اومت اوزكرملو
يناير 09 2018

المرسوم 696.. لماذا يؤيد معظم الأتراك الحكم القمعي؟

دأبت منذ فترة على الكتابة عن القوى المحركة وراء تحول تركيا الثابت والمستمر من دولة ذات نظام حكم نصف ديمقراطي ونصف سلطوي إلى دولة يحكمها نظام مستبد بالكامل، وبالتحديد عن البعد الثقافي السياسي الذي كثيرا ما يتم إغفال دوره في عملية التحول هذه. وفي غضون ذلك، ذكرت أيضا بعض الأطراف الفاعلة التي ساهمت في هذا التحول.
لكنني لم أكن قد تطرقت بعد إلى القلب المقدس للعملية الديمقراطية، ألا وهو "الشعب".
السؤال بسيط: لماذا يؤيد قطاع كبير من الشعب التركي حكومة استبدادية؟ وهنا تعمدت استخدام مصطلح مبهم إلى حد ما وهو "قطاع كبير"، لأننا لا نعرف بشكل دقيق عدد الناخبين الذين صوتوا لصالح حزب العدالة والتنمية في الجولات الانتخابية القليلة الماضية بسبب المخالفات الانتخابية.
بالإضافة إلى ذلك، هناك قطاع من الناخبين إما لا يدلون بأصواتهم أو لا يمكنهم ذلك لأسباب مختلفة. وهناك نقطتان يمكن أن نؤكد عليهما باطمئنان: أولا أن عدد الأشخاص الذين يدعمون الحكومة الحالية يفوق بكثير عدد هؤلاء الذين يرغبون في تغيير الحكومة، وثانيا أن عددا كبيرا نسبيا من الناخبين، رغم معارضتهم لسياسات الحكومة، يساهمون في إطالة أمدها وإضفاء الشرعية عليها من خلال صمتهم وخنوعهم.
وفي محاولة لفهم هذه المعضلة، نستعرض خمسة إجابات محتملة للسؤال المطروح أعلاه:
1-    أن معظم الناس يعتقدون أن هذه الحكومة تمثلهم وتعكس قيمهم.
2-    أن معظم الناس يستفيدون من هذه الحكومة بأشكال مختلفة، أي أنهم يصوتون لصالحها لتحقيق مصالح ذاتية.
3-    أنهم يخافون من التداعيات المحتملة لإظهار العصيان أو المعارضة.
4-    أنهم يخشون التغيير، وبالتالي يسعون إلى الاستقرار.
5-    أنهم لا يثقون بالبدائل ولا يعتقدون أن الخيارات السياسية الأخرى ستفرز نظاما سياسيا أفضل.
بالطبع، يمكن أن تكون الإجابة "كل ما سبق" أو اثنين أو أكثر من هذه الإجابات، لكن دعونا نتناول بإيجاز كل خيار على حدة.
الإجابة المحتملة الأولى تتمحور حول فكرة "الشخصية الاستبدادية" التي صاغها الفيلسوف تيودور أدورنو وزملاؤه اعتمادا على نظريات التحليل النفسي. وفي حين هدفت أطروحاتهم في الأساس إلى تفسير الأسباب المحتملة لتأييد الشعب الألماني للنظام النازي و"الهولوكوست"، انهالت عليهم الانتقادات وقتها بسبب المنهجية التي اتبعوها وتحيزاتهم النظرية. لكن لا توجد فائدة من إضاعة الكثير من الوقت على التركيز على النظرية نفسها في الوقت الراهن.
أما وقد قلت ذلك، أود أن أشير إلى أنه بالنظر إلى "ثقافة الإعدام الغوغائي" الجسدية والرمزية التي كانت جزءا لا يتجزأ من الحياة السياسية والاجتماعية في تركيا (يمكن فقط تذكر ما حدث في مذابح تراقيا 1934 وأحداث 6-7 سبتمبر 1955، ومذابح جوروم ومرعش وسيواس وهلم جرا باعتبارها بعض مظاهر هذه الثقافة)، أعتقد أن مفهوم "الشخصية الاستبدادية" لا ينبغي أن يتم استبعاده تماما.
والأمر الأكثر خطورة هو الطريقة التي تشجع بها الحكومة الحالية نفسها "ثقافة الإعدام الغوغائي"، حيث أصدرت في الآونة الآخيرة المرسوم التنفيذي رقم 696 والذي يوفر حصانة للمدنيين عن أفعالهم أثناء مقاومتهم لمحاولات الانقلاب والهجمات الإرهابية، سواء كانوا يشغلون منصبا رسميا أم لا، وهو الإجراء الأبرز والأكثر جرأة في إطار هذه العقلية المقيتة.
وللأسف، ليس ثمة طريقة للتنبؤ بالعواقب المحتملة لهذه الدعوة المفتوحة التي أطلقتها الحكومة في اتجاه الحرب الأهلية، لكن يمكن مناقشة هذا الأمر في مقال آخر.
الإجابة الممكنة الثانية على التساؤل عن سبب دعم عدد كبير من الناس لنظام استبدادي هي أنهم يستفيدون منه. وقد استهل المؤرخ الألماني جوتز آلي كتابه الشهير "المستفيدون من هتلر: النهب والحرب العرقية ودولة الرفاه النازية" باقتباس لهيرمان جورينج، مؤسس شرطة الجستابو السرية في العصر النازي: "إذا كان على شخص ما أن يتضور جوعا (في هذا العالم)، ليكن شخصا ليس ألمانيا."
وفي إشارة إلى أن دعم الشعب الألماني للنازية لا يمكن تفسيره بأسباب أيديولوجية فحسب، يقول آلي إن الاستقرار الاقتصادي والازدهار النسبي خلال الحقبة النازية كان لا يقل أهمية عن الدعاية العنصرية، إذ لم يتأثر المواطنون في ألمانيا بالحرب أو شعروا بالحاجة إلى التشكيك في السياسات النازية، خاصة بعد أن تدفقت العائدات على ألمانيا نتيجة مصادرة الممتلكات الخاصة باليهود والاستيلاء على الأصول في البلدان المحتلة.
هذه الحجة يمكن أن تفسر إلى حد ما الدعم الذي حصل عليه حزب العدالة والتنمية في ولايته البرلمانية الأولى، حين ساهمت مجموعة من العوامل، مثل الالتزام الصارم ببرنامج الإصلاح الاقتصادي الموروث عن الحكومة السابقة والتأثير الإيجابي لمفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والظروف الاقتصادية العالمية، في زيادة حماسة الناخبين تجاه حزب العدالة والتنمية.
ومع ذلك، هذا ليس هو الحال الآن، حيث بدأت المؤشرات الاقتصادية تشير إلى حدوث ركود محتمل مع بدء هروب رأس المال الأجنبي ببطء إلى خارج البلاد. وكما لاحظ العديد من المراقبين، فإن الاستقرار (النسبي) لم يعد يتحقق سوى بتدخلات مصطنعة. ومن الصعب للغاية الزعم بأن الدعم الذي تحظى به الحكومة الآن يستند إلى المصالح الاقتصادية، خصوصا في وقت ينتقد فيه الرئيس البنك المركزي التركي باستمرار وتعيش فيه البلاد في عزلة متزايدة عن بقية العالم بسبب السياسات الخارجية التي تنتهجها الحكومة، ما لم نفترض بالطبع أن الناخبين سيتم خداعهم أو استغلالهم بطريقة أو بأخرى عن طريق منحهم بعض الأجولة من الفحم أو الغذاء قبل الانتخابات. وإذا كان الأمر كذلك، ليس هناك الكثير لنقوله على أي حال.
هناك ثلاث إجابات محتملة متبقية، واثنان منهم، بطريقة أو بأخرى، يتعلقان بعامل "الخوف"، وعلى الأرجح يشكلان جزءا أساسيا من الجواب.
مرة أخرى، ليست هناك حاجة إلى تناول هذه النقطة كثيرا. إذ أنه من غير المنطقي أن نتوقع من الناس أن يعارضوا النظام وهو يرزحون تحت حالة طوارئ تبدو لا نهاية لها بالمخالفة لمبدأ سيادة القانون ويرون مئات الآلاف من الأشخاص وقد فُصلوا من وظائفهم وتم منعهم من السفر إلى الخارج فيما ألقي بعشرات الآلاف في السجن استنادا إلى أدلة واهية ودون محاكمة لعدة أشهر، وفوق كل هذا يواجهون جهازا أمنيا لا يعرف الرحمة ويستمعون لتقارير عن فرق اغتيالات تُرسل إلى الخارج لقتل المعارضين.
وهناك بُعد آخر لعامل الخوف يتعلق بالتبعات المحتملة لنقل السلطة، فليس من الصعب أن ندرك أن الإسلاميين والجماعات الدينية، التي تشكل القاعدة الأساسية لمؤيدي الحكومة الحالية، لديهم مخاوفهم بشأن فقدان معظم المكاسب التي حققوها خلال الفترة الماضية إذا فازت المعارضة العلمانية بالانتخابات، وكذلك بشأن التكلفة الذي قد يضطرون لتحملها ثمنا لتوجههم السياسي وتواطئهم السابق مع الحكومة الحالية.
وقد نبهت في مقالات سابقة إلى أن أجواء الاستقطاب، وحتى الكراهية، بين مختلف الطوائف، قد يكون لها ما يبررها. لذلك يمثل البقاء في السلطة، في هذا السياق، أهمية وجودية بالنسبة لأصحاب السلطة وأولئك الذين يدعمونهم.
ويزيد من الطين بلة ضعف الأحزاب المعارضة. فإذا لم تكن أحد الداعمين للحزب الحاكم، فليس لديك خيار آخر سوى الانضمام إلى أحزاب أخرى أقل التزاما بالتوجه الإسلامي بقليل ولكن بنفس القدر من الأيديلوجية القومية، أو يمكنك الانضمام إلى حزب قومي علماني يزعم زعيمه أنه سيعمل على "استعادة" الجزر اليونانية إذا فاز في الانتخابات.
إذن، هي مجرد أطباق لطعام واحد بنكهات مختلفة، والناخب له الاختيار..هل يريد القليل من القومية مع صلصة الطماطم أم يفضل البشاميل بدلا من ذلك؟
الإجابة؟ ليست هناك إجابة محددة ، وحتى لو كانت هناك إجابة ما، فإنها لن تكون باعثة على التفاؤل، فالتحليل الموجز أعلاه يشير إلى أن قطاعا كبيرا من المواطنين الأتراك سيواصل دعم هذه الحكومة، إما لأنهم يعتقدون أنها تمثلهم وتعكس قيمهم، أو لأنهم يعتقدون أنها توفر الاستقرار.
أما بقية المواطنين، بمن فيهم الذين لا يؤيدون هذه الحكومة، فهم للأسف يعانون من العجز بفعل الخوف، لدرجة أن البعض ترك كل شيئ وفضل الهجرة إلى بلدان أخرى. والأسوأ من هذا أنه لم يعد هناك شعور بالوحدة بين الأطراف السياسية لمحاربة الاستبداد، وليست هناك معارضة لتأخذ زمام المبادرة في هذه المعركة (وحتى الأشخاص الذين يمكنهم فعل ذلك تم سجنهم بتهم تتعلق بدعم الإرهاب).
وليس من قبيل المصادفة أن نواصل الإشارة إلى ألمانيا النازية عند تحليل السياسة التركية، حيث يبدو أنه لا سبيل للخروج من هذه المعضلة سوى أزمة كبرى على غرار عملية عسكرية في مدينة عفرين السورية أو حرب مع بلد مجاور مثل اليونان أو حرب أهلية تعجل بها جماعات شبه عسكرية.
ومن الأفضل ألا نرفع من آمالنا لعام 2018 الذي لن يكون، على الأرجح، أفضل حالا من سابقه. 
يمكن قراءة هذا المقال باللغة الإنكليزية أيضا: