتماءات الأيديولوجية المختلفة. 
وقد طفت إلى السطح على نحوٍ لا يمكن إخفاؤه عديد من وجهات نظر في الدولة أو الكتلة السياسية الحاكمة تختلف عن وجهة نظر أردوغان، بل وصلت أحيانًا إلى حدّ التناقضات بين الطرفين. هذا النظام الذي تأسس بعد 2016 لا يستسيغ أن يتحداه أحد. وينبغي أن نعلم جيدًا أن خسارة إسطنبول لها دلالة رمزية. لذا من الممكن أن تؤدي الصراعات الداخلية في الحزب الحاكم، والتطورات التي من شأنها أن تفاقم الأزمة، إلى نتائج صادمة للغاية.  
رغم أن تركيا لم تعد مفتوحة لاحتمالات وسيناريوهات إيجابية منذ الانتخابات البرلمانية والرئاسية في 2018، إلا أننا نرى لأول مرة منذ الانقلاب المزعوم ظهور "دولة" تحارب ضد "الدولة". ومع هذه التصفيات في إطار هذه الحرب اضطر تحالف حزب العدالة والتنمية إلى تحالفات جديدة. وهناك الآن حالة محفوفة بمخاطر كبيرة. حيث إن تكاليف بقاء أطراف السلطة في هذا التحالف أو انسحابها منه أصبحت اليوم متساوية، بمعنى أن هذه الأطراف يمكن أن تربح بالانسحاب من التحالف أو الاستمرار فيه على حد سواء. وهذا الوضع يجعل الكتلة الحاكمة هشة للغاية. وأرى أن عودة تركيا إلى التطبيع مجددًا وصلت إلى نقطة صعبة، فحزب الحركة القومية يحفر بسرعة كبيرة تحت أقدام حزب العدالة والتنمية. 
أظنّ أن أعظم نجاح حققته المعارضة في هذه الانتخابات أنها أدركت أنها لن تتمكّن من النجاح أمام هذا النظام طالما تغاضت عن الأكراد. وبالفعل قدم حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد أداء مذهلاً في هذه الانتخابات. كما لاحظت خلال هذه الفترة أن قاعدة حزب الشعب الجمهوري تدعم الاقتراب من الحزب الكردي، بل تدفع حزبها في هذا الاتجاه وتمارس عليه الضغط. ومن الممكن القول بأن القاعدة الكردية هي الأخرى تشهد زوال البرودة التي كانت تشعر بها في الفترة السابقة تجاه الحزب الجمهوري لأسباب مفهومة. 
أما حزب العدالة والتنمية فأنا لا أؤيد الرأي القائل بأنه حزب "إسلامي"، بل حتى أرى أنه من الصعوبة بمكان أن نصنّفه ضمن إيديولوجية معينة. بحسب رأيي، إنه ليس إلا عنوان مجموعة نفعية للغاية. وأزعم أن ما مارسه حزب العدالة والتنمية في غضون هذه الفترة يشكّل عاملاً قويًّا يقطع دابر ما يمكن تسميته "الإسلام الراديكالي" في تركيا.
نسبة الأصوات التي حصدها تحالف الشعب المكون من حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية في الانتخابات أعلى بكثير من دعمه الحقيقي، فضلاً عن أن مناخ الخوف والتهديد له تأثير كبير على توجهات قاعدة هذا التحالف. لذا أتوقع حصول انفصالات وانشقاقات داخل هذا التحالف وناخبيه. ومن الممكن أن يسرّع تلك العملية الاستياءُ المشهود لدى قاعدة الحزب الحاكم من حياة البذخ والرفاهية التي يعيشها رموز الحزب. 
وعلى الرغم من أن لحزب الحاكم بقيادة أردوغان يبدو قويًّا جدًّا، إلا أنه يعيش في الحقيقة أضعف مراحله في الحكم، حيث نراه يتحدث صباح مساء عن ضرورة بقائهم في السلطة للحفاظ على ما سماه "مكتسبات تركيا" والحيلولة دون تقسيم البلاد! والمناورة التي أقدم عليها في نتائج انتخابات إسطنبول، مع تلك العمليات التي أجراها في الشمال السوري، تشكّل أخطر الحملات التي قادها طيلة حكمه. 
نظام أردوغان خلف وراءه بعد 17 عامًا من الحكم دولة منهارة مؤسساتها وتقاليدها تمامًا للأسف.
يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا على الرابط:

https://ahvalnews.com/tr/turkiyenin-karari/yektan-turkyilmaz-15-temmuzdan-sonra-ilk-kez-devlete-karsi-savasan-bir-devlet